• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

طه جابر العلواني.. صاحب “القراءتين” ومشروع إصلاح العقل المسلم

مروان الجبوري١١ سبتمبر ٢٠٢٦

في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر؛ تقف شخصية الدكتور طه جابر العلواني بوصفها إحدى العلامات الفارقة التي جمعت بين الأصالة المنهجية، والتطلع إلى إصلاح المنظومة المعرفية للمسلم المعاصر الذي بدأ قبل نحو قرنين بطرح أسئلة الحداثة وعلاقة الدين بالحياة والعالم.

لم يكن العلواني مجرد فقيه ينقل النصوص أو يجدد في فروعها، بل كان مفكرًا أصوليًا، انشغل بسؤال نظرية المعرفة والمناهج، وسعى طيلة حياته الأكاديمية والفكرية إلى تقديم مشروع يربط بين “قراءة الوحي” و”قراءة الوجود”، لتجاوز أزمة العقل المسلم المعاصر، وفق ما يرى.

ورغم سنوات إقامته الطويلة في الولايات المتحدة الأميركية؛ إلا أنه ظل لصيقًا بقضايا المجتمعات الإسلامية، قريبًا من همومها، وسعى عبر كتاباته وإصدارات “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” الذي كان يرأسه؛ لتقديم رؤى وحلول لأبرز المشكلات التي تعانيها هذه المجتمعات، فكان وفيًا لجذوره ودينه، حريصًا على نهضة المجتمعات المسلمة في بلدانها الأصلية وفي المهاجر.

وكانت كتاباته إضافة حقيقية للمكتبة الإسلامية المعاصرة؛ كما يؤكد كثير من العلماء والمفكرين المعاصرين، لما طرحته من أفكار، وناقشته من إشكالات؛ ظل الكثيرون يقفون على أعتابها، متهيبين خوضها لحساسيتها، والفهم التقليدي الموروث الذي يرتبط بها.

النشأة والتكوين العلمي

ولد طه جابر العلواني في مدينة الفلوجة عام 1935، ونشأ في بيئة علمية واجتماعية محافظة، وتلقى معارفه الأولى في المحاضر العلمية والكتاتيب والمساجد، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ العلوم الشرعية واللغة العربية، وهي المرحلة التي أسست فيه روح الشغف بالنصوص والبحث اللغوي والأصولي.

انتقل العلواني بعد ذلك إلى العاصمة بغداد لإكمال دراسته النظامية، متأثرًا بالعلماء والشيوخ الذين جمعوا بين التعليم التقليدي والرغبة في مواكبة المناهج الحديثة.

ومن أبرز من تلقى العلوم على أيديهم الشيخ عبد العزيز سالم السامرائي في الفلوجة، وكان له الأثر الأكبر في بداياته العلمية؛ حيث أخذ عنه العلوم الشرعية واللغوية، وحفظ على يديه القرآن الكريم، كما تأثر وتتلمذ على يد فقيه العراق الشيخ أمجد الزهاوي، والشيخ محمد فؤاد الآلوسي، والشيخ نجم الدين الواعظ، والشيخ عبد القادر الخطيب، وغيرهم.

غير أن التحول العلمي الأبرز في مسيرته التأسيسية كان انتقاله إلى مصر للدراسة في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بالقاهرة، وهي المؤسسة التي كانت تشهد في منتصف القرن العشرين حراكًا فكريًا وفقهيًا واسعًا، في عالم يموج بالأفكار والأيدولوجيات المتصارعة.

وفي الأزهر؛ تدرج العلواني في المرحلة الجامعية الأولى حتى حصل على درجة البكالوريوس، ثم واصل دراساته العليا في تخصص الأصول والفقه، ونال في العام 1973 درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عن تحقيقه لـ”المحصول في علم الأصول” للإمام الفخر الرازي؛ الذي يعد من أمهات كتب الفقه والأصول.

لم يكن هذا الاختيار مجرد عمل أكاديمي روتيني، بل تمرينًا عميقًا في تفكيك قواعد الفكر الأصولي وشروطه، مما مكنه من امتلاك آليات النظر المقاصدي والأصولي، وهو السلاح المنهجي الذي استخدمه لاحقًا في مشاريعه التجديدية.

من التدريس إلى التأسيس

بعد إتمام دراسته في مصر؛ عاد العلواني إلى العراق وعمل أستاذًا في كليات ببغداد، ثم غادرها مستقرًا في المملكة العربية السعودية، حيث عمل أستاذًا للفقه والأصول في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض لنحو عشر سنوات (1975–1984).

وخلال هذه الفترة؛ أتاح له التدريس الجامعي والتفاعل مع طلاب العلم والباحثين إعادة فحص الأزمات الفكرية والفقهية التي تتكرر في الخطاب الديني المعاصر، ورأى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب النصوص، بل في قصور المناهج التفسيرية والاستدلالية.

في منتصف الثمانينات؛ انتقل العلواني إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهي المحطة التي أطلقت طاقاته المؤسسية والتنظيمية على نطاق عالمي.

وبالاشتراك مع نخبة من المفكرين والعلماء، وفي مقدمتهم الدكتور إسماعيل الفاروقي والدكتور عبد الحميد أبو سليمان والدكتور هشام الطالب؛ ساهم العلواني في تأسيس “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” عام 1981 في ولاية فرجينيا، وشغل رئاسته لعدة سنوات، وغدا المعهد تحت إدارته مركزًا دوليًا لتوليد الدراسات والمفاهيم المتعلقة بإصلاح مناهج الفكر الإسلامي.

ولم يقتصر نشاطه على الجانب النظري الأكاديمي؛ بل شارك في تأسيس وترؤس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في الولايات المتحدة “جامعة قرطبة”؛ التي عمل رئيسًا لها، لإعداد الأئمة والدراسات الإسلامية وفق المنهجية الأكاديمية الغربية.

كما تولى رئاسة مجلس الفقه الإسلامي بشمال أميركا لسنوات، محاولًا عبره تقديم إجابات واجتهادات فقهية تناسب المسلمين المستقرين في المجتمعات الغربية، إلى جانب مشاركته في تأسيس العديد من الجامعات الإسلامية والمجالس الأكاديمية العالمية حول العالم.

وفي سنواته الأخيرة؛ انتقل إلى القاهرة حيث واصل الكتابة والبحث وتدريس الطلاب حتى وفاته في آذار/ مارس 2016.

المعالم الفكرية والإضافات المنهجية

لا يمكن فهم القيمة العلمية للعلواني بمعزل عن القضايا المفصلية التي اشتغل عليها، فقد ميّز بين المنهج والتراث، وأكد أن التراث منتج بشري يتأثر بظروف وقائعه، بينما النص الشرعي حقيقة معصومة ممتدة.

وتتلخص أبرز معالم مشروعه الفكري في عدة محاور، من أبرزها “إسلامية المعرفة”، والتي تعني إعادة بناء المنظومة المعرفية المعاصرة، عبر الجمع بين علوم الوحي والعلوم الإنسانية، والاحتفاظ باستقلالية الرؤية الإسلامية.

وإضافة إلى ذلك؛ أصّل من خلال كتاباته لفكرة “الجمع بين القراءتين”، والتي يعني بها التكامل الضروري بين قراءة كتاب الله المسطور “القرآن الكريم”، وقراءة كتابه المنشور “الكون والوجود” لاستنباط القوانين.

اهتم العلواني كذلك بمركزية “التوحيد ومقاصد القرآن”، والتي أكد من خلالها أن المقاصد الحاكمة العليا للقرآن تتمثل في التوحيد، والتزكية، والعمران.

ومن خلال “فقه الأقليات”؛ وضع القواعد والأسس النظرية للتكيف الأصولي للمسلمين خارج العالم الإسلامي، بما يحفظ الهوية ويراعي العيش المشترك.

“إسلامية المعرفة” صياغة وحراكًا

شكلت “إسلامية المعرفة” النواة الصلبة لمشروع العلواني، ولم يكن المقصود بهذا المصطلح أسلمة التكنولوجيا أو إضفاء صبغة شكلية دينية على المناهج الغربية، بل كان الهدف منها هو إعادة بناء المناهج ووسائل المعرفة استنادًا إلى المنظور الحضاري الإسلامي.

ويرى العلواني أن العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة نشأت في سياق غربي له تحيزاته وإشكالاته التاريخية مع الدين، وبالتالي فإن نقلها واستيعابها في مجتمعاتنا دون نقد وتأصيل يخلق انفصامًا لدى العقل المسلم.

أما في نظريته “الجمع بين القراءتين”؛ فقد طور العلواني مفهوم الجمع بين “قراءة الوحي” و”قراءة الوجود”، وفي رأيه فقد أدى الانفصال التاريخي بين علماء الدين الذين انحصرت قراءتهم في الوحي، وعلماء الطبيعة والاجتماع الذين انحصرت قراءتهم في الكون؛ إلى جمود علوم الشريعة وانبتات علوم الحياة عن قيم الأخلاق والتوحيد.

والجمع بين القراءتين عنده يعني استخراج السنن الكونية والتاريخية بروح ومحكمات القرآن الكريم.

وتبنى العلواني كذلك فكرة “الوحدة البنائية للقرآن ومقاصده العليا”، فرفض التعامل مع القرآن الكريم بوصفه نصوصًا منقطعة السياق أو آيات معزولة تُستنبط منها الأحكام الفقهية بمعزل عن الكلية القرآنية، ودعا إلى ما سماه “الوحدة البنائية للقرآن الكريم”، حيث ترتبط آياته وسوره ضمن بنية كلية واحدة.

كما حدد ثلاثة مقاصد كبرى حاكمة للقرآن الكريم، وهي التوحيد لبناء العقيدة الصافية والرؤية للوجود، والتزكية لبناء الإنسان وتطهير السلوك، والعمران لاستخلاف الإنسان لبناء الأرض وتطوير الحضارة.

ولأنه عاش عقودًا في الغرب وترأس العديد من المؤسسات الدينية هناك؛ فقد أدرك العلواني أن نقل الفتاوى التقليدية المصوغة في بيئات ذات أغلبية مسلمة إلى مجتمعات الغرب؛ قد يؤدي إما إلى عزلة المسلمين أو ذوبانهم.

ومن هنا؛ ساهم بشكل مباشر في وضع الأطر النظرية لـ “فقه الأقليات المسلمة“، مفترضًا أن هذا الفقه ليس حيلًا للاستثناء، بل هو تطبيق مرن للقواعد الأصولية والمقاصدية، يراعي تغير المناط والمكان والزمان والواقع الاجتماعي الجديد.

أدب الاختلاف والبعد الإصلاحي

لم ينفصل الفكر عند طه جابر العلواني عن الشأن التربوي والدعوي، فقد كان مسكونًا بإصلاح واقع الأمة وتجاوز حالة الانقسام والنزاع المذهبي.

ومن أشهر كتاباته في هذا الباب كتابه “أدب الاختلاف في الإسلام”، والذي تتبع فيه تاريخ الاختلاف الفكري والفقهي بين الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب.

وأكد العلواني في طروحاته الدعوية أن الاختلاف والتعددية في الفروع أمر طبيعي، وظاهرة صحية تعكس مرونة الشريعة واتساعها، وأن المشكلة تكمن في النزاع والتعصب، وتحويل الخلافات الفرعية إلى معارك ولاء وبراء.

ودعا إلى إشاعة ثقافة التسامح العلمي والتحاور البناء، معتبرًا أن غياب أدب الاختلاف هو أحد أكبر العوائق أمام تجديد الفكر الإسلامي.

وعلى الصعيد الدعوي؛ حرص العلواني على الخطاب الذي يخاطب العقل ويفكك الشبهات عبر الاستدلال الهادئ بعيدًا عن الانفعال أو الخطاب الشعاراتي، وشدد دائمًا على ضرورة بناء “المسلم الحضاري” الذي يجمع بين التمسك بالقيم الإسلامية والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة والعلوم الحديثة.

إرث طه جابر العلواني

ترك الدكتور طه جابر العلواني مكتبة غنية من المؤلفات والأبحاث والتأطيرات المنهجية، التي تنوعت بين التحقيق الأكاديمي، والدراسات الأصولية، والمصنفات الفكرية والإصلاحية.

ومن أبرز مؤلفاته تحقيق كتاب “المحصول في علم أصول الفقه” للإمام الفخر الرازي في ستة مجلدات، وهو العمل الذي أظهر قدرته المنهجية التراثية، وكتاب “أدب الاختلاف في الإسلام” الذي حظي باهتمام واسع وترجم لعدة لغات.

كما قدم مؤلفات تأسيسية أخرى مثل “إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم”، وكتاب “إصلاح الفكر الإسلامي” الذي حلل فيه معوقات التجديد في العقل المسلم، بالإضافة إلى “معالم في المنهج القرآني”، و”في فقه الأقليات المسلمة”، وكتابه “لا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم”؛ الذي ناقش فيه قضية حرية الاعتقاد والمفاهيم التاريخية المتعلقة بها.

رحل الدكتور طه جابر العلواني في القاهرة عام 2016، بعد رحلة طويلة من العلم والتأسيس والتعليم، جاب خلالها العواصم والجامعات، وترك خلفه جيلًا من الباحثين والأكاديميين الذين تتلمذوا على يديه، أو تأثروا بمشاريعه الفكرية في المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمؤسسات التابعة له.

ويمكن القول إن قيمة العلواني التاريخية تكمن في أنه لم يقف عند حدود النقد أو الاكتفاء بالبكاء على أطلال الماضي، كما لم يستسلم للحلول الجاهزة المستوردة، بل حاول سبر أغوار الأزمة المعرفية التي يعيشها الفكر الإسلامي، مقدمًا بدائل منهجية تعتمد على القرآن الكريم كمصدر معرفي حاكم وموجّه.

وسيبقى مشروعه الداعي إلى التجديد المنهجي والجمع بين الوحي والعمران مادة غنية للنقاش والبحث والدراسة؛ لدى أجيال من المهتمين بإصلاح الفكر الإسلامي وتطوير أدواته المعرفية.

علاماتالثقافة الإسلامية ، الفقه الإسلامي ، المفكرون الإسلاميون ، المفكرون العرب ، تجديد الخطاب الديني
مواضيعأدب وفكر ، الثقافة الإسلامية ، الفكر الإسلامي ، ثقافة ، فكر

قد يعجبك ايضا

ثقافة

بشار عوّاد معروف.. حارس ذاكرة التراث وأحد أعلام التحقيق

مروان الجبوري٦ سبتمبر ٢٠٢٦
ثقافة

سليمان منصور.. حارس الذاكرة الذي رسم فلسطين وأدخل ترابها إلى لوحاته

خالد أصلان٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
ثقافة

عبد الكريم زيدان.. فقيه التقنين وصاحب المدرسة القانونية الإسلامية

مروان الجبوري٢١ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑