• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

عدسات مشوهة: سقوط أخلاقي في تغطية حرب إسرائيل على فلسطين

محمد رضا بهنام١٢ سبتمبر ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست 

مع دخول الحرب الإسرائيلية المريرة على غزة عامها الثالث، تكرّس السردية السائدة التي طوّرتها وسائل الإعلام الغربية الرئيسية نموذجًا صارخًا للتواطؤ المؤسسي؛ إذ تصفّي الإبادة الجماعية عبر عدسة حياد مصطنع.

ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025، حين بدأ ما يُسمى بوقف إطلاق النار، والذي انتهكته إسرائيل مرارًا، جرى فعليًا محو المأساة في غزة من دورة الأخبار، وتعاملت وسائل الإعلام مع المعاناة الهائلة التي يكابدها الشعب الفلسطيني كما لو أنّها لا تستحق الاهتمام.

وبسبب هذا التهميش الحاد، أصبحت النظرة النقدية إلى دور وسائل الإعلام في صياغة الإبادة الجماعية المستمرة وترسيخها، وإعادة الأزمة إلى المكانة العامة التي تستحقها، مهمة أكثر من أي وقت مضى.

ومن خلال تبني الرواية الإسرائيلية المتمحورة حول الأمن دون مساءلة، تواصل المؤسسات الإخبارية الكبرى إضفاء الشرعية على عنف الدولة؛ فإخفاء فظائعها خلف لغة “الدفاع عن النفس” المنمقة لا يشوّه الأزمة الإنسانية فحسب، بل يقيم درعًا أيديولوجيًا يحجب التكلفة الإنسانية الحقيقية عن الرأي العام.

غير أنّ التغطية الإعلامية المؤسسية للكارثة لا يمكن ببساطة اعتبارها إهمالًا أو تقصيرًا مهنيًا؛ فهي تمثل بنية منهجية من التواطؤ بدأت قبل ثمانية عقود. وقبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بوقت طويل، أرست وسائل الإعلام الأساس الأيديولوجي والسردي الذي سهّل لإسرائيل شنّ ردها العسكري الهائل والفوري، ومواصلة ارتكاب الفظائع في غزة.

ومنذ نشأة الجيب الصهيوني، تشكّلت الأطر التحريرية حول هدف واحد: حماية بقاء إسرائيل وتوسعها وإضفاء الشرعية عليهما، مهما كان الثمن. ومن خلال استبدال الصحافة النقدية بالدعاية، عملت هذه الأطر بصورة منهجية على صناعة القبول الشعبي بالعنف الذي ترعاه الدولة.

ولفهم الوضع في غزة بشكل كامل، وهي معسكر اعتقال تبلغ مساحته 140 ميلًا مربعًا محاصر جوًا وبرًا وبحرًا، لا بدّ من سياق تاريخي عمل المحررون الغربيون بصورة نشطة على محوه من المواد الصحفية ومن موجات البث. ونادرًا ما عرض هؤلاء، إن فعلوا ذلك أصلًا، المأزق الراهن ضمن سياق متصل يمتد لأكثر من 80 عامًا من سرقة إسرائيل للأراضي، والتطهير العرقي، والاحتلال العسكري، والفصل العنصري.

ونادرًا ما تتيح وسائل الإعلام المؤسسية للجمهور الاطلاع على الأيديولوجيا الأساسية التي قامت عليها المستعمرة الصهيونية، والتي تستند إليها في الحفاظ على “منطقها” التوسعي. غير أنّ فهم إسرائيل فهمًا حقيقيًا يقتضي إدراك أنها تأسست على اعتقاد تفوقي يرى أن السكان الفلسطينيين الأصليين يمكن الاستغناء عنهم.

ولو أنّ الصحفيين اكتفوا بفحص أجندة وكلمات الصهاينة المؤسسين لإسرائيل وأقوى المدافعين عنها، وهي كثيرة ومتاحة، لكان تصور الجمهور مختلفًا جذريًا اليوم:

  • “ينبغي لنا أن نشكّل هناك (في فلسطين) جزءًا من سور دفاعي لأوروبا في مواجهة آسيا، وموقعًا متقدمًا للحضارة في مواجهة البربرية”. (تيودور هرتزل، المؤسس السياسي النمساوي-المجري للصهيونية الحديثة؛ من مؤلَّفه السياسي “الدولة اليهودية“، 1896).
  • “يجب أن يتوقف الاستعمار الصهيوني، أو أن يمضي قدمًا بغض النظر عن السكان الأصليين. وهذا يعني أنه لا يمكنه أن يمضي ويتطور إلا تحت حماية قوة مستقلة عن السكان الأصليين، خلف جدار من حديد لا يستطيع السكان الأصليون اختراقه… ونحن… نطالب بأن تؤدي هذه القوة الخارجية هذه المهمة بحزم وتصميم”. (زئيف فلاديمير جابوتنسكي، مؤسس حزب الليكود الحديث؛ من مؤلَّفه “الجدار الحديدي“، 1923).
  • “يجب أن نطرد العرب ونحل محلهم… وإذا اضطررنا إلى استخدام القوة… فلدينا القوة تحت تصرفنا”. (ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، المولود في بولندا؛ في رسالة إلى ابنه، 1937).
  • “إنها (إسرائيل) أفضل استثمار بقيمة 3 مليارات دولار نقوم به. ولولا وجود إسرائيل، لكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تخترع إسرائيل لحماية مصالحها في المنطقة”. (عضو مجلس الشيوخ آنذاك جو بايدن، مجلس الشيوخ الأمريكي، 1986)
  • “غزة لن تعود إلى ما كانت عليه من قبل. سنقضي على كل شيء”. (يوآف غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي؛ مخاطبًا القوات التي دخلت غزة في 10 أكتوبر/ تشرين الأول، 2023.)
  • “إنّه صراع بين أبناء النور وأبناء الظلام، بين الإنسانية وقانون الغاب”. (رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في 16 أكتوبر/ تشرين الأول، خلال كلمة أمام الكنيست عقب الهجوم).

علاوة على ذلك، فقد شوهت وسائل الإعلام حقيقة الوضع في فلسطين من خلال استمرارها في وصف الصراع العربي-الإسرائيلي بـ”النزاع”؛ فهذا المصطلح يخفي تاريخًا عنيفًا من الاستعمار الصهيوني الذي بدأ في عام 1948، كما يشوّه طبيعة الرد الفلسطيني غير المتكافئ على نزع الملكية، ويخلق تكافؤًا زائفًا يحجب حقيقة أن طرفًا واحدًا، وهو المستعمر، يمتلك سلطة مطلقة على حياة المستعمَرين.

ويؤدي فصل وحشية المحتل اليومية عن العنف التأسيسي للاحتلال إلى تشويه إدراك الجمهور للأزمة، فهو يصوّر المقاومة الأصلية بصورة زائفة على أنّها عدوان غير مبرر، بينما يطبع مع نظام قمع وحشي بطبيعته.

وقد تجاهلت وسائل الإعلام أيضًا التدقيق في المبادرات الدبلوماسية مثل اتفاقيات أوسلو (1993 و1995) واتفاقيات أبراهام (2020). ومن خلال التغاضي عن عيوبها البنيوية، أضفت هذه المبادرات شرعية على الاحتلال، وطبّعت الأساس الذي قامت عليه الهيمنة العسكرية الإسرائيلية المستمرة والتوسع الإقليمي.

ونتيجة لذلك، عملت وسائل الإعلام الغربية على مرّ السنين، بما في ذلك “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”سي إن إن” و”بي بي سي” و”إن بي آر”، باستمرار كوكلاء علاقات عامة للبنتاغون وقوات الاحتلال الإسرائيلي.

وكان التلاعب باللغة أحد أكثر أدوات وسائل الإعلام خبثًا؛ فمنذ بداية حرب غزة، استخدمت المؤسسات الإخبارية شكلًا من أشكال الفصل العنصري اللغوي الذي يحدد كيفية تقدير قيمة الحياة والموت؛ أي من يستحق الحزن عليه أساسًا.

ومن ثم اعتمد الهجوم الإسرائيلي على غزة على خطاب محسوب ومصاغ لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وإخفاء أعمال العنف الجماعي فعليًا خلف لغة المهام الإدارية الروتينية.

وينعكس هذا التلاعب اللغوي في التعبيرات الرسمية الباردة الملطفة، المصممة لحماية الجيش الإسرائيلي من المساءلة، إذ يُعاد توصيف الفظائع الجماعية باعتبارها “عمليات”، والتجويع المتعمد باعتباره “تحديات لوجستية”، ومحو عائلات بأكملها باعتباره مجرد “أضرار جانبية”. وبحسب هذا التصميم، يختزل هذا “التأطير الوظيفي” البشر إلى مجرد أرقام للضحايا، ويحوّل الإبادة الجماعية إلى مأساة منقّحة ومجرّدة من أبعادها الإنسانية.

لقد جعلت وسائل الإعلام معاناة الفلسطينيين تبدو نتيجة عرضية، بدلًا من كونها نتيجة عنف متعمد، من خلال استخدام صيغة المبني للمجهول؛ إذ تظهر الأفعال منفصلة عن فاعليها، فتُقال عبارات من قبيل إن الأرواح “فُقدت”، والمستشفيات “دُمّرت”، والمباني “انهارت”.

وكانت هناك حالات عدة أصدرت فيها مؤسسات إخبارية تعليمات صريحة إلى الصحفيين تطلب منهم تجنب استخدام مصطلحات محددة، مثل: الأراضي المحتلة، ومخيمات اللاجئين، والتطهير العرقي، ولا سيّما الإبادة الجماعية وفلسطين.

وأدرك الصحفيون والشخصيات الإعلامية أنّ الابتعاد عن الرواية الإسرائيلية المعتمدة أو عن الإجماع في السياسة الخارجية يعني الجمود المهني، أو وضعهم على القوائم السوداء مهنيًا، أو فصلهم من عملهم بصورة صريحة.

ولم يقتصر تأثير هذا النقص في التعاطف على تشويه الحقائق فحسب، بل أدى إلى بناء بنية دلالية متساهلة، تحمي وتبرئ مرتكبي الجرائم بشكل خفي، وتضمن ألا يُنظر إلى الدمار الشامل على أنه كارثة إنسانية، بل باعتباره أمرًا هامشيًا مجردًا وحتميًا في سياق الجغرافيا السياسية.

وتتمثل الإدانة الأشد لفشل وسائل الإعلام في أن الحقيقة بقيت حية، لا بفضل الصحافة المؤسسية، وإنما رغمًا عنها؛ فقد وقع العبء الثقيل لتوثيق الحرب على عاتق الصحفيين الفلسطينيين الشجعان، والمواطنين الذين وثقوا الأحداث، والمؤسسات الإعلامية الرقمية المستقلة التي نقلت الأحداث من وسط الأنقاض، غالبًا على حساب حياتهم نفسها. وحتى منتصف عام 2026، أفادت منظمات دولية وهيئات معنية بمراقبة الصحافة بأن أكثر من 260 صحفيًا وعاملًا في مجال الإعلام قُتلوا في غزة.

لقد بات من المعترف به على نطاق واسع أن مؤسسات إعلامية عديدة سارعت في أعقاب هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول مباشرة إلى نشر روايات غير موثقة ومثيرة عن الفظائع، وكان من أكثر الروايات فظاعةً وتكرارًا الادعاء الكاذب بوجود “40 طفلًا مقطوع الرأس”. وقد خدم هذا الافتراء، إلى جانب اتهامات بوقوع اغتصاب جماعي منهجي، والتي دحضها لاحقًا صحفيون مستقلون ومنظمات دولية، غرضًا واحدًا: إثارة الغضب العاطفي والأخلاقي الضروري لتبرير الانتقام الإسرائيلي العشوائي.

صورت وسائل الإعلام الرئيسية الفلسطينيين لعقود طويلة على أنهم بطبيعتهم مصدر تهديد، وأقل تطورًا، وعقبة أمام الطموحات الجيوسياسية الأمريكية الإسرائيلية. ونتيجة لذلك، أسهمت في خلق الظروف السياسية واللامبالاة الداخلية التي سمحت بتدفق مليارات الدولارات من الأسلحة بلا شروط من واشنطن إلى تل أبيب.

وبعد ثلاثة أعوام من الدمار الإسرائيلي غير الخاضع للمساءلة في غزة، وتصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة، بدأت بعض المؤسسات الإخبارية أخيرًا في وصف إسرائيل بأنّها مصدر الخطر والتهديد الأساسي للسلام الإقليمي.

وتحت ستار الحياد الموضوعي، رسّخت غرف الأخبار الرئيسية ممارسة يمكن وصفها بـ”العمى أمام الإبادة الجماعية”؛ أي رفض تطبيق التعريفات القانونية أو التاريخية (كما فعلت محكمة العدل الدولية) على التدمير المباشر والمنقول عبر البث الحي لسكان مدنيين.

أعطت هذه المؤسسات أيضًا الأولوية للنفي الرسمي الصادر عن الدولة على حساب الأدلة الموثقة التي جُمعت على الأرض، ومن خلال إعطاء الأولوية للوصول السياسي والمصادر التي توافق عليها الحكومات على حساب المساءلة والحقيقة، تخلّت الصحافة الرئيسية عن مصداقيتها الأخلاقية.

تتطلب الموضوعية الحقيقية مواءمة اللغة مع الواقع الموثق، لكن وسائل الإعلام اختزلت بمرور الوقت مجتمعًا ذا جذور تاريخية إلى عنصر هامشي لا يكاد يُذكر في قصة توراتية أو رومانسية أوروبية.

سيُذكر فشل السلطة الرابعة في وضع الأحداث في سياقها الصحيح والتعبير عن الغضب الذي تستحقه المذبحة التي تحدث في غزة، باعتباره خيانة تاريخية لثقة الجمهور؛ ولحظة فاصلة تنذر بانهيارها في نهاية المطاف.

المصدر: كاونتر بانش

علاماتالإبادة العرقية الإسرائيلية ، الحرب على غزة ، القضية الفلسطينية في الإعلام ، تناول الإعلام الغربي القضية الفلسطينية
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الحرب على غزة ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

2761 شحنة.. طائرات “يونايتد إيرلاينز” المدنية تنقل عتاد عسكري إلى إسرائيل

نوح هورويتز١٢ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

بعد 25 عامًا على 11 سبتمبر.. لماذا تعود الإسلاموفوبيا إلى قلب السياسة الأمريكية؟

هبة بعيرات١١ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

يريدون إنهاء حقبة نتنياهو.. دول عربية وغربية تدخل معركة انتخابات “إسرائيل”

خالد أصلان١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑