• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

درب الخذلان الطويل: كيف تصنع الوعود الأمريكية مآسي حلفائها؟

مصطفى علي٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦

﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ — سورة إبراهيم، الآية 22.

في مايو من العام 1972، وفي طريق عودتهما من قمة عُقدت في موسكو، نزل الرئيس نيكسون ومستشاره كيسنجر ضيفين على شاه إيران. وفي تلك المضيّفة الفخمة، طلب الشاه من صديقيه طلبًا سيصوغ مأساة كردية على مدار أربعة أعوام تالية.

شاعرًا بالتهديد من جاره العراقي، طلب الشاه من الرئيس دعم عملية لتمويل تمرد كردي وتسليحه في قلب الأراضي العراقية. وجريًا على عادة التعامل بين نيكسون وشخصه المفضّل، شاه إيران، لم يرفض الرئيس الطلب، ووافق على عملية أعدّها البيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية في غضون أسابيع.

في بداية المشروع، رصدت الاستخبارات 16 مليون دولار، خُصصت أساسًا لتزويد الأكراد بأسلحة سوفيتية قدمتها إسرائيل، التي كانت شريكًا في الظل في هذا المسعى. ربما كان بإمكان الشاه تمويل العملية بنفسه بسهولة، لكن الأكراد أصروا على أن تكون الولايات المتحدة هي الضامن، بسبب عدم ثقتهم به. حتى إن مصطفى بارزاني قال في إحدى المرات: “أنا لا أثق بأي قوة عظمى أخرى”، وإنه، في حال نجاح قضيته، مستعد لأن “تصبح كردستان الولاية الحادية والخمسين”.

كان بارزاني من أكبر المعجبين بكيسنجر شخصيًا. وكهدية لحفل زفافه، أرسل إليه ثلاث سجادات وقلادة من الذهب واللؤلؤ. وطلب كيسنجر من مساعده برنت سكوكروفت إبقاء الأمر طي الكتمان، نظرًا إلى أن العلاقة مع الأكراد كانت حساسة للغاية، على حد تعبيره.

عند مقابلة كلمات بارزاني وإعجابه بكلمات كيسنجر وحذره، نجد أنفسنا أمام حالة كلاسيكية من ملامح التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، وهي الحالة التي نرصدها في مقالتنا هذه.

يذهب الباحث الكندي سيفا غونيتسكي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة تورنتو، في مقالته المنشورة في مجلة “فورين بوليسي”، تحت عنوان “درب الخيانة الطويل: لماذا تشجع واشنطن الانتفاضات ثم تهرب بعيدًا؟”، إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية تعمل على مسارين متوازيين نادرًا ما التقيا.

فمن ناحية، يوجد المسار الخطابي الذي يتغنى بالحرية وتقرير المصير والتضامن مع من يقاومون الاستبداد، ويخدم هذا المسار أغراضًا داخلية، ويعكس التزامًا أيديولوجيًا حقيقيًا متجذرًا في الهوية الوطنية الأمريكية. ومن الناحية الأخرى، هناك المسار الاستراتيجي، الذي يقوم على حسابات المصلحة والمخاطرة وحدود القوة الفعلية. لذا، عادةً ما يتحدث الرؤساء بإلهام الأول، ويتصرفون وفقًا لإملاءات الثاني.

إن كانت هناك ملامة ينبغي أن تُوجَّه، وفقًا لغونيتسكي، فهي موجّهة إلى الذين يأخذون الخطاب الأمريكي على محمل الجد، وأحيانًا بجدية تفوق جدية الأمريكيين أنفسهم، فيسقطون نتيجة لذلك في الفجوة بين المسارين. ووفقًا لهذا الإطار التحليلي، يمكننا أن نفهم جيدًا لماذا يبدو التخلي عن الحلفاء نمطًا بنيويًا متكررًا في السياسة الأمريكية، لا سلسلة من الأخطاء التكتيكية المعزولة.

“نحن ننتظر متلهفين ردكم وتصرفكم السريع”

منذ أن شرعت وكالة الاستخبارات المركزية في تنفيذ برنامجها، قاتل الأكراد القوات العراقية على مدى ثلاث سنوات، تكبدوا خلالها آلافًا من الخسائر البشرية، وبدلًا من رفع العزيمة وشحذ الهمم، أدت الخطط الأمريكية دورًا مثبطًا للعزيمة الكردية، فعبر وكالة الاستخبارات المركزية، حاولت الحكومة الأمريكية التفاوض مع الحكومة المركزية العراقية للحصول على قدر من الحكم الذاتي، بينما كانت، في الوقت نفسه وتحقيقًا لهذا الغرض، تكبح جماح الأكراد وتمنعهم من شن هجوم شامل.

في العام 1976، تولى النائب الديمقراطي عن ولاية نيويورك أوتيس بايك التحقيق في تجاوزات وكالة الاستخبارات المركزية وممارساتها الخاطئة. وبناءً عليه، أصدر في العام نفسه تقريرًا بات يُعرف باسمه، وحُجب نشره فترة طويلة بضغوط من الرئيس فورد.

يُعد هذا التقرير، بعد الكشف عنه، مرجعًا في الإفصاح عن كثير من كواليس العملية الاستخباراتية لدعم تمرد الأكراد في العراق، وفيه نجد الكثير من المهازل التي تعادل مآسيه.

يشير تقرير بايك إلى أن السياسة المتبعة كانت تقتضي أن يحافظ المتمردون على مستوى من الأعمال العدائية يكفي لاستنزاف موارد العراق، الدولة المجاورة لحليفتنا إيران الشاه.

وجاء في مذكرة أرسلها كيسنجر من البيت الأبيض إلى مدير الاستخبارات ويليام كولبي، في أكتوبر 1973، أن نيكسون “يوافقك الرأي في أننا لا نرى، ولن نرى، أنه من المستحسن أن يشن الأكراد عملًا عسكريًا هجوميًا، على غرار المبادرة التي اقترحتها إسرائيل. فلإسرائيل رغبة مختلفة في تشتيت انتباه القوات العراقية وإشغالها، في ظل حربها الدائرة مع العرب”.

وبحلول ذلك الوقت، كان الأكراد أصلًا بيادق في اللعبة الكبرى للشاه وواشنطن من دون أن يعرفوا. فقد بدأ الشاه يغيّر مساره تجاه العراق في وقت مبكر، منذ أكتوبر 1972، حين علمت وكالة الاستخبارات المركزية بوجود مساعٍ للتوصل إلى تسوية للنزاع الحدودي بين إيران والعراق.

ورغم ذلك، صدرت أوامر للوكالة بعدم إبلاغ القيادة الكردية، وإبقاء الأكراد منخرطين في القتال، بما يمنح الشاه ورقة ضغط يستخدمها في مفاوضاته مع صدام حسين.

في هذا الإطار، يعلّق النائب بايك في تقريره قائلًا: “حتى في سياق العمليات السرية، كان مسعانا هذا عملًا يتسم بالاستخفاف وانعدام المبادئ”.

ومن دون إخطار مسبق للحكومة الأمريكية أو الأكراد، أقدم الشاه وصدام حسين على خطوتهما التاريخية، فعقدا اتفاق الجزائر في مارس 1975، خلال اجتماع لمنظمة أوبك، وسحبت إيران دعمها للانتفاضة الكردية.

صورة اجتماع اتفاق الجزائر 1975 بين صدام حسين وشاه إيران، بحضور هواري بومدين

كان وقع الخبر كالزلزال على المتمردين، وقبل أن يلمّوا شتاتهم، شن الجيش العراقي حملة شاملة وحاسمة أجهزت على مشروع الأكراد في الحكم الذاتي.

في كتابه “ملوك النفط”، يرصد المؤرخ أندرو سكوت كوبر الموقف من وجهة نظر بارزاني، الذي أرسل نداء استغاثة شديد الاضطراب إلى السي آي إيه: “هناك اضطراب وارتياع بين شعبنا وقواتنا. مصير شعبنا يتعرض لخطر غير مسبوق. هناك دمار كامل معلّق فوق رؤوسنا، ولا يوجد تفسير لكل هذا. نناشدكم ونناشد حكومة الولايات المتحدة أن تتدخل وفقًا لوعودكم، وألا تخذلوا حليفكم، وأن تنقذوا حياة بارزاني وكرامة أهلنا، وأن تجدوا حلًا مشرّفًا لمشكلتنا”.

لم تلق رسالة بارزاني الاهتمام المطلوب، فأرسل إلى صديقه كيسنجر، جاهلًا تمامًا بأنه كان يعلم منذ أسبوعين بنية الشاه خيانة الأكراد، ولم يحذره. كتب بارزاني: “إن قلوبنا تدمى ونحن نرى أن إحدى النتائج المباشرة لاتفاقهما هي تدمير شعبنا الأعزل على نحو غير مسبوق… سيدي الوزير، نحن ننتظر متلهفين ردكم وتحرككم السريع، واثقين من أن الولايات المتحدة لن تقف غير مبالية خلال هذه الأوقات العصيبة”.

لم تكن هدية الزواج الثمينة كافية؛ فالبارزاني لن يتلقى ردًا من كيسنجر أبدًا. وإزاء مئتي ألف لاجئ تدفقوا على الحدود الإيرانية المغلقة، لم تفعل إدارة فورد أي شيء على الإطلاق، رغم الرسائل المستمرة من بارزاني ووكالة الاستخبارات.

حتى حين أجبر الشاه أربعين ألفًا من النساء والأطفال الأكراد على العودة إلى العراق، حيث كان في انتظارهم التعذيب أو الاعتقال أو القتل الجماعي، رفضت حكومة الولايات المتحدة السماح بدخول لاجئ واحد إلى أراضيها، وببلاغته المعهودة، برر كيسنجر ذلك الموقف لاحقًا في إفادته الواردة في تقرير بايك، قائلًا: “لا ينبغي الخلط أبدًا بين العمليات السرية والإرساليات التبشيرية”.

لم يكن هذا الدرس كافيًا ليتعلم الكردي أنه لا صديق له سوى الجبال، كما يقول المثل الكردي. فمنذ تلك الحادثة، صار لكل إدارة أمريكية تقريبًا خذلانها الكردي، سواء في تركيا أو سوريا أو إيران أو العراق.

أمطار القنابل.. والوعود بالحرية

في 15 فبراير 1991، بينما كانت السماء تمطر قنابلًا على العراق، في عرض روتيني من عروض عملية “عاصفة الصحراء”، وجّه الرئيس بوش الأب خطابًا إلى الشعب العراقي: “هناك سبيل آخر لوقف إراقة الدماء، يتمثل في أن يتولى الجيش والشعب العراقيان زمام الأمور بنفسيهما، مجبرين الديكتاتور صدام حسين على التنحي”. وفي الوقت نفسه، كانت طائراته تمطر العراقيين بالمنشورات إلى جانب القنابل، وتحثهم على الخروج إلى الشوارع والأزقة لإسقاط صدام وزمرته.

انتفض الشعب العراقي بالفعل بعد بضعة أسابيع، وليس بالضرورة استجابةً للنداء الأمريكي، بل لأن الظروف كانت مهيأة، وقاد تلك الانتفاضة متمردون شيعة في الجنوب ومقاتلون أكراد في الشمال. وفي مرحلة ما، خرجت 14 محافظة عراقية، من أصل 18، عن السيطرة المركزية لحكومة البعث. ورغم ذلك، بقي صدام حسين في السلطة حتى عام 2003، حين غزت الولايات المتحدة العراق ووصلت إلى بغداد، لاستكمال حرب غير منجزة.

وبالفعل، دأبت الأدبيات التي تناولت تلك الفترة على تسمية انتفاضة عام 1991، وما رافقها من إحجام عن دعمها، “الحرب غير المنجزة”. فبعد نداء الرئيس بوش، جرت الأحداث على نحو ضرب بآمال الشعب الذي استنهضه عرض الحائط.

انتفاضة اكراد العراق عام 1991- BBC

كان روكي غونزاليس أحد الضباط المشاركين في عملية “عاصفة الصحراء”، وقد جاءته أوامر تقضي بعدم مساعدة المتمردين، وقطع طريق انسحابهم، وتهديدهم بالقتل إن لم يعودوا أدراجهم ليموتوا على يد قوات صدام.

وحين استعاد ذكريات تلك الأيام، روى المشهد قائلًا: “كان المتمردون يطلبون العون والرعاية الطبية، كما أراد بعضهم منا تزويدهم بالأسلحة والذخيرة ليتسنى لهم القتال. كان أحد اللاجئين يلوّح بمنشور أسقطته الطائرات الأمريكية فوق العراق، ضمن منشورات تحثهم على الانتفاض ضد النظام وتحرير أنفسهم.

لم يكونوا يطلبون منا القتال، فقد شعروا بقدرتهم على القيام بذلك بأنفسهم. كان فحوى كلامهم: لقد انتفضنا كما طلبتم منا، والآن امنحونا بعض الأسلحة والعتاد لنقاتل. تمزقت نياط قلبي جراء ذلك الموقف؛ فها نحن جالسون عند نهر الفرات، وقد صدرت لنا أوامر بالتوقف. كنت أرفض ذلك كإنسان، لكنني كجندي لم يكن أمامي سوى إطاعة الأوامر”.

هكذا بدا الموقف حين منح الجنرال نورمان شوارزكوف الجيش العراقي إذنًا باستخدام مروحياته، متجاوزًا الحظر الجوي المفروض على مساحات شاسعة من البلاد. أثار القرار دهشة الجنرالات العراقيين وسعادتهم، فسارعوا إلى قصف المتمردين الأكراد والشيعة.

وتجاوز موقف الجيش الأمريكي ذلك؛ فزُوّدت وحدات من الحرس الجمهوري العراقي بالوقود، وسُمح لفرقة دبابات عراقية بالمرور عبر نقاط التفتيش الأمريكية من دون عوائق. ولم ينطق بوش ببنت شفة حين أذن صدام باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المتمردين.

في كتابه “صعود الفولكان: تاريخ مجلس بوش الحربي”، يروي الصحفي الأمريكي جيمس مان ما دار في نقاشات صنع القرار خلال تلك اللحظة، ففي إحدى الغرف، اجتمع ديك تشيني وكولن باول وبول ولفوفيتز لاتخاذ قرار بإنهاء الحرب. وقال أحد المسؤولين لتشيني: “لعلمك، يمكننا أن نزيح النظام ونقيم ديمقراطية هناك”. فرد تشيني: “لا أعتقد أن ذلك سيروق للسعوديين كثيرًا”.

لقد غدت حصيلة القتلى، التي تراوحت بين 30 و60 ألفًا من الشيعة، وبلغت 20 ألفًا من الأكراد، إلى جانب تهجير أكثر من 1.5 مليون كردي، مجرد نتيجة جانبية لحسابات النفط التي قدّمتها غرفة الحرب على الاعتبارات الإنسانية، رغم أن الرئيس بوش هو من اختار منذ البداية التبشير بهذه الاعتبارات.

وفي معرض تبريره لخطابه، تحدث بوش بكل وقاحة في مؤتمر صحفي لاحق، قائلًا: “هل أرى أن على الولايات المتحدة تحمّل وزر ما حدث لمجرد أنها اقترحت على الشعب العراقي أن يأخذ زمام الأمور بيده، مع ما انطوى عليه ذلك من إيحاء لدى البعض بأن الولايات المتحدة ستكون حاضرة لدعمهم عسكريًا؟ لم يكن ذلك صحيحًا؛ فنحن لم نلمّح إلى ذلك قط”.

وحين نشر كولن باول مذكراته عام 1996، اعترف بأن خطاب بوش ربما شجع المتمردين فعلًا، لكن الضرورة الاستراتيجية كانت أكبر من ذلك. فقد أقر بأن الإدارة الأمريكية أبقت في بغداد قدرًا كافيًا من القوة لتظل تهديدًا لإيران، التي بقيت معادية للولايات المتحدة. وهكذا، دُهست أحلام أمة كالعشب خلال صراع الأفيال.

واستفادت الولايات المتحدة من نتائج الخذلان بالطبع؛ إذ أسهمت مناطق حظر الطيران، التي فُرضت شمال العراق وجنوبه لحماية من تبقى من الأكراد والشيعة، في تمهيد الطريق للغزو الذي وقع لاحقًا عام 2003.

وكما يذكر الكاتب جيريمي سكاهيل في كتابه “حروب قذرة: العالم ميدان المعركة”، أسست الاستخبارات الأمريكية ما عُرف باسم “الفرقة 20″، التي ظلت تعمل في إقليم كردستان شمال العراق عقدًا من الزمن، وتنامت حتى بلغ قوامها 20 ألف فرد.

وأثبتت فعاليتها بمجرد وقوع الغزو؛ إذ أنشأت مخابئ سرية ومواقع للتنصت، ووضعت أجهزة استشعار صوتية وزلزالية على الطرق العراقية لتتبع تحركات القوات العراقية، واخترقت شبكة الألياف البصرية العراقية للتنصت على الاتصالات. وتمتعت تلك الفرقة بصلاحيات مطلقة على الأرض لمطاردة الأهداف البشرية عالية القيمة، بدءًا من صدام حسين نفسه.

“إما معنا.. إما معهم”

في منتصف يونيو 2009، أُعلن فوز الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية في انتخابات حامت حولها شبهات كثيرة بالتزوير. فانفجرت الاحتجاجات التي عُرفت لاحقًا باسم “الحركة الخضراء”، وكانت الأكبر في تاريخ البلاد منذ ثورة عام 1979.

في تلك الواقعة، اتبعت واشنطن نمطًا آخر من الخذلان. ففي الواقع، لم تكن الحركة الخضراء وليدة تحريض أمريكي أو أعمال استخباراتية نفذتها واشنطن في قلب طهران. لكن حين تحركت الجماهير في الشوارع وقُمعت، بينما كانت إيران العدو الأكبر للولايات المتحدة، قرر البيت الأبيض غض الطرف. وحين ننظر في تفاصيل تلك القصة، سنفهم لماذا يختار البيت الأبيض العمى في بعض الأحيان.

في الأيام الأولى، كان الحذر ديدن إدارة أوباما في التعامل مع الانتفاضة، بينما كانت تحاول إرسال رسائل إلى طهران، فحواها أن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين ينبغي أن تبدأ. واقتصر تعليق أوباما على ما يحدث على دعوة النظام الإيراني إلى احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان، لكنه لم يتماهَ مع الادعاءات التي شككت في نزاهة الانتخابات نفسها، ولم يهدد بفرض أي عواقب على انتهاكات النظام.

وقد وقعت إدارة أوباما في شراك المزايدات؛ إذ نجح السيناتور الجمهوري جون ماكين، منافس أوباما في انتخابات عام 2008، في انتزاع قرار يدين قمع طهران للمتظاهرين، صوّت له الكونغرس بأغلبية 405 أصوات مقابل صوت واحد، رغم أن الديمقراطيين كانوا يشكلون الأغلبية.

وفي المقابل، أصدر أوباما توجيهًا يمنع وكالة الاستخبارات المركزية من تنفيذ أي عمل سري لدعم الحركة الخضراء، داخل إيران أو خارجها. وذهب أبعد من ذلك؛ ففي كتابه “حروب إيران”، يتحدث الصحفي جاي سولومون عن خطوة أخرى، إذ أمرت الإدارة بوقف برنامج توثيق انتهاكات حقوق الإنسان الإيرانية برمته.

وفي كتابه “خسارة عدو: أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية”، يتحدث الكاتب تريتا بارسي عن ثمن اختيار أوباما غض الطرف عن الحركة الخضراء. فقد قدّم البيت الأبيض التحضير للدبلوماسية مع إيران على التعامل مع تزوير الانتخابات وانتهاكات حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من أن الإدارة لم ترغب فعليًا في خذلان الحركة الخضراء المؤيدة للديمقراطية أو خيانتها، فقد كانت لديها شكوك متزايدة في قدرتها على الإطاحة بحكومة أحمدي نجاد فعلًا.

لقد تصاعد الصراع داخل الكونغرس آنذاك حول فرض عقوبات على إيران. وبينما ضغط الكونغرس بشدة لتحقيق ذلك، كان أوباما قد حصل على هديته التي انتظرها من القدر مقابل صمته؛ إذ بعثت طهران برسالة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تتضمن طلبًا قد يخلق أفضل فرصة للدبلوماسية. وكما يقول تريتا: “سواء زُورت الانتخابات أم لا، كان من الواضح أن أوباما لا يريد لتلك الفرصة غير المتوقعة أن تنزلق من بين أصابعه”.

وظلت الإدارة الأمريكية تبرر موقفها بأن أي دعم أمريكي علني كان من شأنه أن يمنح النظام الإيراني ذريعة لتصوير الحركة الخضراء على أنها مؤامرة غربية، ما قد يضعف مصداقيتها الشعبية في الداخل الإيراني. ومع وجاهة هذا الرأي، التي أكدها مير حسين موسوي، مفجّر الحركة الخضراء نفسه، في حديثه إلى تريتا بارسي، فقد كان بعض المتظاهرين يهتفون بكل صراحة: “أوباما… أوباما… إما معنا أو معهم”.

وفي عام 2022، حل أوباما ضيفًا على إحدى المدونات الصوتية، وأعلن ندمه على عدم اتخاذه موقفًا تجاه الحركة الخضراء. وتحدث كاشفًا عن الفجوة التي أشرنا إليها في بداية المقال، حين أشار إلى الأخلاقيات الأسمى والاعتبارات الإنسانية التي كان ينبغي مراعاتها، ولو على حساب المصالح الجيوسياسية.

ومع صدق اعترافات أوباما وإخلاصها، بقيت البراغماتية التي اختارها في تعامله مع النظام الإيراني الخيار الأفضل من منظور المصالح السياسية. فقد نجح في انتزاع الاتفاق النووي الشهير عام 2015، الذي كان أحد أكبر إنجازات إدارته.

لكن الأحداث تثبت أن صدق تلك الاعترافات لا يعني أن أوباما، لو عاد به الزمن، لغيّر خياره فعلًا. ففي مسرح سياسي آخر، قريب من إيران، وبعد أعوام قليلة من الحركة الخضراء، اختار أوباما العمى مرة أخرى. وكانت التكلفة الإنسانية هذه المرة أعلى بكثير.

خط أحمر أم عمى ألوان؟

في 20 أغسطس 2012، رسم أوباما خطه الأحمر في رمال الشرق الأوسط، معلنًا أن أي استخدام أو نقل للأسلحة الكيميائية من جانب النظام السوري سيمثل خطًا أحمر يغيّر حساباته تجاه التدخل في سوريا.

وفي ظل وجود نظام مثل نظام الأسد، احتاج الأمر إلى وقت قصير لاختبار جدية ذلك الوعيد، ففي عام 2013، شن النظام هجمات وحشية حامت حولها اتهامات كثيرة باستخدام أسلحة كيميائية، ليتضح أن خط أوباما الأحمر كان رماديًا ومرنًا وقابلًا للتشكيل وفق معانٍ وسياقات عدة، ما أفقده جديته ومعناه، وفق وصف الباحث شادي حامد.

وجاء الاختبار الحاسم في أغسطس 2013، حين اتُهم النظام السوري باستخدام غاز السارين في هجوم على غوطة دمشق، راح ضحيته مئات المدنيين. بدت الإدارة الأمريكية عازمة على الرد العسكري، وأعلن أوباما أن مصداقيته ومصداقية المجتمع الدولي باتتا على المحك.

وخلافًا لتلك التصريحات الساخنة، اختار أوباما دهاليز الدبلوماسية مرة أخرى، ففي نهاية أغسطس وأوائل سبتمبر، عقدت واشنطن وموسكو اتفاقًا يقضي بتفكيك ترسانة النظام السوري الكيميائية بإشراف الأمم المتحدة، مقابل تجنب أي ضربة عسكرية أمريكية.

بدا الخيار معقولًا فعلًا؛ فلماذا تأخذ بالحرب ما يمكنك أخذه بالمفاوضات؟

لكن النتيجة العملية كانت بقاء الرئيس الأسد في السلطة وتفاديه أي ضربة عسكرية مباشرة، بينما استمر لاحقًا في استخدام الأسلحة الكيميائية، وكان السلاح هذه المرة الكلور الصناعي، بحسب ما أورده البيت الأبيض ذاته في أغسطس 2016، قبل أن تؤكد لجنة تابعة للأمم المتحدة أن قوات الأسد استخدمت غازات سامة مجددًا في صيف العام نفسه.

وقبل تعيينه وزيرًا للخارجية عام 2017، وصف ريكس تيلرسون إرث واشنطن في الملف السوري ببراعة، حين قال: “تراجعت واشنطن عن تعهدات قطعتها لحلفائها، وأرسلت إشارات ضعيفة أو متناقضة، وتحولت خطوطها الحمراء إلى أضواء خضراء”.

أما أوباما نفسه، فلم يصدر عنه حتى اللحظة ما يشير إلى ندمه على خطه الأحمر، وإن كان قد أقر في مرحلة ما بأن إدارته فشلت في التعامل مع ما أسماه “المأساة السورية”، وكان تبريره لمراوغة خطه الأحمر شبيهًا إلى حد بعيد بكلمات بوش الأب حين برر تحريضه الشعب العراقي على الثورة.

ففي لقائه التلفزيوني الأخير بصفته رئيسًا، تحدث أوباما قائلًا، حين لامه المذيع على رسم خط أحمر افتقر إلى المعنى: “أعتقد أنني كنت سأرتكب خطأ أكبر لو قلت، بدلًا من الخط الأحمر: آه… أسلحة كيميائية… هذا لا يغيّر حساباتي بشأن سوريا”.

أوباما مع بوتين، أو أوباما ولافروف في سياق الملف السوري 2016

بغض النظر عن مشاعر الرئيس الشخصية، ومأساته في شرح مقاصده البلاغية لجمهوره، كان الأثر الجيوستراتيجي كارثيًا على الولايات المتحدة نفسها، فقد تسبب دور الضامن الذي منحته إدارة أوباما لروسيا في صفقة السلاح الكيميائي في عودتها من الباب الكبير إلى مسرح أحداث الشرق الأوسط، بعد أربعة عقود من إبعادها بنجاح عن المنطقة.

وفي الواقع، كان للملف النووي الإيراني حضوره في تحديد أولويات الرئيس في سوريا. فحين بلغ المفاوضين الإيرانيين أن أوباما يعتزم توجيه ضربة إلى نظام الأسد، هددوا بالانسحاب من المحادثات إذا لجأت الولايات المتحدة إلى هذا الخيار، كما يذكر تريتا بارسي في كتابه.

في النهاية، تختلف الأمثلة الأربعة التي أوردناها هنا في سياقاتها وأحداثها ولاعبيها، لكن يجمعها شيء واحد: “عقيدة الانتفاع البراغماتي”. وهي نمط سلوكي تنتهجه واشنطن حين تستخدم حليفًا أو حركة احتجاجيةً ورقةَ ضغط أو أداةَ استنزاف ضد خصم إقليمي، من دون التزام حقيقي بمصير أمة أو شعب.

وبناءً على ذلك، قد يكون السؤال الأكثر واقعية: لماذا يستمر الحلفاء في الاتكال على الولايات المتحدة؟ هذا بالضبط ما يقودنا إلى موضوع المقالة الختامية لهذا الملف، التي نرى فيها لماذا تجد واشنطن وحلفاؤها أنفسهم في حلقة تُبقي الولايات المتحدة عالقة في المنطقة؛ فحتى حين تريد الخروج منها بمحض إرادتها، تبدو عاجزة عن ذلك.

علاماتأمريكا والأكراد ، التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط ، السياسة الأمريكية ، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
مواضيعالأكراد ، السياسة الأمريكية ، العلاقات الأمريكية العربية ، نحن وأمريكا

قد يعجبك ايضا

سياسة

نافذة نتنياهو على المنطقة.. كيف تحاول الإمارات كسر عزلته الإقليمية؟

عماد عنان٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

عوفر فينتر.. جنرال “هانيبال” الذي يربك حسابات اليمين الإسرائيلي

أحمد الطناني٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

كيف توظف إسرائيل علم الآثار في ضم الضفة الغربية؟

جيمس شوتر٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑