• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

أين يكمن موقع الشباب المسلم في احتجاجات “الصراصير” في الهند؟

نبيه خان١٣ سبتمبر ٢٠٢٦

إحدى أنصار حزب صراصير جنتا تلوح بالعلم الوطني بعد يوم واحد من استقالة وزير التعليم الهندي، في مدينة مومباي يوم 26 يوليو/تموز 2026.

ترجمة وتحرير: نون بوست

مع اتساع الاحتجاجات التي قادها حزب صراصير جنتا في العاصمة الهندية دلهي خلال هذا الصيف، سارع العديد من المسلمين إلى حث أبنائهم على عدم المشاركة فيها. وقد حذرت بعض النداءات الصادرة عبر مكبرات الصوت في المساجد الشباب المسلم من مغبة الانخراط في هذه المظاهرات، وطلبت منهم البقاء بعيدًا؛ ليس بسبب أي تعارض أو صدام مع المبادئ التي تحملها الحركة، بل وسط مخاوف من التعرض للمضايقات، وتلفيق التهم الباطلة، والملاحقة، والترهيب.

بالنسبة للعديد من الطلاب، كانت المشاركة في الاحتجاجات التي أُقيمت في جانتر مانتر في دلهي، بمثابة وسيلة للتعبير عن مدى اهتمامهم بالقضايا الجوهرية التي تواجه البلاد. غير أن الطلاب المسلمين في الهند اليوم يجدون أنفسهم مضطرين دائمًا لحساب عواقب أفعالهم. ولا يغيب عن أذهانهم أن هناك نشطاء من الطلاب المسلمين يقبعون منذ سنوات في غياهب السجون دون محاكمة، وبلا أمل يُذكر في الحصول على إفراج بكفالة، في حين تعرض البعض الآخر لهدم منازلهم.

في نظر الحكومة الهندية، يأتي المسلم في المقام الأول، ثم تأتي صفته كـ”طالب” لاحقًا. وقد يبدو البقاء في المنزل، لمن يراقب المشهد من الخارج، وكأنه نوع من اللامبالاة السياسية، لكنه في داخل المجتمع يمثل صمام أمان، ويسلط الضوء بوضوح على حدود ما يمكن للمسلمين في الهند تحمل تكلفته.

بالنسبة لجيل كامل من الشباب الهندي، جعل حزب صراصير جنتا من السهل عليهم تخيل أنفسهم كفاعلين سياسيين. وقد بدأت هذه الحركة في الأصل كمزحة ردًا على التصريحات المروعة التي أدلى بها رئيس المحكمة العليا، سوريا كانت، والذي شبه الشباب العاطلين عن العمل بـ “الصراصير”. ولكن سرعان ما انتقلت هذه الحركة من منصات التواصل الاجتماعي إلى الشوارع.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات في أنحاء البلاد، استقطبت الحركة أعدادًا هائلة من الشباب الغاضبين بسبب إخفاقات نظام الامتحانات، وتفشي البطالة، وغياب أدنى درجات المساءلة في نظام يعتمد عليه مستقبلهم بأكمله. وقد زحف الآلاف في مسيرات غاضبة نحو مبنى البرلمان، ما أسفر في الخامس والعشرين من يوليو/تموز عن استقالة وزير التعليم، دارميندرا برادان، من منصبه.

الانكشاف السياسي

لم تكن التحذيرات الموجهة للشباب المسلم، والتي تنصحهم بالابتعاد عن هذه الحركة الاحتجاجية العارمة، نابعة من الخوف وحده. بل جاءت من مجتمع يمتلك سنوات طوال من الخبرة حول ما يمكن أن يعنيه الانكشاف السياسي.

وتشكل الاحتجاجات المنددة بقانون تعديل المواطنة، وهو قانون يُقصي المهاجرين واللاجئين المسلمين المقيمين في الهند من حق الحصول على الجنسية، جزءًا من الذاكرة التاريخية نفسها. فقد بلغت حملة القمع التي أعقبت تلك الاحتجاجات ذروتها في شهر فبراير/شباط 2020، عندما أسفرت أعمال العنف الطائفي التي دبرتها الدولة في شمال شرق دلهي عن مقتل ثلاثة وخمسين شخصًا، كان أغلبهم من المسلمين. وقد أعقب عمليات العنف موجة من الاعتقالات بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب، ولا يزال بعض أولئك المعتقلين يقبعون في السجون حتى بعد مرور سنوات دون محاكمة.

بالنسبة لتلك المجتمعات التي عانت مرارًا من استهداف الشرطة والمراقبة والعنف في أعقاب أي حراك أو تعبئة سياسية، فإن هذا الحذر الشديد يستند إلى تجارب واقعية. وعلى الرغم من هذه المخاوف، شارك بعض المسلمين في احتجاجات حزب صراصير جنتا، وكان من بينهم الشاب محمد جنيد، الذي قال إنه تعرض لاحقًا لمضايقات من الشرطة.

من جهتها، حرصت حركة صراصير جنتا على التأكيد أنّ مشروعها السياسي ينتمي بالكامل للشباب الهندي. وقد جادل مؤسس الحزب، أبهيجيت ديبكي، مرارًا بأن السياسة الهندية قد أمضت وقتًا طويلًا جدًا في الانشغال بالقضايا المتعلقة بالهندوس والمسلمين، مؤكدًا أنه حان الوقت لكي تتصدر قضايا التعليم والتوظيف سلم الأولويات الوطنية.

ولا شك أن هناك إحباطًا سياسيًا مبررًا وراء هذه الحجة،  فالطالب الذي أُلغي امتحانه لا ينبغي أن يُجبر على تحديد دينه قبل أن يتمكن من المطالبة بحقه في العدالة. ولكن، بالنسبة للمسلمين، فإن السياسات الطائفية ليست مجرد موضوع يمكن ببساطة وضعه جانبًا لكي يتمكن الجميع من العودة لمناقشة قضايا التعليم والوظائف. فهذه السياسات تلاحقهم حتى في تلك المجالات؛ وتؤثر في طريقة الحديث عنهم، وفي مراقبة أحيائهم، وفي قراءة  التحركات السياسية التي  يقدمون عليها.

وتمتد الجذور التاريخية لهذا التوجه إلى ما هو أبعد بكثير من فترة حكم رئيس الوزراء ناريندرا مودي أو حزب بهاراتيا جاناتا. فقد وضع الكاتب فيناياك دامودار سافاركار الأسس الأيديولوجية لـ “الهندوتفا” في كتابه أساسيات الهندوتفا الصادر عام 1923؛ إذ عرف الأمة ووضع أطرها من خلال فكرة الانتماء الثقافي الهندوسي، وهو ما وضع المسلمين والمسيحيين خارج هذا التصور للهوية الوطنية. ولم تؤدِ سنوات حكم مودي إلا إلى ترسيخ سياسة “حكم الأغلبية” القديمة بشكل أعمق داخل مؤسسات البلاد وفي تفاصيل الحياة اليومية فيها.

لغة التحريض

لقد شهدت البلاد سلسلة من الهجمات التي شنتها جماعات أهلية ضد المسلمين، وعمليات هدم غير قانونية استهدفت منازلهم ومتاجرهم، فضلًا عن طرد المسلمين الناطقين باللغة البنغالية واللاجئين الروهينغا وإبعادهم قسرًا إلى بنغلاديش. وقد جعل مودي نفسه من المسلمين هدفًا مركزيًا في حملته الانتخابية لعام 2024. وهذه هي البيئة التي يقرر فيها الطالب المسلم ما إذا كانت المشاركة في احتجاج تستحق العناء.

في الوقت ذاته، تتبدل لغة التحريض الصادرة عن الحكومة باستمرار. فمؤخرًا، أحيا مودي استخدام مصطلح ديماغي ناكسال للإشارة إلى التمرد الفكري وسرعان ما حول حزب بهاراتيا جاناتا هذه العبارة إلى حملة منسقة من الصور الساخرة (الميمز) عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستهدفًا بها المحتجين من حزب صراصير جنتا، إلى جانب أطراف معارضة أخرى.

ويدرك المسلمون هذه اللغة جيدًا فقد وصفوا بأنهم متسللون وإرهابيون ومعادون للوطن  قبل وقت طويل جدًا من إطلاق مصطلح التمرد الفكري. ولا يعني هذا بالضرورة أن كل مواطن هندوسي يرى في المسلمين تهديدًا، ولكنه يعني بكل تأكيد أن الأحزاب السياسية باتت قادرة على حصد مكاسب انتخابية من خلال جعل المسلمين تلك الفئة المستهدفة التي يُطلب من الأغلبية أن تقيس وتحدد أمنها ومصالحها الخاصة بناءً عليها.

وفي بلد تمكن فيه حزب بهاراتيا جاناتا من الفوز بولاية وطنية ثالثة على التوالي عبر الترويج لمشروع يرتكز على الإبادة الممنهجة  للمسلمين، لا يمكن بأي حال من الأحوال التعامل مع هذه السياسات وكأنها مجرد ضجيج في الخلفية.

ولهذا السبب تحديدًا، فإن إطلاق التصريحات حول النضال من أجل الشباب الهندي، مع تجنب ذكر كلمة مسلم أو رفض مناقشة قضية السجناء السياسيين المسلمين، تخلق مشكلة. يمكن لحزب صراصير جنتا أن يقرر عدم جعل المسلمين قاعدته التنظيمية، ولكنه لا يستطيع أن يفترض ببساطة أن رفض ذكر المسلمين وتسميتهم بأسمائهم سيجعل من السياسات الطائفية أقل واقعية.

وهكذا، فإن النجاح الذي حققه حزب صراصير جنتا يضع الهند أمام معضلة أكبر بكثير من مجرد فضيحة تسريب الامتحانات. لقد أثبتت هذه الحركة أن الشباب قادرون بالفعل على تنظيم صفوفهم، ومواصلة الضغط، وإجبار الحكومة على التحرك. ولكن، لا يمكن لأي ديمقراطية أن تقيس سلامة  ثقافة الاحتجاج لديها بمجرد إحصاء عدد الأشخاص الذين ينزلون إلى الشوارع. بل يتعين عليها أن تطرح السؤال الأهم: من هو الشخص الذي يمكنه النزول والمشاركة بأمان، دون أن يضطر لحساب كيف سيؤثر اسم عائلته، أو الحي الذي يقطنه، أو الدين الذي يعتنقه، على حياته بمجرد انتهاء الاحتجاجات.

لقد نجح حزب بهاراتيا جاناتا في جعل السياسات الطائفية جزءًا من روتين الحياة اليومية في الهند. وقد عاش المسلمون تداعياتها لسنوات، من خلال وصفهم بأنهم متسللون ويشكلون تهديدًا أمنيًا، في وقت تخضع فيه أحياؤهم ومنازلهم وأنشطتهم لمراقبة متزايدة. وهذه التفاصيل ليست مجرد قضايا جانبية، فلا يمكنك أن تدعي محاربة المرض الأساسي، بينما تخبر الأشخاص الذين يئنون تحت وطأة أعراضه بأن معاناتهم مجرد إلهاء عن المشكلة الحقيقية.

يمكن لأي بلد أن يمتلك حقًا دستوريًا منصوصًا عليه يكفل التظاهر، ولكنه في الوقت ذاته قد يحتضن ثقافة سياسية تجعل ممارسة ذلك الحق أكثر أمانًا لبعض الفئات مقارنة بالفئات الأخرى. وفي هذه الفجوة تُختبر حقيقة الديمقراطية. ويدرك الشباب المسلم في الهند هذه الحقيقة جيدًا؛ وهي حقيقة يجب على حركة صراصير جنتا أن تستوعبها قبل أن تتحدث بصدق باسم الجميع.

المصدر: ميدل إيست آي

علاماتالإسلام في الهند ، الشأن الهندي ، مسلمو الهند
مواضيعالمسلمون في الهند ، الوضع في الهند ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

كيف بدأت حكايتنا مع أمريكا؟

مصطفى علي١٣ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

عدسات مشوهة: سقوط أخلاقي في تغطية حرب إسرائيل على فلسطين

محمد رضا بهنام١٢ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

2761 شحنة.. طائرات “يونايتد إيرلاينز” المدنية تنقل عتاد عسكري إلى إسرائيل

نوح هورويتز١٢ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑