• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

حيرة يانوس: لماذا يستحيل خروج واشنطن من الشرق الأوسط؟

مصطفى علي٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦

“ليس باستطاعة الأمريكيين أن يتحملوا فكرة وجود مشكلة بدون حل. إنهم من بين كل الشعوب، الأقل قدرة على التعايش سلميًا مع أمر لا يمكن حله، سواء كان ذلك من حولهم، أو بين ظهرانيهم. إن ما يُعرف بالوضعية الإنسانية، بمعنى الخضوع للمحتم والإخفاق، يدفع بهم لدى المعالجين النفسيين، أو في سباق محموم لإيجاد بدائل تنم عن القوة كالمال وتحقيق الأرقام القياسية في كل الميادين. لذا أكبر خطر قد يواجهه العالم هو: العجز الأمريكي”.  – رومان غاري، بطاقتك لم تعد صالحة.

عند البدء من اللحظة الآنية، نجد أن الكثير من الحديث بات يدور حول إمكانية أن تكون إيران هي المستنقع الأمريكي الجديد، الذي قد يدفع واشنطن للخروج من الشرق الأوسط أخيرًا، أو على الأقل، الاكتفاء بحضورٍ باهت. ولكن الناظر في التاريخ، لا يخفى عليه أن صفة المستنقع تلك، قديمة قدم حرب أفغانستان والعراق، واستفحال سياسات الحرب على الإرهاب في المنطقة التي شنتها واشنطن.

هكذا دخلت تلك الفرضية عقدها الثالث، وما زالت تنتقل من حدث لآخر، ونحن في تلك المقالة الختامية للملف الطويل، نحاول أن نقدم قراءة تسعى للنظر في ماهية الوجود الأمريكي في المنطقة هل هو آني أم سرمدي، وهل هو وفقًا لإرادة أمريكية حرة، أم أن واشنطن باتت تجد نفسها متورطة فيه عكس إرادتها؟ ولكن قبل الإجابة، علينا أن نعود إلى لحظة المجد الأمريكي ذاتها، فمن المفارقات أن الأزمات كلها، قد ولدت من تلك اللحظة بالذات.

اللحظة أحادية القطب ومنطقة فراغ القوة

في مطلع تسعينيات القرن العشرين، بدا كل شيء معدًا لاستعراض مسرحي يقوده بطل واحد فقط. هو الولايات المتحدة، التي ورثت العالم تقريبًا، وانتشر الحديث عن نهاية التاريخ وتلك النظرة التي تفسر أن لحظة المجد الأمريكي، هي ذروة ما يمكن أن يصل إليه التاريخ البشري، كما ذكر المفكر فرانسيس فوكوياما.

إلى جانب فوكوياما، كان تشارلز كراوثامر يحتفي باللحظة من منظور آخر يتعلق بالشرق الأوسط. ففي مقالته اللحظة أحادية القطب، جادل بأن البنية الحقيقية للنظام العالمي ما بعد الحرب الباردة هي قطب واحد يتمثل في الولايات المتحدة على رأس الغرب الصناعي، وأن التفوق الأمريكي يقوم على كونها الدولة الوحيدة التي تملك الأصول العسكرية والدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، لتكون لاعبًا حاسمًا في أي صراع بأي بقعة من العالم تختار التدخل فيها.

كانت أزمة الخليج وحرب تحرير الكويت هي الاختبار الأول لتلك القوة، وهذا العالم الجديد، وقد احتفى كراوثامر كثيرًا بالنجاح الذي تحقق فيها، والذي رسخ هذا الشعور بالتفرد الأمريكي.

على الجانب الآخر، كان الشرق الأوسط مسرحًا جاهزًا، ففي كتابه انفجار المشرق العربي: من تأميم قناة السويس إلى غزو العراق، يصف جورج قرم المغناطيس الذي جذب الولايات المتحدة إلى المنطقة. كانت أزمة الشرق الأوسط أن مجتمعاته لم تشهد تحولًا حقيقيًا للحداثة العسكرية، بالرغم من الانقلابات والاضطرابات المتعددة. وقد جرى التعامل مع هذه المنطقة، على أنها لم تتوصل إلى تحديد هويتها وتأكيدها، وفرض احترامها واحترام فضائها الجغرافي، لذلك أصبحت منطقة فراغ قوة.

كان هذا الفراغ العسكري تعبيرًا عن فراغ أكبر على صعيد التماسك المجتمعي والثقافي، والاجتماعي والسياسي، كما أنه عكس غياب التحولات الاقتصادية والمؤسساتية الراديكالية، التي لا يمكن بدونها إقامة القوة العسكرية في أي مجتمع من المجتمعات المعاصرة وتأمين هيبتها. لذلك، بقيت بنية المنطقة مفقودة تمامًا في غياب مجتمعات متماسكة في حدودها الجغرافية، وهوياتها المعترف بها والمحترمة.

لذا، ما إن اختفى الاتحاد السوفيتي عن مشهد الشرق الأوسط، حتى أفرطت الولايات المتحدة بتدخلاتها في المنطقة من دون عقبات تذكر. وباحتلالها عام 2003 منطقة ما بين النهرين وبغداد، كانت بذلك قد ورثت الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية، التي سيطرت قبلها على المنطقة.

المفارقة التي غابت عن كراوثامر، أن القوة غير المقيدة، تحمل في داخلها بذور تقويض نفسها، فالدولة المهيمنة التي لا تواجه أي منافس رادع، تُغري بالتوسع المفرط، واستنزاف مواردها، ما يستفز مقاومة تُضعف موقعها في نهاية المطاف، في سلسال أخطاءٍ بعضها فوق بعض.

تنبه لذلك الباحث جلبير الأشقر في كتابه الشرق الملتهب: الشرق الأوسط في المنظور الماركسي، حيث رأى أن أزمة واشنطن تمثلت في أنها لم تستوعب أن القضاء على الشيوعيين والإفلاس التاريخي لفكرة القومية العربية، لم يعنيا إلا إزالة قناتين خاصتين من قنوات التعبير عن الاستياء المعادي للامبريالية، ولم يعن ذلك، إزالة الشعور بالاستياء من الامبريالية ذاتها.

لقد أعاد ذاك الاستياء الانصباب في قناة قديمة-جديدة خدمتها واشنطن وحلفاؤها ضد الشيوعيين والقوميين طوال ثلاثة عقود من الزمن. تمثلت في السلفية الجهادية  التي كانت قوى جديدة صاعدة بقوة، استطاعت بسهولة أن تعادي الغرب بالقوة والتعصب نفسيهما، وكانت تلك الكراهية دافعًا لحركة عجلة التاريخ إلى الأمام في الشرق الأوسط، ففي غضون عقدٍ واحدٍ فقط، وجدت واشنطن نفسها في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.

الجني يخرج من القمقم

كان عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، أو عالم الحرب على الإرهاب، مُنتجًا لحافزٍ معيبٍ وجوهري، تحدث عنه الباحث في سياسات الشرق الأوسط، جورجي غوس الثالث، حيث تجد القوة العظمى نزعة للتصرف كـ قوة تحريفية في إقليم تسكنه قوى صغرى، لا منافسين عالميين محتملين، وهو ما يفسر الحرب الأمريكية ضد العراق في 1990 و2003 وأفغانستان 2001، والتدخل في ليبيا واليمن 2011.

كل ذلك كان ناجمًا عن غرور اللحظة أحادية القطب، والذي لم يجلب فقط حروبًا مكلفة، بل أطلق الجني من القمقم، باستعداء طيف واسع من الدول والميليشيات والأنظمة، التي أصبحت لاحقًا فاعلة، معادية، ودائمة، يتوجب على واشنطن التعامل معها إلى أجل غير مسمى.

لقد كان الاحتلال الطويل لكل من أفغانستان والعراق، كاشفًا لحدود التفوق العسكري الأمريكي بصورة غير متوقعة، فالقوة الساحقة القادرة على حسم المعارك الكبرى، بسرعة، عجزت في الآن ذاته عن بناء نظام سياسي مستقر في أي من البلدين، ما أسفر عن فجوة صارخة بين القوة والنتائج الفعلية المتحققة على الأرض في الشرق الأوسط.

لقطة أرشيفية لجنود أمريكيين في أفغانستان

في كتابه تاريخ الاستشراق وسياساته: الصراع على تفسير الشرق الأوسط، المنشور عام 2004 في خضم حرب العراق، يرى زكاري لوكمان أن مرد الكثير من فشل سياسات وتدخلات الولايات المتحدة في المنطقة إلى ما اعتاد البعض تسميته زهو القوة.

فمن هذا المنظور تميل ممارسة السيادة على الآخرين إلى جعل المرء، يغفل عما يحدث في الواقع، وخصوصًا تلك القوى والعوامل التي تميل إلى تحدي من هم في السلطة. لقد تجلى ذلك سابقًا في فيتنام، حيث آمن مسؤولو الولايات المتحدة بشكل راسخ أنه يستحيل لذلك الجيش الرث من الفيتناميين منتعلي الصنادل، أن يقف متحديًا القوة العسكرية الأمريكية بالغة التفوق.

ويعلق لوكمان قائلًا: “إذا ناقشنا المسألة بشكل فج، يمكن القول بأن القوة المتعجرفة غالبًا تجعل من يمارسونها أغبياء، وتمنعهم من الفهم الدقيق لما يحدث حولهم، وتؤدي بهم إلى التقليل بشكل فادح من تصميم وقدرات من يعارضونهم”.

لذا تكررت المأساة الفيتنامية بالفعل في أفغانستان، ثم العراق، وها نحن نعيشها الآن في إيران.

ويضيف: “هذا النوع بالضبط من الانفصال بين الرؤية والحقيقة، وبين السياسة وتداعياتها، هو الذي ميز بشكل متكرر تورط أمريكا في الشرق الأوسط، رغم أن العقود التالية للحرب العالمية الثانية شهدت استثمار أموال خاصة وعامة، لتطوير الخبرة بالشرق الأوسط داخل الولايات المتحدة، بغرض المساعدة على إقامة واستمرار وتعزيز المصالح والالتزامات الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية في تلك الساحة البالغة الأهمية للحرب الباردة. ومع ذلك، أثبتت السياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة أنها تأتي بنتائج عكسية بشكل متكرر، حتى بمعايير أهدافها المعلنة”.

كان ذلك يحدث بالتوازي مع الأزمة المالية العالمية لعام 2008، التي جاءت لتضيف طبقة أخرى من التآكل لهذا التفوق، وتثير أسئلة حول مدى صمود النظام الاقتصادي والمالي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود ما بعد نهاية الحرب الباردة، بينما في الوقت ذاته، كانت قوى صاعدة كالصين، رابضة في الظل في انتظار لحظتها، بينما تستهلك واشنطن نفسها في حروب مكلفة عديدة في الشرق الأوسط.

لقد دفعت كل تلك الأمور إلى طرح تساؤل جديد حول ماهية الوجود الأمريكي في المنطقة، هل هو وجود بالإرادة أم بالحتمية؟ ولكي تُختبر الفرضية بدقة، سأل مفكرون وصناع قرار أمريكيون: هل نحن موجودون لأننا قادرون؟ أم لأننا عاجزون عن الانسحاب؟ وقد كان هذا حاضرًا ومتجسدًا أيما تجسيد في إدارة الرئيس أوباما.

“نصف” استدارة تجاه آسيا

حينما صعد أوباما، كان خطابه مبنيًا على الانسحاب من الحروب الطويلة المملة في كل من العراق وأفغانستان، ولم يكن ذلك كذبًا، حيث كان متشككًا بشكل حقيقي في القيمة الاستراتيجية لوجود الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ورأى أن الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط تتراجع لمجموعة من العوامل، منها تناقص الاعتماد الأمريكي على النفط، وارتفاع تكلفة الهيمنة الأمريكية بشكل كبير.

وبعد القيام بحساب التكلفة والعائد، أدرك أوباما أن الشرق الأوسط غير قابل للإصلاح، وكلما تفاعلت الولايات المتحدة مع مشاكله، كلما زادتها سوءًا، وتحملت المزيد من اللوم على المعاناة في المنطقة.

وضعت إدارة أوباما ما عُرف باسم استراتيجية إعادة التوازن أو الاستدارة نحو آسيا في أواخر عام 2011، وتقوم تلك الخطة على تحويل الموارد العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية الأمريكية بعيدًا عن الشرق الأوسط، نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ التي اعُتبرت مركز القرن الحادي والعشرين الاقتصادي.

أوباما أمام البرلمان الأسترالي في نوفمبر 2011

كانت إدارة أوباما تتعامل مع صعود الصين والثقل الاقتصادي المتنامي لآسيا بجدية، لكن مواطنًا أحرق نفسه في تونس أشعل ما عرف باسم الربيع العربي، ليكشف للإدارة عن إلى أي مدى ليست خطتهم أكثر من أضغاث أحلام.

على الفور، وجدت الإدارة الأمريكية، بينما كان أوباما يجول في آسيا مسوقًا استدارته أمام البرلمان الأسترالي وغيره، مدعوة للشرق الأوسط الذي لم تغادره أساسًا بعد، سواء لحاجات الأمن الاستراتيجي، أو من الحلفاء التقليديين كالسعودية، الذين ألحوا على واشنطن للانخراط في ملفات عدة، حيث كان العنف ممتدًا على نطاق واسع، فالحرب الأهلية في سوريا قد اندلعت، ومفاوضات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية انهارت، والمسار السياسي المصري بعد سقوط حسني مبارك اتجه ناحية الإسلاميين.

لقد كانت الأحداث في الشرق الأوسط متسارعة بالقدر الذي دعا الباحث السياسي جون فيفر أن يُسمي ساخرًا توجه أوباما نحو آسيا مجرد نصف استدارة، وقد كتب في عام 2014 مذكرًا: “لو كان أوباما يظن أن جولته السريعة في منطقة المحيط الهادئ، تعزز استراتيجية التحول الأمريكية نحو آسيا -التي أحيطت بضجة كبيرة- فلقد سرعان ما اكتشف أن العالم، لا يتجاوب مع خططه المحكمة”.

فجوة ليبمان

في العام التالي، جاء صعود تنظيم داعش، ليجهض ما تبقى من الزخم الاستراتيجي الذي حققه مصطلح الاستدارة نحو آسيا في حقبة إدارة أوباما، لتعود الإدارة للانخراط بالكامل مرة أخرى في شؤون الشرق الأوسط.

في حوار أجراه عام 2016 مع مجلة الأتلانتيك في صدد جرده للسياسة الخارجية في حقبته، أبدا أوباما رأيه فيما أسماه المحرر مبدأ أوباما، والذي يرتكز على التوجه آسيويًا وتقليص الوجود العسكري في الشرق الأوسط، حيث قال: “كالشرق الأوسط، يعاني جنوب شرق آسيا من مشاكل كبيرة، كالفقر المدقع والفساد، لكنه مع ذلك، مليء بالأشخاص الناضجين والطموحين والنشيطين الذين يسعون كل يوم، ويكدون لتأسيس الشركات وتثقيف أنفسهم وإيجاد فرص العمل وإنشاء البنى التحتية”.

وأضاف مشيرًا إلى كثرة انخراط الولايات المتحدة في الحروب: “إذا كنا لا نتحدث إلى الشباب الطموحين في آسيا وفي كل مكان آخر، فذلك لأن الشيء الوحيد الذي نفعله هو الانشغال بمعرفة كيفية القضاء على الأجزاء الخبيثة والعدمية والعنيفة لدى البشرية وتطويقها والسيطرة عليها، وهكذا، نضيع الفرص”.

لقد بدت الخيبة حاضرة في كلمات أوباما الذي كان ينوي فعل الكثير لتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية آسيويًا وتقليل الحضور الشرق أوسطي، ولربما هذا من حسن حظ آسيا، وتعاسة حظنا.

فلقد فشلت اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التجارية، والتي كانت الركيزة الاقتصادية للاستراتيجية، بينما واصلت الصين سد الفراغ التجاري بترتيباتها الخاصة.

لقد كانت الاستدارة تجسيدًا لـ فجوة ليبمان، التي تعبر عن الإطار التحليلي للمحلل السياسي الأمريكي والتر ليبمان، الذي حذر من أن السياسة الخارجية تقوم على التوازن بين التزامات الدولة وقدراتها، وحينما يغيب هذا التوازن، تصبح النتيجة كارثة.

حاملة طائرات أمريكية في الخليج/مضيق هرمز

وعلى هذا المنوال، ظلت الالتزامات الأمريكية في آسيا تفوق الوسائل المتاحة لتنفيذها، لفترة طويلة بما يكفي لتفقد مصداقيتها، فوصولًا إلى أبريل عام 2026، كان الرئيس ترامب قد اضطر لتأجيل زيارته المرتقبة إلى الصين بسبب متطلبات الحرب مع إيران، وهو ما أثار مخاوف في واشنطن عبرت عنها مجلة فورتشن في وقت أصبح التهديد الصيني واضحًا بما يكفي، حيث بدا أن واشنطن تتشتت مجددًا على حساب مصالحها الاستراتيجية في آسيا، لحساب الشرق الأوسط، فبعد 15 عامًا من استدارة أوباما، لا تزال الولايات المتحدة غارقة عسكريًا وسياسيًا في الشرق الأوسط، بينما ظل حلمها الآسيوي معلقًا.

في صدد وصف تلك العلاقة المعقدة، كان العنوان الرابح هو ما كتبه روبرت كاغان في معهد بروكينغز، حينما صاغ تلك المُعضلة بعبارة موجزة ودقيقة: “بإمكاننا أن نستدير، لكن لا يمكننا أن نرحل”.

المظلة الأمريكية.. ولو كثرت ثقوبها

يبدو الوجود الأمريكي في المنطقة مردودًا كذلك إلى عدم جدية الحلفاء التقليديين في البحث عن بنى سياسية جديدة في المنطقة. هنا يبدو موقف دول الخليج، باعتبارها الدول ذات المصالح الأعلى والأكثر تضافرًا مع الولايات المتحدة، حالة تساعدنا كثيرًا في الفهم.

إضافة إلى ما أوردناه سابقًا من اللحظات التاريخية التي تخلت فيها واشنطن عن حلفائها، وما تسببت فيه تلك  المواقف، وغيرها، بتآكل تدريجي ومتراكم لمصداقية الالتزامات الأمريكية في نظر كل الحلفاء الإقليميين، ولدول الخليج بالأخص، كشفت الحرب في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، إلى أي مدى تبدو التزامات الحماية الأمريكية المطلقة شيئًا قابلًا للجدل وإعادة البحث فيه، وليس أمرًا بديهيًا لم يكن قد تعرض لاختبار من قبل.

لقد بدأت دول الخليج البحث عن مسارات جديدة للوساطة والضمانات بالفعل، منذ الهجوم على منشآت أرامكو في العام 2019، ومن ثم الانسحاب الفوضوي من أفغانستان في 2021، لذلك لم يكن عجيبًا التقارب السعودي الصيني، الذي نتجت عنه استعادة العلاقات الدبلوماسية الإيرانية السعودية بوساطة صينية عام 2023، ما عزز صورة الصين كـ وسيط موثوق وقادر على التعامل مع أطراف متناحرة في آن واحد.

لكن، وهذا الأهم، لا يمكن النظر على تلك الخطوات باعتبارها مساعي تستهدف إحلال الصين مكان الولايات المتحدة في المنطقة، بقدر ما تُعتبر خطوات من أجل بناء أوراق ضغط إضافية، وتنويع الشراكات وبناء منصات إقليمية بديلة.

تنبه الباحثان جيمس جيفري وإليزابيث دينت في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى لهذا السلوك الخليجي في مقالتهما المعنونة ليس هناك بديل واقعي: لماذا يظل الخليج معتمدًا على الولايات المتحدة حيث أشارا إلى أن زيارات علنية إلى بكين أو موسكو، ومناورات عسكرية مشتركة مع روسيا والصين، ليست في جوهرها أكثر من رسائل نفوذ، وليست رسائل ولاء، قصدها فقط أن تذكر واشنطن بأن لدى دول الخليج خيارات أخرى تستخدمها أكثر إن لم تلتزم واشنطن بمصالحها الأمنية.

لقطة القمة السعودية-الصينية في بكين 2023، أو صورة توقيع الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية

وتبدو الحرب الدائرة بالوكالة في اليمن حاليًا، كاشفة. فلقد أثبت حلف مكة المبرم مؤخرًا بين تركيا وباكستان والسعودية، أنه حبر على ورق، فلم تنهض أي دولة بجدية للدفاع عن مصالح السعودية التي تتعرض لهجوم من  ميليشيات أنصار الله الحوثي، ووجدت السعودية نفسها مرة أخرى في حالة طلب من واشنطن أن تتدخل ببعض الضربات على اليمن لتغطي خسائرها الحاصلة على الأرض.

لا تمتلك دول مثل السعودية حتى اللحظة سوى التحوط وإرسال إشارات إلى الولايات المتحدة، فمن الواضح كما يشير الباحث ميناس ليرتس، أن لا الصين ولا روسيا تمتلكان القدرة على استنساخ المظلة الأمنية التي توفرها البحرية الأمريكية في الخليج، والصين بالتحديد، تفتقر إلى القدرة البحرية والإرادة السياسية الكافية لضبط أمن الخليج، لذلك تبدو الاستراتيجية السعودية في جوهرها ليست “استبدال الشريك الأمريكي، بل إجبار واشنطن على ترقية التزامها، عبر معاهدات دفاع مشتركة على النمط الناتوي، وصفقات تسليح متقدمة، ودعم برامج نووية مدنية، كثمن لمنع مزيد من الانجراف نحو المدار الصيني”.

قد يبدو أن الوجود الأمريكي في المنطقة لم يعد فعالًا وحمائيًا كما كان في السابق بالنسبة لحلفاء مهمين بحجم السعودية ودول الخليج العربي، وعلى الرغم من ذلك، لا يوجد بديل استراتيجي كامل متاح بعد.

لكن تلك الفعالية التي هي في مرحلة تراجع، حولت هؤلاء الحلفاء من شركاء يثقون بالضمانة الأمريكية ثقة مطلقة، إلى لاعبين براغماتيين يديرون علاقتهم بواشنطن بمنطق تأميني تحوطي، وفي خلال مسعاهم ذلك، يتضح أنهم بينما يسعون للبحث عن بديل، لا يفعلون أكثر من طلب المزيد من المراضاة والاعتمادية على الحليف الأمريكي، ومحاولة إبقائه أطول وقت ممكن في المنطقة.

خاتمة ملف.. ووجود بلا خاتمة!

خلال قمة الأعمال الأمريكية العراقية التي عُقدت في نهاية أغسطس الماضي، صرح توم باراك سفير الولايات المتحدة لدى أنقرة، تصريحًا، قُوبل بالسخرية والهجوم. قال باراك: “أُرسل جميع الأنبياء إلى هذه المنطقة -الشرق الأوسط- وليس إلى منطقة البحر الكاريبي، ولا إلى أمريكا الجنوبية، ولا إلى أمريكا الشمالية”.

وأضاف ساخرًا: “إذا لم يستطع الله نفسه حل مشاكلها، وإذا لم يستطع الأنبياء كذلك، فإن فكرة قدرتنا على حلها في العام ونصف العام القادمين تبدو ضئيلة للغاية”.

يحمل هذا التصريح دلالة بيانية رائعة، فمن خلاله، يمكن للناظر أن يرى بالفعل الدور الذي باتت الإدارة الأمريكية تقدره لنفسها في قلب الشرق الأوسط، والذي يبدو أنها تنوي أن تستمر في لعبه لعقودٍ قادمة، حيث أصبح الفكر السياسي الأمريكي تجاه الشرق الأوسط، بعد ربع ألفية من الوجود، لا يتعلق فقط بالتحرك الطبيعي للقوى العظمى لملء مناطق فراغ القوة، بل بات قائمًا على شعور رسولي يحمل على عاتقه أزمات تلك المنطقة -وفقًا لتشخيصه الخاص- ولا يمكن أن تُحل أزمة هذه المنطقة، إلا من خلال رسول أمريكي.

هكذا، لا تستطيع الولايات المتحدة -ولا ينبغي لها- الهرب من الشرق الأوسط. وتلك الجملة هي عنوان المقالة المطولة للباحث الأمريكي هال براندز، المنشورة عام 2024 في معهد أمريكان إنتربرايز، في خضم الحديث عن السياسة الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة في عهد الرئيس جو بايدن. على صغرها، تنقسم تلك الجملة إلى شقين يحتملان الكثير من الكلام.

الشق الأول: جملة لا تستطيع والتي تعبر عن مأساة الوجود الأمريكي الذي بات يجلب الكثير من المصائب للولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، ويؤثر على سياستها الداخلية.

الشق الثاني: جملة لا ينبغي لها والتي تُعبر عن الفكر الذي ما زال يحمله الكثير من الساسة والمفكرين الأمريكيين تجاه الشرق الأوسط، وما تمثله من انعكاسات الشعور بالقوة والمسؤولية وحمل الرجل الأبيض، وكذلك، الضرورة لديمومة الولايات المتحدة كقوة عظمى، كما ينبغي أن تكون.

كان الغرض من مقالة هال تقريع إدارة بايدن، التي بدأت متفائلة بشأن تقليل الوجود في الشرق الأوسط والانسحاب من أفغانستان والتفرغ لآسيا، لتجد نفسها في أواخر أيامها تشن حربًا محدودة في الشرق الأوسط.

حملت مقالة هال عظة، فحواها الدعوة لتوسيع نطاق تلك الحرب، حيث يقول: “لماذا تجد الولايات المتحدة صعوبة بالغة في الانسحاب من منطقة تسبب لها قدرًا كبيرًا من الإحباط؟ من زاوية معينة، تُعد حرب بايدن دليلًا على مصلحة أمريكية راسخة منذ قرون في ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية العالمية. إنها أحدث تذكير بأن الشرق الأوسط، يظل بالغ الأهمية لدرجة لا تسمح بتجاهله، وشديد الاضطراب لدرجة تعجز معها المنطقة عن ترتيب أوضاعها بنفسها. إن كان الأمريكيون يتساءلون -عن حق- عن سبب قتال قواتهم وموت بعض أفرادها أحيانًا، لإدارة منطقة مضطربة. فإن هذا هو عبء القوة المهيمنة التي تسعى لتجنب عالم، يضطر فيه كل بلد للدفاع عن نفسه بمفرده”.

حاملة طائرات أمريكية في مضيق هرمز

إن تلك المصالح التي يُشير إليها هال بمنظور جمهوري أمريكي محافظ، يمكننا التعبير عنها بلغة أخرى، تتمثل في حزام ناسف صنعته الولايات المتحدة على مدار وجودها في المنطقة، وهي، لا تستطيع خلعه لأن كل محاولة لفك الارتباط تهدد بانفجار أزمة أكبر، ولا تستطيع تفعيله بالكامل عبر حسم عسكري نهائي، حيث تفوق كلفة ذلك الحسم أي مكسب متوقع، وبذلك، تبقى هي وحلفاؤها مربوطين به إلى أجل غير مسمى.

للتعبير عن ذلك بشكل أوضح، يمتلك المؤرخ الأمريكي العسكري أندرو باسيفيتش حسبة رياضية ذكية في كتابه حرب أمريكا من أجل الشرق الأوسط الكبير: تاريخ عسكري، حيث يُشير إلى أنه من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1980، لم يُقتل أي جندي أمريكي في معارك بالشرق الأوسط الكبير -باستثناء جنود السفينة ليبرتي التي هاجمتها إسرائيل خطأً عام 1967- أما منذ عام 1990، بالتوازي مع لحظة المجد الأمريكي، فلم يُقتل تقريبًا أي جندي أمريكي في قتال خارج هذه المنطقة. ويصيغ الباحث في السياسة الخارجية الأمريكي بروس رايدل تلك الفكرة بجملة أكثر براعة حين يقول: “اكتشفت واشنطن أن الدخول سهل، لكن الخروج يبدو مستحيلًا”.

حتى حين تجد الإدارات الأمريكية المتعاقبة الجرأة السياسية لطرح تخفيض حقيقي للوجود العسكري في الشرق الأوسط، تصطدم بعقبة نظرية أخرى راسخة في العقل الاستراتيجي الأمريكي التي تتعلق بنظرية فراغ القوة التي أشرنا إليها سابقًا. هي ذاتها دعت الولايات المتحدة للانخراط بشكل كامل، وهي ذاتها، باتت تُشكل رعبًا.

فكما ترى أحد مقالات فورين بوليسي المنشورة بالشراكة مع جنرالين في الجيش الأمريكي هما جاري رفهيد وسيث كوربسي أن أي انسحاب أمريكي سيفتح فورًا الباب أمام تمدد صيني أو روسي أو إيراني، وهو ما يجعل الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة للقتال من جديد للعودة للمنطقة لمواجهة نفوذ متمدد لأعدائها في مجال الطاقة.

في النهاية تبدو نظرية فراغ القوة، مجرد نظرية في علم السياسة الدولية وليست حقيقة مؤكدة علميًا، لكن مجرد الاعتقاد الراسخ بها كافٍ لوحده أن يشل أي قرار سياسي جاد بالانسحاب.

هذا ما يعيدنا إلى كلمات بن رودس مستشار الرئيس باراك أوباما للباحث تريتا بارسي في كتابه خسارة عدو: أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية، في صدد تعليقه على محاولة أوباما للخروج من الشرق الأوسط، حين يقول: “القول أسهل من الفعل بالنسبة لعدم التورط في الشرق الأوسط، خصوصاً بالنسبة لقوة عظمى لا تعترف بحدود قوتها، والتي تتوجس نخبها السياسية، من مظاهر الضعف التي قد تبدو على البلاد، والتي يتحمس مواطنوها للتدخل في كل النزاعات على هذا الكوكب”.

وإذا أردنا خاتمة لهذه المقالة، وهذا الملف، فلن نجد أفضل من جملته الساخرة حين أضاف مازحًا: “إن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية تشعر بالانزعاج الشديد، لمجرد إدراكها أن أحدًا يعرف حقًا حدود النفوذ الأمريكي. فهذا الأمر، ليس مدونًا من الأساس في دليل المهنة، لمعلقٍ أو مفكرٍ، في السياسة الخارجية الأمريكية”.

في الميثولوجيا الرومانية، يمتلك الإله يانوس وجهين، أحدهما يتطلع إلى الأمام، بينما تظل أبصار الآخر، شاخصة إلى الماضي باستمرار. هكذا هو الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، ما أشبهه بـ حيرة الإله يانوس.

علاماتالتدخل الأمريكي في الشرق الأوسط ، السياسة الأمريكية ، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
مواضيعالسياسة الأمريكية ، العلاقات الأمريكية العربية ، نحن وأمريكا

قد يعجبك ايضا

سياسة

كيف تُذكي الإمارات حرب السودان لتعزيز نفوذها وأرباحها؟

حسام محجوب٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

درب الخذلان الطويل: كيف تصنع الوعود الأمريكية مآسي حلفائها؟

مصطفى علي٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

نافذة نتنياهو على المنطقة.. كيف تحاول الإمارات كسر عزلته الإقليمية؟

عماد عنان٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑