أدخلت الأحزاب المتنافسة على مقاعد الكنيست في “إسرائيل” الذكاء الاصطناعي إلى صلب حملتها الانتخابية، واستخدمته لصناعة صور ومقاطع مفبركة تربط خصومها بشخصيات فلسطينية وعربية، أو تزج بهم في مشاهد تستدعي جيش الاحتلال والجنود القتلى والعدوان على غزة.
وتأتي انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول وسط صراع حاد على المسؤولية عن الإخفاق الأمني وإدارة الحرب ومستقبل القيادة، ما يمنح الصور المرتبطة بالأمن وغزة والفلسطينيين وزنًا أكبر في الدعاية الانتخابية.
من يصنع الصور المزيفة في الحملة الانتخابية؟
رصد مشروع “ZeBeAI”، الذي تقوده عنات بن دافيد أستاذة الاتصال الرقمي بالجامعة المفتوحة في “إسرائيل”، استخدام الذكاء الاصطناعي في منشورات الأحزاب والسياسيين على فيسبوك وإنستغرام وإكس وتيك توك.
وأظهرت بيانات المشروع في 17 أغسطس/آب تَصدّر حزب الليكود اليميني بفارق واسع، مع حضور المواد المولدة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي لدى أحزاب من المعارضة واليمين الديني والوسط.
وعلى مستوى السياسيين، تصدر النائب الليكودي أريئيل كيلنر بـ179 مادة، تلاه النائب حانوخ ميلفيتسكي بـ79، والوزير دودي أمسالم بـ66، والنائب أفيحاي بوعارون بـ61، فيما نشر نتنياهو نفسه عشرين مادة تضمنت استخدامًا للذكاء الاصطناعي خلال الفترة التي شملها الرصد.
ومنذ بداية العام، شكل الفلسطينيون والأحزاب العربية في الأراضي المحتلة مادة متكررة لهذا النوع من الدعاية، إذ استخدمت الصور المصنوعة لإظهار خصوم اليمين في تحالفات ولقاءات وعلاقات سياسية لم تحدث، أو لتحويل علاقة موجودة إلى مشهد بصري أشد تأثيرًا.
في يناير/كانون الثاني نشر الليكود صورة مركبة أضيف فيها رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت وزعيم المعارضة يائير لابيد إلى صورة تضم قيادات الأحزاب العربية، وظهرا وهما يرفعان أيديهما إلى جانبهم في مشهد مصنوع.
وفي فبراير/شباط أمر رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعام سولبرغ بإزالة الصورة، وحكم بمصاريف قدرها 8,500 شيكل لصالح حزب بينيت، بعدما رأى أن واقعيتها قد تجعل المتلقي يفهمها باعتبارها توثيقًا لشراكة سياسية حقيقية بين بينيت ولابيد والقوى العربية.
واستمر الخطاب نفسه في مقاطع أظهرت سقوط أقنعة بينيت ولابيد لتكشف تحتها وجهي منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، وأحمد الطيبي، رئيس حزب “تعال”.
وبدورها، نشرت الوزيرة الليكودية عيديت سيلمان فيديو يظهر بينيت يستيقظ من “كابوس” وهو يحتضن منصور عباس، واستخدم أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، التقنية في الاتجاه المعاكس بصورة مولدة تجمع نتنياهو بعباس.
وفي 23 يونيو/حزيران اتخذ هذا الأسلوب شكلًا أقرب إلى التوثيق الواقعي، عندما نشر بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية ورئيس حزب “الصهيونية الدينية”، فيديو يمزج لقطات حقيقية بمشهد اصطناعي يظهر غادي آيزنكوت، رئيس أركان جيش الاحتلال السابق وزعيم حزب “ياشار”، وكأنه يصافح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل انضمام منصور عباس إليهما.
وقدمت اللقطة إيحاءً بعلاقة سياسية عبر مصافحة لم تحدث، وفي 26 يوليو/تموز أمر سولبرغ بإزالة الفيديو، معتبرًا أن واقعية المشهد وطريقة عرض التنبيه الخاص بالذكاء الاصطناعي تسمحان بفهمه كتسجيل لواقعة حقيقية.
ومع يوليو/تموز دخل العدوان على غزة وصور جيش الاحتلال والجنود القتلى بصورة أكثر مباشرة إلى المواد المولدة، فنشر حزب آيزنكوت فيديو انتخابيًا يظهر فيه وسط جنود يقاتلون ويقيمون في منطقة عسكرية، ويتضمن مشهدًا يحاكي وصول جنود إلى منزل عائلة لإبلاغها بمقتل أحد أفرادها.
وفي 6 أغسطس/آب أمر سولبرغ بإزالة الفيديو من حسابات الحزب، وطبق حظر استخدام الجنود في الدعاية الانتخابية على الشخصيات العسكرية المولدة بالذكاء الاصطناعي، كما ألزم الحزب بدفع خمسة آلاف شيكل مصاريف لليكود.
ورد حزب نتنياهو خلال الشهر نفسه بمقطع يظهر آيزنكوت وهو يركض في حقل زهور نحو شاب ثم يتجاوزه ليحتضن منصور عباس، وفهم متابعون الشاب بوصفه تلميحًا إلى غال آيزنكوت، نجل رئيس الأركان السابق الذي قتل خلال العدوان على غزة، قبل أن يستبدل الليكود الشخصية بامرأة بعد الغضب الذي أثاره المقطع.
وجاء الرد من حزب “كاحول لافان” بزعامة بيني غانتس بفيديو يجعل نتنياهو يمر من أمام مقاتل ثم يحتضن السياسي الحريدي يتسحاق غولدكنوبف، فيما وضعت “الصهيونية الدينية” سياسيين من حزب “الديمقراطيين” داخل صور تحيط بهم أعلام فلسطينية ورموز شيوعية وأعلام فخر ودولارات.
وامتد توظيف صور العدوان إلى مواد نشرها يوناتان أوريخ، المستشار المقرب من نتنياهو وعضو فريق حملة الليكود، تضمنت مشاهد مرتبطة بطهران وخان يونس والضاحية الجنوبية، وفيديو يجعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينطق بالعبرية بكلام مختلق ضد آيزنكوت.
وهذا إلى جانب مقطع يظهر الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله والمرشد الإيراني السابق علي خامنئي وقياديي حماس الراحلين يحيى السنوار وإسماعيل هنية وهم يلعبون الطاولة في الجحيم.
ووسعت هذه المواد الاستخدام من اختلاق اللقاءات السياسية إلى إعادة تركيب صور الدمار والخصوم داخل الدعاية الانتخابية. إذ وصف عيدان رينغ، الباحث والكاتب في قضايا التضليل والسياسات الرقمية، هذا النموذج بمصطلح “Slopaganda”، في إشارة إلى دعاية اصطناعية منخفضة الكلفة وسريعة الإنتاج.
وفي سبتمبر/أيلول اتسع الاستخدام إلى ملفات القضاء والدين والصراع الداخلي، ووثقت صحيفة “غلوبس” حملات لشاس وبن غفير وغانتس استخدمت شخصيات وأطفالًا مولدين بالذكاء الاصطناعي، فيما أثارت “الصهيونية الدينية” جدلًا بعد نشر مشاهد تصور شخصيات قضائية وهي تُجر بواسطة عناصر أمن.
كيف تؤثر الصور المزيفة على الناخبين؟
تصل هذه المواد إلى جمهور يعيش أصلًا داخل بيئة انتخابية مشبعة بالتضليل، وفق ما كشف مسح نشره اتحاد الإنترنت الإسرائيلي، في 30 أغسطس/آب وشمل 1,005 مستخدمين بالغين من اليهود والعرب.
وقال 71% إنهم يصادفون معلومات كاذبة مرتبطة بالانتخابات “أحيانًا أو كثيرًا”، فيما أفاد 56.8% بالتعرض لحسابات مزيفة أو منتحلة، وقال 48.2% إنهم يصادفون استخدامًا مؤذيًا للذكاء الاصطناعي بغرض الإضرار بأشخاص أو تشويه سمعتهم.
وتوضح نتائج استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في 8 سبتمبر/أيلول السياق السياسي الذي تصل إليه هذه المواد، إذ أظهر أن 68% من اليهود و32% من العرب يعدون أحداث 7 أكتوبر عاملًا مركزيًا في اختيار الحزب، وجاء الأمن والسياسة الخارجية في صدارة أولويات اليهود، مع ارتفاع وزنهما بين ناخبي اليمين.
وتتحرك الدعاية التي تستدعي الفلسطينيين أو جيش الاحتلال أو الجنود القتلى داخل قضايا حاضرة أصلًا في قرار التصويت، ما يمنح هذه الرموز شحنة سياسية جاهزة قبل أن تعيد الحملات تركيبها بالذكاء الاصطناعي.
وتكشف الحالات نمطين من الاستخدام الدعائي، يعتمد الأول على مشهد واقعي يمكن فهمه باعتباره حدثًا وقع فعلًا، مثل صورة بينيت ولابيد مع قادة الأحزاب العربية أو مصافحة آيزنكوت ومحمود عباس، وهو الخطر الذي استند إليه سولبرغ في قرارات الإزالة.
أما الثاني فيظهر ككاريكاتير سياسي واضح، مثل آيزنكوت وهو يركض لاحتضان منصور عباس أو سياسيين وسط أعلام فلسطين، ويرى رينغ أن هذا النوع يستفيد من الإنتاج الرخيص والكثيف لتكرار الاقتران البصري نفسه أمام الجمهور.
وتشير الأدبيات العلمية التي تستند إليها عنات بن دافيد أستاذة الاتصال الرقمي بالجامعة المفتوحة في “إسرائيل” إلى أن التحذير والتصحيح يخفضان مستوى تصديق المعلومات المزيفة، مع احتمال بقاء جزء من الانطباع أو الشك الذي أثارته المادة.
وتضيف دراسات الاتصال السياسي ما يعرف بـ”عائد الكاذب”، إذ يمنح انتشار التزييف السياسيين فرصة للطعن في تسجيلات أو صور صحيحة ومحرجة وادعاء أنها مصنوعة، وهو خطر يكتسب وزنًا أكبر خلال الحملة الانتخابية.
إذ أظهر استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن 59% من الجمهور يرون احتمالًا مرتفعًا لمحاولات غير مشروعة من جهات سياسية إسرائيلية للتأثير في النتيجة، فيما رأى 51% احتمالًا مرتفعًا لتدخل أجنبي.
ويتسع حضور الذكاء الاصطناعي إلى ما وراء الدعاية البصرية، إذ وجد اتحاد الإنترنت الإسرائيلي أن 25% من الجمهور يفكرون في الاستعانة بأداة ذكاء اصطناعي أو خدمة إلكترونية للمساعدة في تحديد كيفية التصويت.
كيف تفلت الصور المزيفة من الرقابة؟
دفع اتساع الاستخدام إلى تغيير القواعد خلال الحملة، ففي يوليو/تموز أقر الكنيست أحكامًا خاصة بانتخابات 2026 تلزم بتمييز الدعاية التي تعرض شخصًا أو مكانًا أو حدثًا أو وثيقة أنشئت أو عدلت رقميًا بطريقة تجعلها تبدو كتسجيل أصلي، وفوض رئيس لجنة الانتخابات بوضع قواعد الإفصاح.
وفي 26 يوليو/تموز دخلت قواعد الوسم حيز التنفيذ، وألزمت الصور والمواد المطبوعة بإظهار تنبيه بارز بحجم لا يقل عن 5% من ارتفاع المحتوى، والفيديو بعرض التنبيه طوال مدة المشاهدة، والمادة الصوتية بإسماعه في البداية والنهاية.
ويتركز الإلزام على ما تسميه القواعد “المظهر العميق”، أي المحتوى القادر على تقديم مشهد مصنوع في هيئة توثيق أصلي، وهي مساحة أضيق من كل استخدامات الذكاء الاصطناعي التي يرصدها مشروع الجامعة المفتوحة.
وكشفت التطبيقات الأولى أن جانبًا مهمًا من الرقابة يتحرك بعد النشر، فقد نشر يوناتان أوريخ مستشار نتنياهو وعضو فريق حملة الليكود، سلسلة صور ومقاطع مولدة من دون الإفصاح المطلوب، قبل أن يتلقى إنذارات قانونية ويحذف 6 مواد ويعيد إنتاج فيديو ترامب مع تنبيه باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وأظهرت قضية سموتريتش وآيزنكوت أن وضع التنبيه وحده لا يحسم مسألة الإفصاح، إذ رأى سولبرغ أن موقعه وطريقة ظهوره على فيسبوك لم يكونا كافيين لتبديد الانطباع بأن مصافحة آيزنكوت ومحمود عباس حدثت فعلًا.
وتتسع الفجوة عندما تنتقل المادة من الحساب الرسمي إلى المؤثرين والداعمين والمستخدمين، ففي أغسطس/آب طالبت منظمة “الحركة لحرية المعلومات”، بإلزام صناع المحتوى والمؤثرين الذين يتقاضون المال من الأحزاب بالكشف عن الطبيعة الدعائية لمنشوراتهم، بينما أبقى سولبرغ المسألة مرتبطة بظروف كل حالة، ما يترك مساحة رمادية بين الحزب ومستشار حملته والمؤثر أو الداعم الذي ينشر المادة.
ويمكن للمستخدم تنزيل الملف وقص علامة الإفصاح ثم إعادة رفعه، فيما تمر نسخ أخرى عبر مجموعات واتساب وتلغرام المغلقة التي تقع خارج المساحة العامة التي يجمع منها مشروع الجامعة المفتوحة بياناته.
حتى طبقة التحقق التقنية تواجه المشكلة نفسها، فمشروع “ZeBeAI” يفحص إفصاح الناشر وعلامات المنصات وبيانات المصدر الرقمية مثل معيار C2PA، ثم يستخدم أدوات الكشف والمراجعة البشرية.
وأظهرت تجارب الفريق أن البيانات الوصفية الأصلية قد تضيع أثناء رفع الملف إلى الشبكات، وأن الفيديو الهجين الذي يجمع مقطعًا حقيقيًا بجزء مولد قد يحصل على درجة منخفضة في الكاشف الآلي إذا جرى فحصه كوحدة واحدة.
ولهذا يشاهد شخصان مستقلان كل فيديو مشكوك فيه لدى المشروع قبل تثبيت تصنيفه، وهي آلية تكشف حجم العمل المطلوب للتحقق من محتوى تستطيع الحملات إنتاجه وإعادة نشره بسرعة أكبر بكثير.
وتحاول المنصات سد جزء من هذه الفجوة بطرق مختلفة، إذ أعلنت “تيك توك”، مركزًا خاصًا بانتخابات “إسرائيل” وفريقًا لنزاهة الانتخابات وتعاونًا مع لجنة الانتخابات ومدققي حقائق.
وقالت “تيك توك”، لموقع “يديعوت أحرونوت” في 29 يوليو/تموز إن سياستها تسمح بإزالة محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي مصمم لتضليل الناخبين حتى عندما يكون موسومًا، إلى جانب خفض توصية المواد غير المتحقق منها وإظهار تحذير قبل مشاركتها.
أما “غوغل” فتفرض تحققًا من هوية معلني الانتخابات والإفصاح عن المواد الاصطناعية الواقعية داخل الإعلانات السياسية، بينما يركز يوتيوب في المحتوى العضوي على الإفصاح والوسم ما دام الفيديو لا يخالف قاعدة أخرى.
وحتى الآن، اقتصرت الأطر العلنية لدى “ميتا”، المالكة لفيسبوك وإنستغرام، ومنصة إكس على سياساتهما العامة للمحتوى الاصطناعي والتلاعب، من دون إطار محلي معلن يماثل مركز الانتخابات الذي قدمته تيك توك.
ويرى عمر كبير، محلل التكنولوجيا في صحيفة “كالكاليست” الاقتصادية العبرية، أن الوسم يقدم معالجة جزئية في بيئة تستطيع فيها الصورة المشحونة بالغضب أو الاشمئزاز أداء وظيفتها أثناء تداولها.
وتدخل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول بذلك كأول اختبار واسع في “إسرائيل” لحملة تستطيع فيها الأحزاب صناعة مشهد سياسي ونشره خلال دقائق، بينما تحتاج الرقابة إلى رصده وفحصه ثم اتخاذ قرار بشأنه، وهي فجوة زمنية قد تكون كافية لانتشار الرسالة التي صُنعت الصورة من أجلها.