• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

القضية الكردية أكبر من “قسد”.. حوار مع عبد الباسط سيدا

علي مكسور٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

تقترب الذكرى الثانية لسقوط بشار الأسد وهروبه من سوريا. وخلال هذه المرحلة المعقدة والمليئة بالأسئلة، انتقل السؤال السوري من إسقاط سلطة حكمت البلاد لعقود من الاستبداد والظلم، إلى شكل الدولة المنشودة وقدرتها على لملمة مجتمع عمّقت سنوات التفرقة والعذاب جراحه.

ومع تصاعد المطالب بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس تحظى بثقة السوريين، وفتح المجال أمام حياة سياسية تعبّر عن مجتمع متنوع، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني يجمعهم حول تصور مشترك لمستقبل بلادهم، بالتوازي مع استحقاقات العدالة الانتقالية والتعافي الاقتصادي، وإعادة تحديد موقع سوريا في محيطها الإقليمي والدولي.

في هذا السياق، تبرز أهمية الحوار مع عبد الباسط سيدا، السياسي والمفكر السوري صاحب التجربة الممتدة لعقود في الشأن العام. برز اسمه خلال سنوات الثورة في مؤسسات المعارضة السورية، وتولى رئاسة المجلس الوطني السوري عام 2012.

وإلى جانب عمله السياسي، انشغل طويلًا بالقضية الكردية والمسألة الوطنية وقضايا الهوية والدولة، وكتب عن العلاقة بين المكونات السورية وسبل بناء مشروع وطني يحفظ تنوع البلاد ووحدتها. وتمنحه هذه التجربة موقعًا خاصًا في النقاش الدائر اليوم؛ إذ تجمع خلفيته بين العمل السياسي والاشتغال الفكري، وبين انتمائه الكردي وانخراطه في المعارضة على المستوى الوطني.

في هذا الحوار الخاص مع “نون بوست”، يناقش سيدا مسار بناء الدولة ومؤسساتها، والقضية الكردية بعد حل “قسد”، والعدالة الانتقالية والمصالحة، والحسكة ومستقبل مواردها، والمفاوضات مع إسرائيل، وصولًا إلى رؤيته لمستقبل البلاد، التي يضع في مقدمتها ترميم النسيج الوطني واستعادة الثقة بين السوريين.

كيف تقرأ المشهد السوري اليوم، في ظل التحولات التي تشهدها مؤسسات الدولة والحياة السياسية والاقتصادية، وإلى أين تتجه البلاد في هذه المرحلة الانتقالية؟

لا يمكن فصل الوضع السوري الراهن عن تعقيدات الوضع الإقليمي وتفاعلاته ومتغيراته. وهذا الأخير هو انعكاس لواقع الصراع الدولي على المنطقة التي ما زالت تحظى بأهمية خاصة في موازين حسابات القوى الدولية الكبرى والأساسية. وهذه القوى تتعامل اليوم مع منطقتنا باعتبارها خزانًا للطاقة، وعقدة للمواصلات البرية والبحرية والجوية التي تحتاج إليها القوى المعنية المتصارعة على النفوذ والريادة والأدوار المستقبلية.

من جهة أخرى، تعاني سوريا اليوم، كدولة، من وطأة التراكمات الثقيلة التي خلفتها الأنظمة العسكرية التي تعاملت مع البلد بعقلية شللية مغامراتية لم تسهم في بناء دولة حقيقية راسخة المؤسسات؛ مؤسسات كان من شأنها رسم الخطوط الواضحة بين الدولة والسلطة. فتسلطت هذه الأخيرة على الأولى، واعتمدت نهج قمع الأحزاب ومنعها، وتفتيت النسيج المجتمعي، على الرغم من الشعارات القومية الكبرى التي كانت ترفعها لإضفاء مسحة من الشرعية الشعبوية على سلطاتها التي لم تكتسب الشرعية قط.

لقد تسلمت الإدارة الجديدة البلد والدولة في وضع شبه منهار على صعيد المؤسسات والميزانية والخبرات. كما أن النسيج المجتمعي الوطني كان يعاني من التمزق والهواجس وغياب الثقة المتبادلة والخوف من المستقبل المجهول. وقد جاءت أحداث الساحل والسويداء، ومن بعدها الأعمال القتالية التي جرت في الشيخ مقصود، لتزيد من حدة المخاوف.

حاليًا، هناك انفراج محدود على الصعيد المجتمعي، يتمثل في حالة الهدوء النسبي التي تسود الساحل، والتوافقات الأخيرة بين الإدارة و«قسد»، والحديث الدائر حول إمكانية الوصول إلى حلول لمعالجة وضع السويداء. وهناك جهود من جانب السلطة لإعادة تشكيل المؤسسات، وكلها مؤشرات جيدة على الرغم من الملاحظات والثغرات الكثيرة. فوجود المؤسسات، في جميع الأحوال، أفضل من عدم وجودها.

وحتى تكون هذه المؤسسات فاعلة، لا بد من اعتماد الوضوح والشفافية من جانب الإدارة، ووجود حياة سياسية نشطة يتمكن الناس من خلالها من التعبير عن آرائهم وملاحظاتهم ومقترحاتهم، وحتى طرح مشاريعهم الإصلاحية؛ وذلك عبر الأحزاب والمنظمات السياسية والمجتمعية التي تمثل آراء مختلف الشرائح والفئات المجتمعية السورية.

من جهة أخرى، يعاني السوريون من أوضاع اقتصادية ومعيشية في غاية الصعوبة. فتكاليف المعيشة والخدمات مرتفعة جدًا، بينما يعيش غالبية الناس تحت حد الفقر. والوعود التي تُطلق لا تجد طريقها إلى التنفيذ أو التطبيق على أرض الواقع، الأمر الذي يزيد من مستوى التململ، ويتسبب في ضعف الثقة، ويدفع نحو مزيد من الاحتقانات والاحتجاجات المطلبية التي تشمل جميع المكونات المجتمعية في مختلف المناطق السورية.

بعد حل “قسد” واندماج مؤسساتها العسكرية والأمنية والإدارية في الدولة، كيف تفسّر هذا التحول، وما الذي يفتحه من مسارات جديدة أمام المشهد السياسي السوري؟

في جميع الأحوال، نرى أن موضوع حل “قسد” ودمجها، إلى جانب تشكيلات وتنظيمات “الإدارة الذاتية” التي كان قد أعلنها حزب الاتحاد الديمقراطي ـ الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني ـ من جانب واحد عام 2014، في مؤسسات الدولة السورية، هو تحول إيجابي يخدم عملية الاستقرار التي تحتاج إليها البلاد وسط هذا الجو العاصف الذي يخيم على المنطقة.

وهذا الموضوع، كما هو واضح للجميع، يمتلك بعدًا إقليميًا ودوليًا، ولم يكن من الممكن إخراجه بهذا الشكل لولا التوافق الإقليمي والدولي الذي تم بالاتفاق مع الإدارة السورية. والأمر الذي لا بد من أخذه بعين الاعتبار هنا هو ضرورة التمييز بين موضوع “قسد” والقضية الكردية السورية التي تبقى أكبر من “قسد”، وتحتاج إلى حل وطني عادل باعتبارها قضية وطنية سورية، هذا في حين أن موضوع “قسد” له علاقة بتطورات عملية المفاوضات الجارية بين الدولة التركية وعبد الله أوجلان.

ويُشار في هذا السياق إلى أهمية صدور المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي يعالج جوانب هامة من القضية المعنية، مع الإقرار بحاجته إلى استكمال بقية الجوانب بمزيد من الحوارات والخطوات. وهناك حاجة ماسة إلى تثبيت ما ورد في المرسوم، وما سيتم التوافق عليه في الحوارات، ضمن الدستور المنتظر الذي نأمل أن يبدد هواجس سائر المكونات السورية بعقود مكتوبة تحترم الخصوصيات والحقوق ضمن نطاق وحدة الشعب والوطن.

كيف يمكن للسوريين تجاوز السياسة القائمة على الطائفة والقومية والمنطقة، من دون أن تتحول الدعوة إلى هوية وطنية جامعة إلى إنكار لحقوق المكونات وخصوصياتها؟

تاريخ سوريا بمختلف مراحله، منذ أقدم العصور حتى وقتنا الراهن، وواقعها المجتمعي، يؤكدان أن التنوع الإثني والديني والمذهبي كان سمة ملازمة من سمات الهوية السورية التي يحاول بعضهم، من حين إلى آخر، اختزالها في هذا المكون أو ذاك، أو يسعى إلى فرض هوية متخيلة عبر إلغاء وجود الآخر المختلف في الأذهان على الأقل، ما لم يتمكن من بلوغ ذلك في عالم الأعيان.

وقد أسهمت الأيديولوجيا القوموية، ومن بعدها الإسلاموية، في تكريس هذا التوجه الإلغائي الذي حاول أصحابه تجاوز النتائج الواقعية المادية التي فرضتها اتفاقية سايكس بيكو وتوابعها في منطقتنا بعد الحرب العالمية الأولى، بمشاريع حالمة لم تتحقق، وأخفقت في فرض صورة رغبوية متخيلة وحيدة الاتجاه على واقع متنوع متعدد بطبيعته.

وبناءً على إخفاقات المشروعين القومي والديني، نرى أن الحل الأفضل لسوريا ومجتمعات المنطقة المتنوعة يتمثل في المشروع الوطني الذي يكون بالجميع ولصالح الجميع.

فالمشروع الوطني السوري، الذي يرتكز على وحدة الشعب والوطن والدولة، يكون إطاره العام الهوية السورية الوطنية العامة الجامعة التي يتشارك فيها جميع السوريين ويعتزون بها. وضمن هذا الإطار، لا بد من احترام خصوصية الهويات الفرعية، ومراعاة المناطق التي تعرضت للتهميش والاستنزاف والنهب، والإقرار بالحقوق المترتبة على ذلك، وتبديد الهواجس بعقود مكتوبة، وتعزيز الثقة بين مختلف المكونات المجتمعية السورية والدولة بإجراءات وخطوات عملية على أرض الواقع، والتوافق على آلية لحل الخلافات عبر مؤسسات دستورية وتشريعية وقضائية تلتزم السلطات التنفيذية بتطبيق قراراتها، بعيدًا عن العنف وفوضى الشارع.

الهوية الوطنية الجامعة هي الركيزة الصلبة لبناء الجسور، والوسيلة الأفضل لهدم الجدران بين المكونات المجتمعية السورية؛ وهي بهذا المعنى تصون الهويات الفرعية الخاصة بتلك المكونات، وتكون بمثابة القاسم المشترك الذي يوحد الجميع.

أين تقف سوريا اليوم على طريق العدالة الانتقالية والمصالحة، وما أبرز العقبات التي ما تزال تعترض هذا المسار؟ 

علينا ألا نخدع أنفسنا ومن يتأثرون بآرائنا ومواقفنا وممارساتنا بالشعارات والمجاملات الخاوية والمكابرة، هذا بغض النظر عما إذا كنا من عامة الناس أم من المسؤولين أو المقربين. فالمجتمع السوري يعاني من جروح عميقة نتيجة التراكمات الضخمة لسلبيات سياسات وممارسات سلطة آل الأسد، وبفعل الأخطاء التي حصلت والجرائم التي وقعت في منطقتي الساحل والسويداء بعد سقوط السلطة المعنية ومجيء الإدارة الحالية. وهذه الجروح مستعصية على المعالجات الموضعية الإسعافية، وعلى إبهارات الترند والأساليب البهلوانية.

موضوع العدالة الانتقالية موضوع كبير ومعقد، وحجم الجرائم التي ارتُكبت على مدى عقود يفوق قدرات الشعب السوري على التحمل والتكيف. كما أن الحساسيات المذهبية والمناطقية قد تفاعلت وأسهمت في تعقيد الوضع المعقد أصلًا.

وما أسهم في إضفاء المزيد من القتامة على اللوحة السورية، التي يتقطر منها الحزن أصلًا، هما الخطابان الطائفي المقيت والعنصري البغيض، اللذان استسهل بعضهم استخدامهما من دون أي وازع وطني أو أخلاقي أو إنساني، ولغايات تجييش السوريين في مواجهة بعضهم بعضًا، على أمل الظفر بموقع أو مكانة ضمن هذا المكون أو ذاك.

بناءً على ذلك، نرى أن هذا الموضوع لن يُعالَج كما ينبغي من دون حوار وطني حقيقي بين السوريين من مختلف المكونات والتوجهات والجهات. ما حدث شيء كبير، ولا يمكن معالجته عبر مجموعة من الهواة الباحثين عن الشهرة والموقع، أو حتى من قبل بعض المهنيين الذين لم يتحرروا بعد من آفات التخندق ضمن الهويات الفرعية، ولم يستوعبوا أهمية وضرورة الاحتماء بالفضاء الوطني السوري الذي يستوعب الجميع ويطمئنهم.

بعد عودة موارد الحسكة ومؤسساتها إلى الدولة، كيف ينبغي إدارة ثروات المحافظة وعائداتها بما يعالج عقودًا من التهميش ويمنع نشوء خلاف جديد بين المركز وأبناء المنطقة؟

لقد عانت محافظة الحسكة باستمرار من الإهمال والتهميش والنهب في مختلف المراحل، خاصة في مرحلة حكم البعث وسلطة آل الأسد الطويلة جدًا، على الرغم من ثرواتها النفطية والزراعية والحيوانية الكبيرة، ومساحاتها الواسعة من الأراضي التي صادرتها الدولة من الأهالي بحجة الإصلاح الزراعي، ولم توزعها بصورة عادلة على الفلاحين المحتاجين، بل أصبحت مرتعًا لسرقات المسؤولين، خاصة الأمنيين.

وعلى الرغم من حرص سكان المحافظة على تعليم أبنائهم وتوجيههم نحو مختلف المهن التي يتقنونها ببراعة، اتخذت السلطات المتعاقبة من محافظة الحسكة مجرد مصدر للثروات، ولم تعمل على تنمية المحافظة من خلال بناء المصانع والمؤسسات التي تتناسب مع إمكاناتها وحاجتها، ولم تبنِ فيها المؤسسات العلمية المطلوبة.

كما تفتقر المحافظة إلى الطرق الحديثة التي تخدم العمليات الإنتاجية والمبادلات التجارية ضمن المحافظة، وبينها وبين المحافظات السورية الأخرى. وشبكة السكك الحديدية في المحافظة بدائية، إن لم نقل إنها معطلة. والمطار هو الآخر بدائي، لا يرتقي إلى مستوى الحاجات والإمكانات، خاصة في ظل انتشار أبناء المحافظة في مختلف أنحاء العالم.

واليوم، هناك حاجة ماسة إلى دعم المحافظة وتمكينها من النهوض، هذا مع العلم أنها تمتلك كل مقومات النهوض، سواء من جهة الموارد الطبيعية أم البشرية، ومن ناحية موقعها الجغرافي؛ فهي تحاذي كلًا من تركيا والعراق، وقادرة على أن تكون منطقة تجارية وصناعية مزدهرة، ستكون بمثابة رافعة للنهوض بالاقتصاد الوطني السوري العام. وكل هذا يستوجب اليوم تخصيص حصة كافية لها من مواردها، لتوفير البنى التحتية اللازمة.

كيف تقرأ مسار المفاوضات السورية مع إسرائيل، وما الخيارات المتاحة أمام دمشق في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واختلال موازين القوة بين الطرفين؟

موضوع مسار المفاوضات السورية مع إسرائيل موضوع معقد وشائك، مرتبط ومتداخل مع تاريخ الدولة السورية الحديثة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، أي قبل استقلال سوريا عام 1946، وقبل قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1947، وقبل الإعلان عن دولة إسرائيل عام 1948.

وهناك حروب جرت بين سوريا وإسرائيل، شاركت فيها مصر والأردن ودول عربية أخرى. وهذا موضوع يثير الكثير من المشاعر الوطنية والقومية والدينية في سوريا وفي العالمين العربي والإسلامي، ويرتبط بالمصالح الوطنية السورية وبحقوق الشعب الفلسطيني. لذلك، علينا أن نكون حذرين جدًا في التعامل مع هذا الموضوع بعقلية الصفقات، وألا نلجأ إلى أسلوب اللقاءات السرية التي تثير الشكوك والتساؤلات والانتقادات.

فالخلاف يتمحور حول أرض سورية محتلة، وحقوق سوريين أُرغموا على النزوح من أرضهم، وآخرين يعيشون مع أرضهم تحت الاحتلال. وهذا الموضوع الحيوي الهام، المحاط بشحنة عالية من الانفعالات الوطنية والقومية والدينية المتراكمة، لا يمكن لسلطة انتقالية أن تقوم بمفردها باتخاذ قرار الدخول في مفاوضات صعبة مع حكومة إسرائيلية يمينية متشددة، لا تبدي أي استعداد لاحترام قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالجولان.

فهذا الموضوع يستوجب، في ظل هشاشة الدولة والمجتمع السوريين، والخلل الكبير الحاصل في الموازين العربية والإقليمية والدولية، وجود موقف وطني سوري يتم التوافق عليه بعد حوار وطني معمق، وذلك كي لا يصبح موضوع المفاوضات مع إسرائيل هو الآخر عاملًا من عوامل الفرقة والتباعد بين السوريين، وثغرة تستغلها قوى داخلية أو خارجية لا تريد الخير لسوريا وللسوريين.

ما نحتاجه بخصوص هذا الموضوع هو التوافق الوطني، والتنسيق مع الدول العربية والإسلامية، والعودة إلى الأمم المتحدة لتكون هي الراعية. وبطبيعة الحال، سيكون من المفيد عقد مؤتمر إقليمي دولي تشارك فيه الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الدول العربية والإقليمية والدول الأخرى الراغبة، للبحث في مشاريع الحلول المقدمة، والتوافق على الحل الذي يقبل به الطرفان بعد تقديم التنازلات المطلوبة من الجانبين، وهي تنازلات ستكون مطلوبة في جميع الأحوال.

ويمكن لهذا المؤتمر أن يبحث في ملف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل أيضًا، نظرًا إلى طبيعة التداخل بين الملفين، خاصة بعد أن وصل هذا الملف إلى ما يشبه الطريق المسدود. ولكن، في جميع الأحوال، لا بد من طمأنة السوريين من خلال المصداقية، وذلك يكون بالوضوح والشفافية والاستقواء بالموقف الوطني السوري قبل الاستقواء بأي جهة أخرى.

كيف ترى سوريا خلال السنوات المقبلة، وما أكثر ما تخشاه على مستقبل البلاد؟

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، أو حتى التنبؤ بملامح ما قد يكون عليه الحال سوريًا في السنوات المقبلة، فما يجري في البلد راهنًا هو حصيلة التفاعل بين ثورة السوريين على استبداد سلطة آل الأسد وفسادها، وبين الحسابات الإقليمية والدولية.

ونحن في سوريا، بحكم موقعنا الجغرافي المفتاحي، نعيش أجواء صراعات إقليمية ودولية نوعية على زعامة الإقليم وزعامة العالم. وفي هذه الأجواء العاصفة، يكون أفضل خيار للسوريين هو ترميم النسيج المجتمعي الوطني الذي يعاني من جروح عميقة. وعملية الترميم هذه تتطلب حوارًا معمقًا بين السوريين، واحترام الآخر المختلف، والإقرار بحقوقه، على قاعدة وحدة الوطن والشعب والدولة.

لا يمكن أن تقوم جهة سورية بمفردها بأعباء الاستعداد للتحديات التي يفرضها الوضع المعقد الذي تعيشه المنطقة، وسوريا ضمنًا. ولهذا، علينا أن نقطع مع عقلية الحلول السحرية التبسيطية التي يعتقد أصحابها أن المجاملات والنوايا والتمنيات والرغبات يمكنها أن تقنع الناس بالحلول الخطابية للمشكلات التي يعانون منها. كما علينا أن نقطع مع النزعات المغامراتية التي يعتقد أصحابها أن العنف هو الوسيلة المثلى لفرض ما يعتقدون أنها هي الحلول.

إذا كنا نحرص على اتباع الدبلوماسية السلمية مع العالم كله لمعالجة الخلافات، والوصول إلى توافقات، وبناء الشراكات، فمن الأجدر أن نفعل ذلك مع السوريين بكل مكوناتهم؛ فهم شركاء الوطن والمصير، وهم السند الحقيقي في الملمات، شرط أن نحرص على بناء الجسور، وذلك عبر تبديد الهواجس بعقود مكتوبة، وتعزيز الثقة بخطوات عملية على الأرض. وهذا من شأنه سد المنافذ أمام محاولات بعضهم، في الداخل والخارج، استغلال النزعات ما قبل الوطنية لصالح مشاريع لا تتقاطع مع مصالح سوريا والسوريين الوطنية.

علاماتأكراد سوريا ، الشأن السوري ، قسد ، ملامح سوريا الجديدة
مواضيعأكراد سوريا ، الشأن السوري ، حوارات نون بوست ، قسد

قد يعجبك ايضا

سياسة

مأزق العدالة في سوريا: السير في حقل ألغام بين الانتقام والاستقرار

ملايكة كانانه تابر٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

محمد أحمد الراشد.. المفكر العراقي الذي مزج الأدب بفقه الدعوة

فريق التحرير٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

سوريا على المحك: كيف يعرّض “العلاج بالصدمة” استقرار ما بعد الأسد للخطر؟

سام هيلر٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑