ترجمة وتحرير: نون بوست
لا التودد إلى واشنطن، ولا تنويع الشركاء الأمنيين، ولا التواصل غير المعلن مع طهران، كفيلٌ بتحصين المنطقة من تبعات الحرب.
مع استمرار الحرب على إيران، تواجه دول مجلس التعاون الخليجي — البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة — مفارقة حادة؛ فهي لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة للحماية من إيران، غير أنّ تلك الحماية أثبتت محدودية فاعليتها، في حين زادت في الوقت ذاته من خطر التعرض للهجمات الإيرانية.
وردًا على ذلك، تبنت دول مجلس التعاون الخليجي عددًا من الاستراتيجيات المتداخلة؛ فهي تواصل التعاون مع الولايات المتحدة، لا سيّما في الجانب الدفاعي لمواجهة الضربات الإيرانية، وفي الوقت ذاته تنوع علاقاتها الأمنية الإقليمية، وتتبع المسار الدبلوماسي، وتنخرط في تواصل مباشر مع طهران عند الحاجة. قد تبدو هذه الخطوة الأخيرة ازدواجية، لكنها تمثل بالنسبة للدول الخليجية آلية ضرورية للبقاء. وعلاوة على ذلك، فإنّ إطالة أمد الحرب وارتفاع تكلفتها قد يدفعان دول الخليج نحو مزيد من التفاهم والتقارب مع طهران.
ومع تصاعد التكاليف الاقتصادية والمادية والبشرية للحرب، ليس من المستغرب أن تطفو على السطح حالة من الإحباط لدى دول مجلس التعاون الخليجي تجاه واشنطن. ففي منتصف أغسطس/آب، نقلت “واشنطن بوست” عن مسؤول خليجي قوله: “ترامب بدأ هذه الحرب… ونحن من يدفع الثمن”. وبينما لا تملك دول الخليج خيارًا يُذكر سوى التمسك بحاميها الرئيسي ما دامت الطائرات المسيّرة والصواريخ تحلّق، فإن مواقفها باتت أكثر تمايزًا وأقل تمحورًا حول الولايات المتحدة مع استمرار الصراع.
وتُعدّ السعودية، أكبر أعضاء مجلس التعاون الخليجي وأكثرهم نفوذًا، المثال الأبرز على سعي دول الخليج إلى تنويع استراتيجياتها الأمنية. فقبل اندلاع الحرب، سعت الرياض إلى إبرام معاهدة دفاع مشترك رسمية مع الولايات المتحدة على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحيث تُلزم واشنطن بصورة أوضح بتقديم الدعم للمملكة في حال تعرضها لهجوم. كما سعت إلى الحصول على منظومات تسليح متقدمة، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية، وإبرام اتفاقيات بشأن القواعد العسكرية، بهدف ردع التهديد الإيراني. وفي نهاية المطاف، حصلت المملكة، بموجب اتفاق الدفاع الاستراتيجي الموقّع في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، على اتفاق أقل إلزامًا مما كانت تطمح إليه، لكنها نالت موافقة لاقتناء مقاتلات F-35 المتطورة. ورغم أن هذه التسوية لم تلبِّ طموحات الرياض بالكامل، فإنها عكست، على الأقل، المكانة الرفيعة التي تحظى بها المملكة في علاقتها مع واشنطن.
وعندما اندلعت الحرب، وجدت السعودية نفسها أمام حليفٍ يتجنب التشاور معها، ويتردد بشأن أهداف الحرب واستراتيجيتها، ويعجز عن توفير حماية كاملة للمنطقة من الهجمات الإيرانية المضادة. كما رفضت واشنطن لاحقًا الطلبات السعودية لتنفيذ ضربات جوية أمريكية مباشرة عندما أدّى النزاع إلى تجدد المواجهات مع الحوثيين في اليمن. ومع ذلك، أفادت تقارير بأن الرياض واصلت تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، الذي كان دفاعيًا في المقام الأول، وشمل تبادل المعلومات الاستخبارية، بل والمشاركة، في أواخر يوليو/تموز، في ضربة مشتركة استهدفت فصائل شيعية تعمل كوكلاء لإيران في العراق.
لكن السعودية اتخذت أيضًا تدابير إضافية، إذ سمحت لباكستان بنشر 8,000 جندي، وسرب من الطائرات المقاتلة، ومعدات عسكرية إضافية في المملكة بحلول مايو/أيار. ومع تصاعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، أعلنت الرياض في يوليو/تموز عن تشكيل التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، الذي يضم 13 شريكًا إقليميًا، في محاولة لحماية ذلك الممر المائي الاستراتيجي. وأخيرًا، وسعت السعودية تحالفها الثنائي مع باكستان ليشمل تركيا، ووقعت في أغسطس/آب اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تتضمن بندًا صريحًا بشأن الأمن الجماعي، وتنشئ أمانة عامة دائمة مقرها الرياض.
كما سعت السعودية مرارًا إلى كبح جماح الولايات المتحدة عندما كانت تحركاتها تنذر بإلحاق مزيد من الأضرار الجانبية بالمنطقة. ففي أوائل مايو/أيار، عندما حاولت إدارة ترامب فتح مضيق هرمز بالقوة عبر إرسال قوافل بحرية إلى الخليج العربي في إطار عملية “مشروع الحرية”، رفضت السعودية، خشيةَ التصعيد، السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها ومجالها الجوي، وهو قرارٌ أفادت تقارير بأنه أسهم في دفع الإدارة الأمريكية إلى إلغاء العملية.
وبعد بضعة أسابيع، تراجع ترامب مجددًا بعدما طلب منه ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب قادة قطر والإمارات، التريث، محذرين من أن دول مجلس التعاون الخليجي ستكون الطرف الذي سيدفع الثمن في حال شن جولة جديدة من الضربات. وأخيرًا، في أوائل أغسطس/آب، عندما هدد ترامب إيران بـ”مستويات من القوة العسكرية والرعب والبطش لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية”، عاد ولي العهد السعودي، إلى جانب قادة آخرين في دول مجلس التعاون الخليجي، إلى حث واشنطن على خفض التصعيد. وفي أعقاب ذلك، ألغى ترامب الهجوم المزمع، مشيرًا إلى أن مناشدات السعودية وقطر والإمارات أثرت في قراره.
في حين تمتلك السعودية النفوذ اللازم لبناء تحالف أمني إقليمي وإجراء اتصال بالبيت الأبيض عندما تسوء الأمور، تجد دول مجلس التعاون الأصغر، مثل سلطنة عُمان، نفسها أمام هامش تأثير أقل. فمع تعداد سكاني يبلغ 5.4 مليون نسمة، مقارنة بـ88 مليونًا في إيران، وفارق مماثل في القدرات العسكرية، اعتمدت عُمان منذ فترة طويلة سياسة التعايش البراغماتي مع إيران.
ومنذ بداية الصراع، أدارت مسقط أوراقها بمهارة، بالاعتماد على الغموض الاستراتيجي والعمل كوسيط بين طهران ومجلس التعاون الخليجي وواشنطن. ومع ذلك، وعلى الرغم من جهود مسقط الدبلوماسية، فمن المرجح أن إيران استهدفت الأراضي العُمانية وزرعت ألغامًا بحرية في محيط مياهها الإقليمية — وربما داخلها — حتى في الوقت الذي كانت تتفاوض فيه مع مسقط بشأن ترتيبات لإدارة مضيق هرمز. في المقابل، أثارت الدبلوماسية العُمانية استياء واشنطن في بعض الأحيان؛ إذ هدد ترامب عُمان باتخاذ إجراءات عسكرية ضدها في مناسبتين على الأقل، كان آخرها في أغسطس/آب عندما حذر من أن الولايات المتحدة ستقصف عُمان إذا ما وقفت دبلوماسيتها “عائقاً” أمام الأهداف الأمريكية.
من جانبها، اتخذت دولة الإمارات موقفًا أكثر تشددًا تجاه إيران، إلا أن أبوظبي انخرطت أيضًا في مفاوضات خلف الكواليس مع طهران لحماية مصالحها. ولا يُعدّ هذا الأمر مفاجئًا في ضوء العلاقات التاريخية التي تربط الإمارات بإيران. فقد استضافت الإمارات، دبي على وجه الخصوص، منذ فترة طويلة جالية إيرانية كبيرة ارتبطت بعلاقات تجارية وثيقة بالبلاد. ونتيجة لذلك، وقبل قرار أبوظبي في أغسطس/آب بقطع العلاقات التجارية، كان أكثر من 30 بالمئة من واردات إيران تأتي من الإمارات أو تمر عبرها.
ومع ذلك، لم تتمكن الإمارات من النأي بنفسها عن الصراع الإقليمي الأوسع. فقد أسهمت مجموعة من العوامل في تدهور العلاقات بين البلدين، من بينها سعي إيران إلى استغلال الفراغات التي خلفتها الحروب في العراق وسوريا واليمن، واعتراف الإمارات بإسرائيل بموجب اتفاقات أبراهام عام 2020، فضلًا عن التهديد المتنامي الذي تمثله الجماعات المسلحة المدعومة من إيران للبنية التحتية في دول الخليج. وقد تجسّد هذا التهديد بصورة واضحة في يناير/كانون الثاني 2022، عندما شنّ الحوثيون سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على أبوظبي.
في مستهل الحرب، تعرضت الإمارات لعدد من الهجمات الإيرانية على بنيتها التحتية يفوق ما تعرضت له أي دولة أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي. ووفقًا لتقارير، بدأت أبوظبي في الأيام الأولى من الصراع حملة جوية سرية نُفذت بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وشملت ضربة استهدفت في أوائل أبريل/نيسان مصفاة النفط في جزيرة لاوان الإيرانية، وذلك في خضم تصاعد وتيرة الهجمات المتبادلة التي طالت البنى التحتية الحيوية.
وفي أواخر أبريل/نيسان، بدأت تتواتر تقارير تفيد بأنّ الإمارات نسّقت سرًا مع إسرائيل لنشر بطارية من منظومة “القبة الحديدية” للدفاع الجوي على أراضيها، على أن يتولى تشغيلها أفراد من الخدمة الفعلية في الجيش الإسرائيلي. وفي أوائل مايو/أيار، استهدفت إيران منطقة الفجيرة الصناعية النفطية في الإمارات، التي تُعدّ أكبر مركز تجاري لتخزين المنتجات النفطية المكررة في الشرق الأوسط. وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، أصابت طائرة مسيّرة أُطلقت من الأراضي العراقية مولدًا كهربائيًا مجاورًا لمحطة براكة الإماراتية للطاقة النووية.
في حين بدا كل ذلك وكأنه يعزز، ظاهريًا، سمعة الإمارات بوصفها “إسبارطة الصغيرة” في المنطقة، كانت أبوظبي، على ما يبدو، تسعى خلف الكواليس إلى إبرام صفقة سرية مع طهران. ففي يونيو/حزيران، أفادت وكالة رويترز بأنّ الإمارات وافقت على تقديم ما يصل إلى 20 مليار دولار لإيران، مقابل وقف هجماتها على البنية التحتية الإماراتية.
وبينما نفت أبوظبي وجود هذا الاتفاق نفيًا قاطعًا، يبدو أن الاتفاق أفضى إلى وقف إطلاق نار مؤقت وانتقائي. ففي ذلك الشهر، تراجعت وتيرة الهجمات في المنطقة عقب توقيع مذكرة التفاهم التي لم يُكتب لها الاستمرار. والأكثر دلالة أنه عندما بدأت مذكرة التفاهم تتهاوى واستؤنفت الضربات المتبادلة في يوليو/تموز، امتنعت إيران عن استهداف الأراضي الإماراتية في إطار ردودها المعتادة، فيما بلغ التصعيد ذروته بهجمات أمريكية متواصلة على إيران استمرت نحو أسبوعين.
واستمر هذا النمط حتى منتصف أغسطس/آب، حين استهدفت طهران ناقلتين مرتبطتين بشركة أبوظبي الوطنية للنفط، وأطلقت صاروخًا باليستيًا نحو المياه الإقليمية الإماراتية، ما دفع أبوظبي إلى تعليق التبادل التجاري والمعاملات المالية مع طهران.
أما قطر، وهي دولة صغيرة ومزدهرة تستضيف قاعدة العديد الجوية — أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة — فقد وجدت هي الأخرى نفسها مضطرة إلى الموازنة في علاقتها مع إيران. وكانت الدوحة منخرطة في مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب، كما عارضت التصعيد الإقليمي منذ البداية. ومع اندلاع الحرب، أكدت قطر أنها ليست طرفًا فيها، ورفضت السماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ عمليات هجومية، كما واصلت الحفاظ على قنواتها الدبلوماسية مع طهران. وفي وقت لاحق، استأنفت الدوحة دورًا محوريًا في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويعود تفضيل قطر انتهاج المسار الدبلوماسي مع طهران، جزئيًا، إلى كون البلدين يتشاركان حقل الشمال/بارس الجنوبي، أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم. ووفقًا لصحيفة “واشنطن بوست“، تواصلت الدوحة مع إيران في مستهل الحرب بهدف حماية مجمع رأس لفان للغاز، وهو مركز المعالجة والتصدير البري المجاور لحقل الشمال، وعرضت إغلاق المنشأة مقابل تعهد إيراني بعدم استهدافها. غير أن الدوحة نفت تقديم هذا العرض، قبل أن تستهدف إيران رأس لفان بصاروخ باليستي في مارس/آذار، ردًا على ضربة إسرائيلية طالت منشأة الغاز البحرية التابعة لحقل بارس الجنوبي الإيراني. وأدت هذه الهجمات إلى تعطيل نحو 17 بالمئة من قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال، متسببةً في خسائر سنوية تُقدَّر بنحو 20 مليار دولار.
وكحال بقية دول مجلس التعاون الخليجي، أعلنت الكويت حيادها في بداية الصراع، لكنها وجدت في بعض الأحيان أنه من الضروري كبح واشنطن والاستجابة في الوقت نفسه للضغوط الإيرانية. ومثل السعودية، فرضت الكويت قيودًا بشكل مؤقت على استخدام الولايات المتحدة لقواعدها ومجالها الجوي عندما أطلقت الولايات المتحدة عملية “مشروع الحرية” في مايو/أيار، ثم رفعت القيود بعد عدة أيام من تعليق العملية. ومع تصاعد الهجمات الإيرانية على الكويت في يوليو/تموز، أفادت تقارير بأن الكويت والبحرين نفذتا ضربة سرية ضد منشآت تخزين الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، رغم أن الكويت نفت مشاركتها في العملية. ومع تزايد الاستياء من الحرب في الكويت، فإنها لا تزال أقرب إلى واشنطن من العديد من جيرانها. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى إرث حرب الخليج الأولى، عندما أعادت الولايات المتحدة للكويت سيادتها وبدأت في إقامة وجود عسكري أمريكي في البلاد.
وباعتبارها الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي قد تواجه تهديدًا بريًا مباشرًا من إيران، تمتلك الكويت دوافع إضافية للتمسك بالمظلة الأمنية الأمريكية. ففي مايو/أيار، ألقت القوات الكويتية القبض على أربعة مسلحين داخل أراضيها، قالت السلطات الكويتية لاحقًا إنهم عناصر في الحرس الثوري الإيراني. وفي يوليو/تموز، أثار أحد النواب الإيرانيين علنًا احتمال شن هجمات برية على الكويت إذا أقدمت الولايات المتحدة على خوض حرب برية ضد إيران. ومع ذلك، واصلت الكويت التشبث بموقفها المعلن القائم على الحياد، مؤكدةً أنها لم تسمح بشن أي هجوم أمريكي من أراضيها، كما نفت مشاركتها في أي هجمات مباشرة ضد إيران.
وعلى الرغم من تباين الاستجابات الاستراتيجية لدول الخليج تجاه الحرب، فإنها جميعًا ترتكز على مجموعة من العناصر الأساسية المشتركة: الاستمرار في الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية؛ وتنويع الشراكات الأمنية والترتيبات الدفاعية الإقليمية؛ وأخيرًا، السعي إلى التأثير في سلوك إيران من خلال التواصل غير المعلن، وترتيبات قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل، ومحاولات متقطعة لكبح السياسات الأمريكية أو النأي بالنفس عن العمليات التي تقودها الولايات المتحدة.
ومع ذلك، أثبتت هذه الاستراتيجيات جميعها حدود فاعليتها. وكما تجلّى في تجربتي قطر والإمارات مع المفاوضات خلف الكواليس، فإن المهادنة الانتقائية لا تضمن تجنب الضغوط أو الهجمات الإيرانية. كما أن الاعتماد المستمر على واشنطن لم يكفل حماية تامة. ومع امتداد الصراع لأسابيع ثم لأشهر، مهددًا بإلحاق مزيد من الأضرار الجانبية بالمنطقة واستنزاف مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر الحيوية، تحولت واشنطن تدريجيًا من أسلوب الضغط العسكري إلى اعتماد الضغط الاقتصادي، تاركةً حلفاءها الخليجيين عالقين في صراع طويل الأمد لا تلوح له نهاية واضحة.
المصدر: فورين بوليسي