في 29 سبتمبر/أيلول المنقضي، وخلال زيارته إلى قاعدة “تل نوف” الجوية (على بُعد نحو 30 كيلومترًا جنوب تل أبيب) حذر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من وجود “مؤشرات” إلى احتمال إقدام أعداء “إسرائيل” على تنفيذ هجمات خلال الفترة السابقة للانتخابات المقرر لها نهاية أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مؤكدًا أن “الذراع الطويلة” للكيان ستصل إلى من يحاول استهدافها.
ورغم أن تحذير نتنياهو جاء عامًا ومبهمًا، من دون الكشف عن طبيعة الهجوم المحتمل أو الجهة التي تقف خلفه أو مكانه وتوقيته، إلا أنه فتح الباب سريعًا أمام سجال سياسي بشأن خلفياته وأهدافه، حيث اعتبرته “رويترز” استعادة لنمط مألوف في الخطاب الانتخابي، يقوم على تقديم نتنياهو لنفسه باعتباره الشخصية الأقدر على حماية الإسرائيليين في بيئة إقليمية تعج بالتهديدات.
في المقابل، لم يترك زعيم المعارضة يائير لابيد تلك التصريحات تمر هكذا مرور الكرام، فطالب بإحاطة أمنية عاجلة للوقوف على حقيقة هذه التهديدات، وعلى قدرة الحكومة على ضمان إجراء الانتخابات من دون تعطيل، ليخرج بعد الإحاطة التي جرت مساء نفس اليوم برسالة مضادة، مفادها أنه لا مبرر لإثارة كل هذا القلق.
لكن بعد يوم واحد فقط من هذا السجال بين تحذيرات نتنياهو وتشكيك لابيد، استيقظ الإسرائيليون صبيحة الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول على حادثة رحلة “فلاي دبي” رقم FZ1073 المتجهة من دبي إلى تل أبيب، والتي شهدت اعتداءً داخل قمرة القيادة دفع بالطائرة إلى الهبوط اضطراريًا في مطار تبوك شمال السعودية، قبل أن تستكمل رحلتها لاحقًا إلى تل أبيب.
هذا التزامن اللافت بين التحذير والواقعة سرعان ما نقل الحادثة من إطارها الأمني إلى قلب المعركة الانتخابية، وحولها إلى ساحة جديدة للصراع بين الحكومة والمعارضة؛ إذ سعى كل طرف إلى توظيفها ضمن حساباته السياسية وسرديته الخاصة، ليتجاوز الجدل سؤال: ماذا حدث للطائرة؟ إلى أسئلة أكثر حساسية: من الذي يمتلك المعلومة؟ وهل كانت تحذيرات نتنياهو مرتبطة فعلًا بما جرى؟ ومن ينجح في النهاية في فرض تفسيره للحادثة وتمرير روايته إلى الناخب الإسرائيلي؟
الحادثة في الخطاب الإسرائيلي.. 3 قراءات
لم تكن المعلومات المتاحة بشأن حادثة “فلاي دبي” كافية منذ البداية لبناء تقييم حاسم لطبيعة ما جرى أو دوافعه، فالمعطيات الأولية اقتصرت على نشوب مواجهة عنيفة داخل قمرة القيادة بين قائد الطائرة ومساعده، قبل أن تتطور الأحداث بصورة دفعت عددًا من الركاب إلى التدخل والمساعدة في استعادة السيطرة على الطائرة، التي تعرضت لهبوط سريع وخطير قبل أن تهبط اضطراريًا في مدينة تبوك السعودية.
وزاد من حالة الغموض والارتباك داخل الأوساط الإسرائيلية احتفاظ السلطات السعودية بحقها في التحقيق مع الطيار ومساعده على أراضيها، وهو ما حدّ من قدرة حكومة نتنياهو على الوصول المباشر والسريع إلى كل تفاصيل الواقعة، وبالتالي قلّص قدرتها على الانفراد بتفسيرها أو فرض سردية سياسية مكتملة بشأنها، هذا في الوقت الذي أكدت فيه شركة “فلاي دبي” أن الحادثة لا تزال قيد التحقيق، بما أبقى الأسئلة الأساسية المتعلقة بهوية الطيارين، وخلفية المواجهة، والدوافع المحتملة وراءها، من دون إجابات نهائية.
ورغم هذا النقص الواضح في المعلومات، انقسم الخطاب الإسرائيلي تجاه الحادثة سريعًا إلى ثلاث قراءات رئيسية، القراءة الأولى تمثلت في الرواية الحكومية المبكرة، التي تعاملت مع ما جرى باعتباره حادثًا أمنيًا خطيرًا ومحاولة متعمدة لإسقاط الطائرة، وهو ما ظهر في تصريحات نتنياهو ووزير دفاعه، الذي ذهب إلى أبعد من ذلك حين اعتبر أن التحذيرات الأمنية التي سبقت الحادثة كانت مستندة إلى معلومات استخباراتية، وأن الواقعة تعزز ضرورة التعامل معها بجدية.
لكن حتى داخل الرواية الحكومية نفسها برزت تفسيرات أكثر تشددًا، حيث ركز وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على ضرورة التعامل مع “النية” الكامنة وراء محاولة إسقاط الطائرة، وليس فقط مع النتيجة النهائية للحادثة، بينما وضع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الواقعة داخل إطار أوسع مرتبط بـ”الإرهاب” والحاجة، من وجهة نظره، إلى تكثيف النشاط العسكري والأمني على مختلف الجبهات.
أما القراءة الثانية فجاءت من معسكر المعارضة، الذي سعى إلى قطع أي رابط مباشر بين الحادثة والتحذيرات التي أطلقها نتنياهو قبلها، إذ أكد يائير لابيد أن الإحاطة الأمنية التي تلقاها من رئيس الحكومة لم تتضمن “أي شيء يشبه” سيناريو الطائرة، لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة، في محاولة واضحة لمنع ترسيخ فكرة أن ما جرى يمثل تحققًا للتحذيرات السابقة، فيما اتهم يائير جولان وأفيغدور ليبرمان الحكومة بمحاولة صناعة “رأسمال سياسي” من واقعة كان المدنيون أنفسهم في قلب الخطر.
ومن داخل ذات الرواية قد نفتالي بينيت، قراءة مختلفة نسبيًا داخل المعسكر المعارض، ركزت على بطولة الركاب المدنيين ودورهم في السيطرة على الموقف وإنقاذ الطائرة، بما ينقل مركز السردية من تحذيرات نتنياهو المسبقة إلى فعل المدنيين أنفسهم، وهذه القراءة، وإن لم تدخل في مواجهة مباشرة مع الرواية الأمنية، فإنها تحد نسبيًا من محاولة احتكار نتنياهو وفريقه لتفسير ما جرى وربطه بخطابه السابق عن التهديدات.
فيما ابتعدت القراءة الثالثة عن الاشتباك السياسي المباشر وتعاملت مع الواقعة من زاوية فنية وأمنية بحتة، مركزة على أوجه القصور المحتملة داخل منظومة أمن الطيران، فقد أثارت الحادثة تساؤلات بشأن آليات فحص الطيارين، والخلفيات الأمنية والنفسية لأطقم الرحلات المتجهة إلى إسرائيل، ومدى كفاية إجراءات التدقيق الحالية، وبهذا المعنى، تنقل هذه القراءة جانبًا من المسؤولية من ساحة الصراع السياسي إلى المؤسسات المختصة بأمن الطيران والأجهزة المعنية بعمليات الفحص والمتابعة.
نتنياهو وتأكيد السردية
منذ وصول نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية للمرة الأولى عام 1996، شكّل الملف الأمني أحد أهم مرتكزات خطابه السياسي والانتخابي، مستفيدًا من حضور هواجس الخوف والتهديد بقوة داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي يحتل فيه البعد الأمني موقعًا مركزيًا في تشكيل المزاج العام والسلوك الانتخابي.
ومن هذا المنطلق، لم يتأخر نتنياهو وفريقه كثيرًا في توظيف حادثة طائرة “فلاي دبي” سياسيًا، فمنذ الدقائق الأولى لوقوع الحادثة، بدا الخطاب الحكومي أقرب إلى محاولة تثبيت الرواية التي كان نتنياهو قد طرحها قبلها، ومفادها أن إسرائيل تواجه مخاطر وتهديدات متزايدة، وأن قراءته للمشهد الأمني كانت في محلها.
وبهذا المعنى، جرى تقديم الواقعة باعتبارها مؤشرًا يعزز صورة نتنياهو كقائد يمتلك قدرة على استشراف المخاطر المقبلة، وقادر على تقديم نفسه مجددًا باعتباره “رجل المرحلة” والحارس الأقدر على حماية إسرائيل والإسرائيليين في بيئة إقليمية شديدة التوتر.
وبدت هذه المقاربة واضحة في خطاب بي بي وفي المشهد الذي أحاط باستقبال ركاب الطائرة عقب عودتهم، حيث حملت مراسم الاستقبال دلالات سياسية تتجاوز الجانب الإنساني، لتبدو وكأنها تأكيد عملي على صحة التحذيرات السابقة وعلى قدرة القيادة الحالية على قراءة التهديدات والتعامل معها، وهو توظيف من شأنه أن يدعم حضوره داخل المعركة الانتخابية، ويمنحه فرصة لإعادة تثبيت الملف الأمني في صدارة النقاش العام.
وفي هذا السياق، تبدو محاولة نتنياهو واضحة في نقل مركز الثقل داخل المعركة الانتخابية بعيدًا عن ملفات إخفاق السابع من أكتوبر، وقضايا الفساد، والانقسامات الداخلية، وأزمة تجنيد الحريديم، باتجاه سؤال أكثر تأثيرًا على المزاج الإسرائيلي: من يستطيع حماية الإسرائيليين من الأخطار القادمة؟ وهو تحول في الأجندة يصب بطبيعته في مصلحة حملة تعتمد بصورة كبيرة على الأمن والردع وتقديم القيادة باعتبارها صاحبة الخبرة الأوسع في التعامل مع التهديدات.
المعارضة تتنازع الرواية
على الجانب الآخر، لم تقف المعارضة الإسرائيلية مكتوفة الأيدي أمام محاولات نتنياهو وفريقه توظيف الحادثة انتخابيًا، بل تحركت سريعًا عبر مسارين متوازيين لمواجهة السردية الحكومية، وفي الوقت نفسه إعادة توظيف الواقعة نفسها داخل معركة تشكيل الرأي العام قبل الانتخابات المقبلة.
المسار الأول تمثل في تفكيك الرواية الحكومية ونزع الصلة بين الحادثة وبين التحذيرات الأمنية السابقة لنتنياهو، إذ شددت المعارضة على أن الإحاطة الأمنية التي قدمتها الحكومة لم تتضمن أي مؤشرات أو تلميحات تتعلق بسيناريو مشابه، وأن ما جرى لم يكن نتاج جهد استخباراتي استباقي أو تحرك أمني سابق، بل واقعة مفاجئة جرى احتواؤها بفضل تدخل الركاب وشجاعتهم، وبهذا المعنى تسقط المعارضة الرسالة التي يحاول نتنياهو تثبيتها لدى الناخب الإسرائيلي، ومفادها أن تحذيراته كانت دقيقة وأنه استشرف الخطر قبل وقوعه، وهو ما حرص يائير لابيد على التأكيد عليه بوضوح بعد ساعات من الواقعة.
أما المسار الثاني، فيقوم على ربط الرواية الحكومية بمحاولة نتنياهو إعادة ترتيب أولويات المعركة الانتخابية والهروب من الملفات التي يتعرض بسببها لانتقادات واسعة، بدءًا من قضايا الفساد وأزمة تجنيد الحريديم والانقسامات المجتمعية، وصولًا إلى إخفاق السابع من أكتوبر.
ومن خلال هذا الخطاب، تحاول المعارضة تصوير توظيف الحادثة باعتباره محاولة للقفز فوق هذه الملفات وإعادة توجيه انتباه الناخب نحو ملف الأمن، عبر حادث لا ترى أن للحكومة دورًا مباشرًا في منعه أو احتوائه، وبهذا تتحول المواجهة من مجرد خلاف على تفسير واقعة أمنية إلى صراع أوسع على تحديد أجندة الانتخابات نفسها، وما إذا كانت تدور حول الإخفاقات المتراكمة، أم حول الخوف من التهديدات المقبلة.
في المحصلة، تقدم حادثة “فلاي دبي” بروفة مبكرة لطبيعة المعركة الانتخابية الإسرائيلية ومسارها خلال الأسابيع المقبلة، فنتنياهو يسعى إلى نقل مركز النقاش من سؤال لماذا أخفقت حكومته في منع هجوم السابع من أكتوبر؟ إلى سؤال مختلف تمامًا وهو: من يملك القدرة على منع الهجوم القادم؟ وهي نقلة سياسية وزمنية شديدة الحساسية، تنقل الناخب من مساحة المحاسبة على إخفاقات الماضي إلى مساحة القلق من تهديدات المستقبل، وهي المساحة التي يراهن نتنياهو على أنها أكثر ملاءمة لخطابه الأمني.
في المقابل، تسعى المعارضة إلى منع هذا التحول والإبقاء على جوهر المعركة الانتخابية مرتبطًا بمسؤولية الحكومة وسجلها السابق، ولذلك تحاول إعادة النقاش من كيفية مواجهة “الخطر القادم” إلى السؤال الذي تعتبره أكثر إلحاحًا: ماذا فعل نتنياهو عندما كانت مؤشرات الخطر والتحذيرات قائمة قبل السابع من أكتوبر حسبما كشفت العديد من وسائل الإعلام؟ ومن خلال هذه المقاربة، يسعى لابيد وفريقه إلى ترسيخ معادلة سياسية مضادة مفادها أن الحديث عن القدرة على منع التهديدات المستقبلية لا يمكن فصله عن تقييم أداء القيادة عندما واجهت تهديدات مماثلة في الماضي.