بعد سنوات من اللجوء في لبنان، عادت أم محمد مع أسرتها إلى بلدتها بنش في ريف إدلب الشرقي، لكنها واجهت صعوبة في العثور على منزل تستأجره، وسط كثرة العائلات العائدة ومحدودية المساكن المتاحة، وبعد البحث لعدة أشهر، وجدت مسكناً في بلدة الفوعة المجاورة، مقابل مبلغ قدره 2000 دولار دفعته للساكن السابق، لقاء ما يُعرف محلياً بـ”الفراغة”.
لم يكن الشخص الذي قبض المبلغ مالكاً للمنزل، وإنما كان قد أقام فيه بعد تهجيره من ريف دمشق خلال سنوات الثورة، وكان يستعد للعودة إلى بلدته الأصلية عقب زوال النظام البائد في كانون الأول 2024.
لم توقّع أم محمد أي عقد معه، كما لم تحصل منه على إيصال أو وثيقة تثبت دفع المبلغ، لكن في المقابل، وقّعت عقد إيجار في مكتب عقاري، يتضمن أجرة شهرية قدرها 15 دولاراً تُدفع “للدولة”، بحسب ما أوضحته لـ”نون بوست”.
وبذلك، أصبح لدى أم محمد (التي طلبت عدم ذكر اسمها الكامل خوفاً من خسارة المنزل) عقد إيجار من جهة، واتفاق مالي شفهي منفصل مع شخص لا يملك العقار من جهة أخرى.
تندرج حالة أم محمد ضمن التحولات التي شهدتها بلدة الفوعة في ريف إدلب منذ إخلائها من سكانها الأصليين عام 2018، في إطار اتفاق “المدن الأربع” الذي جاء على مراحل، وبدأ تنفيذه عام 2017، وشمل تهجير مقاتلي المعارضة مع عائلاتهم من بلدتي مضايا والزبداني في ريف دمشق، مقابل إخلاء الفوعة وكفريا الذي اكتمل في تموز 2018.
بعد خروج سكان الفوعة وكفريا، خضعت المنازل، بحسب تقارير إعلامية، لإشراف الفصائل العسكرية التي كانت مسيطرة على المنطقة حينها، ومنها “هيئة تحرير الشام” و”أحرار الشام” اللتان تقاسمتا قطاعات البلدتين، فيما نظمت مكاتب مرتبطة بهذه الفصائل إشغال المنازل، من بينها ما عُرف بـ”مكتب الغنائم”.
مع مرور الوقت، تدخلت جهات تابعة لحكومة “الإنقاذ” السورية في تنظيم السكن والعقارات في الفوعة، وطلبت الحكومة آنذاك والتي كانت تمثل الجناح المدني لـ”هيئة تحرير الشام”، من المهجّرين المقيمين في البلدة مراجعة مكتب المديرية العامة للعقارات التابع لها للاطلاع على إجراءات جديدة لتنظيم السكن، لتقيم عائلات مهجّرة في المنازل بموجب ترتيبات إشغال وعقود إيجار ذات أجور رمزية في بعض الحالات.
ومع سقوط النظام، بدأ مهجرون بالعودة إلى بلداتهم الأصلية، فيما برزت تحركات من مالكين أصليين من سكان الفوعة لاستعادة عقاراتهم أو بيعها، عبر محامين أو وكلاء بما يضع الشاغلين الحاليين أمام احتمال فقدان مساكنهم، رغم الأموال التي دفعوها للحصول عليها أو ما أنفقوه على تجهيزها.
كيف تغيرت أسعار “الفراغة”؟
تغيّرت قيمة “الفراغة”، بحسب ما أوضحته أم محمد، بالتزامن مع عودة المهجرين إلى بلداتهم وزيادة الطلب على المنازل، فبعد أن كانت المبالغ المتداولة تتراوح بين 200 و400 دولار، ارتفعت لاحقاً إلى نحو ألفي دولار، فيما باتت تتراوح حالياً بين ألفي دولار و10 آلاف دولار، بحسب قيمة المبلغ المطلوب في كل حالة.
كما أشارت أم محمد إلى أن بعض الشاغلين يعمدون إلى تقسيم المنزل الواحد إلى أكثر من قسم، ثم يتنازلون عن إشغال كل قسم لشخص مختلف، بما يتيح لهم تحصيل مبالغ أكبر قبل العودة إلى بلداتهم الأصلية.
ويستخدم بعض الشاغلين السابقين هذه الأموال لترميم منازلهم الأصلية وتجهيزها بعد العودة إليها، فيما تمثل الفراغة كلفة إضافية للشاغلين الجدد للحصول على مسكن، تُضاف إلى أي أجرة شهرية أو عقد إيجار ينظّم إقامتهم.
كما أن دفعها لا يعني شراء المنزل أو اكتساب ملكيته، بالإضافة إلى أن غياب العقود والإيصالات في بعض الحالات يجعل إثبات الاتفاقات المالية أكثر صعوبة عند نشوب خلاف.
تقول أم محمد إنها لا تعرف متى قد يُباع المنزل الذي تقيم فيه، أو متى قد يظهر مالكه الأصلي ويطالب باسترداده، وهي تخشى أن تضطر إلى المغادرة من دون استعادة مبلغ الفراغة الذي دفعته، خصوصاً أنه لا يمنحها سوى حق مؤقت بالسكن، بحسب تعبيرها.
يزيد هذا الاحتمال من مخاوف أم محمد بعدما شهدت مغادرة جيران لها أقاموا سنوات في منزل بالبلدة، إثر بيعه عن طريق محامٍ ومطالبة المالك الجديد لهم بإخلائه.
وبحسب روايتها، رفض الجيران في البداية المغادرة، مستندين إلى “موقفهم الثوري ومعاناة تهجيرهم بسبب معارضتهم للنظام السابق”، قبل أن يتركوا المنزل ويرحلوا عنه إلى وجهة لا تعرفها.
الفرق بين ملكية العقار وحيازته وحق السكن
تتداخل في هذه الحالات حقوق الملكية، ما يثير إشكالية قانونية وإنسانية خاصة مع وجود عدة أطراف، المالك الأصلي الذي غادر منزله وفق الاتفاق، والمهجّر الذي أقام فيه سنوات، والمستأجر الجديد الذي دفع له مبلغاً مقابل التنازل عن السكن فيه، ومشترٍ جديد حصل على العقار من خلال عقد أو وكالة قانونية.
تزداد تعقيدات هذا الملف في ظل التوترات التي ما زالت تحكم العلاقة بين الفوعة والقرى المجاورة، على خلفية مواقف سكانها خلال سنوات الثورة، وقتالهم إلى جانب النظام البائد، فضلاً عن تحوّل البلدة إلى ثكنة عسكرية لتمركز ميليشيات موالية له.
وقد انعكست هذه الخلفية على مواقف سكان القرى المجاورة من عودة أبناء الفوعة، وخاصة بلدة بنش التي أصدر أهال فيها بيانات ترفض عودة أهل الفوعة والتعامل معهم وشراء المنازل منهم، لتتداخل الخلافات السياسية والاجتماعية مع النزاع على المنازل، وتصبح معالجة ملف العقارات مرتبطة أيضاً بمخاوف السكان ومواقفهم من العودة، إلى جانب الحقوق القانونية للمالكين والشاغلين.
أوضح، القانوني صلاح الدين الدباغ، أن المشكلة القانونية الأساسية تكمن في أن الحرب والتهجير أديا إلى انفصال الملكية عن الحيازة والسكن، فأصبح هناك شخص يملك العقار قانوناً، وشخص آخر يقيم فيه فعلياً منذ سنوات.
ولا يعني ذلك في الأصل أن أحد الحقين يلغي الآخر، إذ تبقى الملكية العقارية لصاحبها ما لم تنتقل إلى شخص آخر قانوناً وتُسجّل وفقاً للأصول، ولا تزول لمجرد أن المالك غادر المنطقة بسبب الحرب أو بقي خارجها سنوات.
ولذلك، فإن طول غياب أهالي الفوعة أو خروجهم بسبب التهجير لا يعني بحد ذاته سقوط ملكيتهم للعقارات التي كانوا يملكونها. وفي المقابل، فإن الشخص المهجّر الذي دخل منزلاً بسبب ظروف الحرب أو ترتيبات التهجير لا يصبح مالكاً للعقار بمجرد إقامته فيه سنوات طويلة، فالإقامة والحيازة شيء والملكية شيء آخر.
وقد تكون للحيازة آثار قانونية في بعض الظروف، لكنها لا تعني تلقائياً انتقال ملكية العقار، ولا سيما عندما تكون الملكية ثابتة ومسجلة باسم شخص آخر.
وقال الدباغ في حديث لـ”نون بوست” إنه يجب التمييز في مثل هذه الحالة بين ثلاثة أمور مختلفة، هي ملكية العقار وحيازته وحق الشخص في السكن، فالمالك قد يملك العقار دون أن يكون موجوداً فيه، والشاغل قد تكون لديه حيازة فعلية دون أن يكون مالكاً، وقد يكون للمهجّر في الوقت نفسه حق في الحماية من الإخلاء التعسفي بسبب ظروف الحرب والتهجير.
وأشار إلى أن القول إن المالك يستطيع إخراج الشاغل بالقوة لمجرد أنه المالك ليس صحيحاً من الناحية القانونية، فالملكية تعطي صاحبها حق المطالبة بعقاره واسترداده بالطرق القانونية، لكنها لا تعطيه الحق في تنفيذ الإخلاء بنفسه أو استعمال القوة خارج الإجراءات القانونية.
في المقابل، فإن حماية الشاغل من الإخلاء التعسفي لا تعني تحويله إلى مالك أو إسقاط حق المالك الأصلي، وإنما تعني أن إنهاء الإشغال يجب أن يتم من خلال إجراءات قانونية عادلة تراعي ظروف الأشخاص الذين قد يفقدون مساكنهم بسبب النزاع والتهجير.
وأضاف الدباغ أن أهمية القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تظهر في هذه الحالة، لأن النازح أو المهجّر لا يفقد حقوقه في المسكن أو الممتلكات بسبب النزوح، كما أن العودة أو استرداد الملكية لا ينبغي أن يؤدي إلى إخلاء أشخاص بالقوة أو تركهم بلا مأوى عندما تكون هناك وسائل قانونية وإنسانية لمعالجة الوضع.
وأوضح أن القانون يحتاج إلى تحقيق توازن بين حق الملكية وحق السكن وحماية المهجّرين، فمن غير السليم قانوناً اعتبار الإقامة الطويلة سبباً تلقائياً لاكتساب الملكية، كما أنه من غير السليم اعتبار الملكية سبباً يبرر الإخلاء الفوري بالقوة.
وفي الحالات التي سيؤدي فيها رد العقار إلى ترك عائلة مهجّرة بلا مسكن، أشار إلى أن المعالجة القانونية والإنسانية ينبغي أن تبحث في منح مهلة مناسبة أو تأمين سكن بديل أو تعويض أو وضع ترتيبات انتقالية، بحسب ظروف كل حالة، بدلاً من تحويل استرداد الملكية إلى تهجير جديد.
“الفراغة” مسألة معقدة
أما بشأن الأشخاص الذين دفعوا أموالاً لمهجّرين آخرين مقابل ترك المنازل التي يقيمون فيها، فأوضح الدباغ أن هذه المسألة أكثر تعقيداً، لأن من لا يملك العقار لا يستطيع في الأصل نقل ملكيته إلى شخص آخر بمجرد اتفاق بينهما. وبالتالي، فإن دفع المال لا يجعل المشتري مالكاً للعقار إذا كان البائع لا يملك أصلاً حق التصرف فيه.
وأشار إلى أنه قد يكون للشخص الذي دفع المال حق في المطالبة باسترداد أمواله أو الحصول على تعويض، بحسب طبيعة الاتفاق والظروف التي تم فيها الدفع وحسن نية الأطراف، لكن هذا الحق يختلف عن ملكية العقار، ولذلك يجب عدم الخلط بينهما.
وفيما يتعلق بأهالي الفوعة الذين خرجوا ضمن اتفاقات التهجير، أوضح الدباغ أن مجرد خروجهم لا يعني قانوناً أنهم تنازلوا عن ملكياتهم، إلا إذا وُجد تنازل قانوني صحيح ومستقل عن مجرد واقعة التهجير.
ولذلك، فإن مسألة الملكية يجب أن تُبحث بالاستناد إلى سندات الملكية والعقود والسجلات والوكالات والاتفاقات، وليس إلى مجرد كون الشخص غادر المنطقة.
وأضاف أنه إذا كان هناك بالفعل تعهد ضمن اتفاق التهجير بتأمين مساكن بديلة للمهجّرين، ثم لم يُنفّذ هذا التعهد، فقد تنشأ مسألة قانونية مستقلة تتعلق بتنفيذ الالتزام أو التعويض أو معالجة آثار عدم التنفيذ، بحسب طبيعة الاتفاق والجهة التي تعهدت به والأدلة الموجودة عليه.
لكنه شدد على أن عدم تنفيذ وعد السكن البديل لا يعني تلقائياً انتقال ملكية المنازل التي تركها المهجّرون إلى الأشخاص الذين يسكنون فيها حالياً.
وأشار الدباغ إلى أنه في حال كان المالك الأصلي قد باع العقار عن طريق وكالة صحيحة ومستوفية للشروط، فإن البيع يمكن أن تترتب عليه آثاره القانونية، بحسب صحة الوكالة والعقد والتسجيل، لكن حتى في هذه الحالة، يجب التفريق بين صحة البيع ومسألة إخلاء الأشخاص الموجودين في العقار، فالبيع لا يعني أن للمشتري الحق في إخراج الشاغلين بالقوة.
ولفت إلى ضرورة التمييز بين المالك الأصلي، والشاغل الذي دخل العقار بسبب التهجير، والشخص الذي اشترى أو دفع المال لشاغل آخر، والشخص الذي يحمل وكالة عن المالك، لأن المركز القانوني لكل واحد منهم مختلف، ولا يجوز معاملتهم جميعاً باعتبارهم في وضع قانوني واحد.
الحاجة إلى آلية جماعية لمعالجة النزاعات العقارية
أوضح الدباغ أيضًا أن وجود عدد كبير من هذه الحالات يجعل التعامل مع كل منزل باعتباره قضية منفصلة أمراً غير كافٍ من الناحية العملية، لأن أصل المشكلة جماعي ومرتبط بالنزوح والتهجير وتبادل السكان والحرب.
ولذلك، فإن الحل القانوني الأفضل يحتاج إلى آلية جماعية تحصر العقارات، وتحدد المالكين الأصليين، وتوثق أوضاع الشاغلين، وتراجع عمليات البيع والتنازل التي تمت أثناء النزاع.
وأشار إلى أن الحل الجماعي يمكن أن يبدأ بحصر جميع العقارات محل النزاع، ثم تثبيت الملكيات بالوثائق والسجلات، وتحديد أساس وجود كل شاغل، ومراجعة عمليات البيع والتنازل التي تمت أثناء الحرب، وتصنيف الحالات إلى ملكية واضحة، وإشغال مؤقت، وبيع من غير مالك، وحالات يوجد فيها اتفاق أو تعهد خاص، ثم وضع إجراءات موحدة للاسترداد والإخلاء، مع توفير حلول سكنية للحالات التي ستصبح بلا مأوى.
وبحسب الدباغ، فإن معالجة هذه الحالات يجب أن تجمع بين استرداد الحقوق العقارية وحماية السكن ومنع التشرّد والتهجير المتكرر، بحيث لا يُلغى حق المالك الأصلي، ولا يُعتبر المهجّر مالكاً لمجرد إقامته سنوات، ولا يُعامل في الوقت نفسه باعتباره شخصاً يمكن إخراجه فوراً دون حماية.
والمطلوب، بحسب الدباغ، هو معالجة الملكية والسكن والتهجير باعتبارها مسائل قانونية مترابطة، لكنها ليست حقاً واحداً.