وسط مساعٍ لإعادة رسم طرق تصدير النفط في الشرق الأوسط، يتقدم مشروع لربط حقول العراق بالساحل السوري على البحر المتوسط، بتكلفة تقديرية لا تقل عن 15 مليار دولار، مدفوعًا بحاجة بغداد إلى تقليل اعتمادها على مضيق هرمز، ورغبة دمشق في استعادة موقعها ضمن تجارة الطاقة الإقليمية، إلى جانب اهتمام أمريكي بتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية للبلدين.
لكن المشروع أثار تساؤلات بشأن تضارب المصالح، بعدما كُشفت علاقات تجارية ومالية بين توماس باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى العراق وسوريا، وزياد غندور رجل الأعمال ومؤسس شركة “تي آي كابيتال” الأمريكية.
وقد سلط تحقيق لوكالة رويترز في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026 الضوء على هذه العلاقة وما تثيره من تساؤلات قانونية، فيما أكدت الخارجية الأمريكية التزام باراك بقواعد الأخلاقيات ونفت وجود مصلحة مالية له في خط الأنابيب.
وتضم شبكة المستثمرين ائتلافًا تقوده شركة قطرية بمشاركة شركتين أمريكيتين، مع مفاوضات لدخول مجموعة فرنسية كبرى، بينما تستمر الدراسات المتعلقة بتمويل المشروع وملكيته وتشغيله، وسط تحديات مالية وأمنية وفنية قد تجعل تنفيذه يستغرق سنوات.
من باراك إلى غندور.. شبكة مصالح خلف مشروع النفط
كشف تحقيق رويترز أن توماس باراك شجع مشاركة شركة “تي آي كابيتال”، التي أسسها زياد غندور، في مشروع لنقل النفط العراقي إلى ميناء بانياس السوري، مستندًا إلى ثلاثة أشخاص مطلعين على التحركات المرتبطة بالمشروع، بينهم مصدران لديهما معرفة مباشرة بالمناقشات مع المسؤولين العراقيين والسوريين.
ويمتلك باراك، رجل الأعمال الأمريكي ومؤسس شركة الاستثمار “كولوني كابيتال” سابقًا، علاقات تجارية مع غندور تمتد إلى سنوات سبقت توليه منصبه الدبلوماسي.
ففي مارس/آذار 2021، أظهرت وثائق قدمت إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن الرجلين شاركا بتأسيس شركة “فالكون أكويزيشن”، التي استهدفت جمع 250 مليون دولار عبر طرح عام أولي، وتولى باراك رئاسة مجلس إدارتها، فيما شغل غندور منصب رئيسها التنفيذي.
تعثر مشروع الشركة بعد اعتقال باراك في يوليو/تموز 2021 بتهم تتعلق بالعمل لصالح الإمارات دون التسجيل وفق القوانين الأمريكية، قبل أن تبرئه هيئة محلفين أمريكية من الاتهامات في نوفمبر/تشرين الثاني 2022. وقد انتهت شراكة شركة الاستحواذ، بينما استمرت مصالح مالية أخرى لباراك في مشروع تديره شركة غندور.
ففي إفصاح مالي قدمه إلى مكتب أخلاقيات الحكومة الأمريكية في مارس/آذار 2025، أقر باراك باحتفاظه بمصلحة في شركة “إيه سي دي–تي آي أوكلي إنفستمنت”، المرتبطة بمشروع عقاري في مدينة أوكلي بكاليفورنيا، وتتولى شركة غندور إدارته. ويمنحه الترتيب حق الحصول على 20% من الأرباح التي تتجاوز عتبة عائد تبلغ 15%، مقابل خدمات سابقة قدمها للشركة، كما كشف عن تقديمه خدمات استشارية لها خلال عام 2024.
وفي اتفاق الأخلاقيات الذي وقعه في 7 مارس/آذار 2025، تعهد باراك بالامتناع عن المشاركة الشخصية والجوهرية في المسائل الحكومية التي تؤثر بصورة مباشرة ومتوقعة في مصالحه المالية، ما لم يحصل على إعفاء قانوني أو ينطبق عليه استثناء تنظيمي.
ويعود نشاط غندور في ترتيب استثمارات الطاقة إلى أكثر من عقدين، فقد أظهرت وثائق أمريكية تعود إلى عامي 2003 و2004 تعاقد شركته مع شركة الطاقة الأمريكية “سينتروليوم” للمساعدة في ترتيب مفاوضات مع شركات دولية، بينها “أرامكو السعودية” و”ريبسول” الإسبانية، ضمن اتفاقات تضمنت ترتيبات مالية مرتبطة بالأسهم والتمويل.
أما التحركات المرتبطة بمشروع النفط العراقي السوري، فتعود إلى مايو/أيار 2026، عندما طرح باراك فكرة إشراك شركة غندور خلال لقاء على هامش مؤتمر “ميلكن العالمي” بمدينة لوس أنجلوس. وشارك الرجلان كذلك في جلسة مغلقة تناولت الحاجة إلى تطوير مسارات جديدة لإمدادات الطاقة في الشرق الأوسط.
وفي 16 يونيو/حزيران، ظهر اسم “تي آي كابيتال” في بيان أصدره باراك ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، أشادا فيه بالتقدم نحو توقيع مذكرة تفاهم مع الشركة لإحياء خط كركوك–بانياس، قبل الإعلان خلال يوليو/تموز عن ائتلاف أوسع يضم “شيفرون” الأمريكية و”يو سي سي” القطرية.
وتوضح المحطات المتعاقبة تطور العلاقة بين باراك وغندور، من الشراكة الاستثمارية والمصالح المالية إلى التحركات الدبلوماسية التي سبقت دخول شركة غندور مشروع خط النفط.
ونقلت رويترز عن شخص مقرب من باراك أن المبعوث الأمريكي يثق بقدرة غندور على المساهمة في تنفيذ استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترامب الرامية إلى تقريب العراق وسوريا من الولايات المتحدة.
وأثارت هذه التحركات تساؤلات لدى خبراء الأخلاقيات الحكومية، فقد اعتبر ريتشارد بينتر، كبير مسؤولي الأخلاقيات السابق في البيت الأبيض وأستاذ القانون بجامعة مينيسوتا الأمريكية، أن علاقة باراك بغندور تثير مشكلة جدية بموجب القواعد الفيدرالية المتعلقة بحياد الموظفين الحكوميين، ورأى أن على المبعوث الأمريكي التنحي بالكامل عن مناقشات المشروع.
كما قال دون فوكس، المستشار العام والمدير بالوكالة سابقًا لمكتب أخلاقيات الحكومة الأمريكية، إن ترويج مسؤول حكومي لشركة ترتبط به بعلاقة تجارية قد يخالف القواعد التي تمنع استخدام المنصب العام لتأييد مؤسسات خاصة.
وتنظم القواعد الفيدرالية الأمريكية المتعلقة بأخلاقيات الوظيفة العامة مشاركة المسؤولين في المسائل التي تشمل أشخاصًا أو شركات تربطهم بهم علاقات تجارية أو شخصية قد تثير الشك في حيادهم، مع إتاحة تقييم هذه الحالات ومنح الإذن بالمشاركة من الجهة الحكومية المختصة.
وأظهر طلب سجلات قدمته رويترز عدم العثور على إعفاء مسجل لدى مكتب أخلاقيات الحكومة الأمريكية يتعلق بمشاركة باراك في المشروع على خلفية علاقته بشركة غندور، فيما أكدت الخارجية الأمريكية أن المسؤول المذكور لا يمتلك حصة أو دورًا أو مصلحة مالية في خط كركوك–بانياس، وأن تحركاته تتفق مع السياسة الأمريكية لتشجيع التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة، مشددة على امتثاله للقواعد الأخلاقية.
وظهرت شركة غندور كذلك ضمن ائتلاف يدرس تطوير حقل عكاز للغاز بمحافظة الأنبار، إلى جانب “يو سي سي” وشركة النفط الأمريكية “كونوكو فيليبس”، وفق تحقيق رويترز، كما تعرض “تي آي كابيتال” على موقعها الإلكتروني مشاركات بمشروعات مرتبطة بميناء طرطوس السوري.
ائتلاف الشركات والتمويل.. من سيملك خط النفط ويشغّله؟
في 4 يوليو/تموز 2026، وافق مجلس الوزراء العراقي على تخويل شركة نفط البصرة الحكومية توقيع اتفاق مبادئ أولي واتفاق عدم إفصاح مع ائتلاف يضم “تي آي كابيتال” و”شيفرون” و”يو سي سي”، لإجراء الدراسات الفنية والمالية لمسارين مقترحين لتصدير النفط، أحدهما إلى ميناء جيهان التركي والآخر إلى ميناء بانياس السوري، عبر شبكة تنطلق من البصرة وتمر بمحافظة الأنبار.
وأوضح قرار الحكومة العراقية أن الاتفاقات تتعلق بإعداد الدراسات وتقييم المسارات، مع استمرار التفاوض على الالتزامات المالية والتعاقدية النهائية. كما وافق المجلس على استكمال التعاقد الاستشاري مع شركة الخدمات الهندسية الأمريكية “كيه بي آر” بشأن خط البصرة–حديثة داخل العراق.
وفي 17 يوليو/تموز، وقعت الحكومتان العراقية والسورية مذكرة تفاهم لتطوير الممر النفطي خلال مراسم استضافتها غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن، بحضور رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي ومسؤولين من البلدين والشركات المشاركة.
وجاء التوقيع ضمن زيارة شهدت الإعلان عن أكثر من 50 اتفاقًا ومذكرة تفاهم وشراكة، بقيمة إجمالية تجاوزت 60 مليار دولار، بحسب بيان لغرفة التجارة الأمريكية في 18 يوليو/تموز.
في اليوم التالي، أعلن ائتلاف المستثمرين توقيع اتفاقات مبادئ منفصلة مع الحكومتين، عبر 3 كيانات تجارية هي “يو سي سي أورباكون للاستثمار في الامتيازات” القطرية، و”شيفرون لتطوير الأعمال في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا”، و”تيك إنفرا 2″ المرتبطة بمجموعة “تي آي كابيتال”.
وبحسب البيان، تتولى “يو سي سي” تنسيق الائتلاف، فيما تعمل الشركات على إعداد دراسات الجدوى الفنية والمالية وخطة التمويل الأولية، بالتوازي مع تشكيل مجموعة عمل عراقية سورية لمعالجة القضايا العابرة للحدود. وترتبط حصص الملكية وحقوق التشغيل ورسوم النقل ومدد الامتياز باستكمال المفاوضات والحصول على الموافقات الحكومية.
وتبرز في الائتلاف شركة “يو سي سي القابضة” القطرية التابعة لمجموعة “باور إنترناشيونال القابضة”، التي يرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال القطري معتز الخياط، فيما يتولى شقيقه رامز منصب الرئيس التنفيذي لها.
وقد وسعت الشركة استثماراتها في سوريا، حيث وقعت الحكومة في مايو/أيار 2025 مذكرة تفاهم مع ائتلاف تقوده “يو سي سي” لتطوير مشروعات توليد الكهرباء باستثمارات معلنة تبلغ نحو 7 مليارات دولار، بحضور توماس باراك مراسم التوقيع في دمشق.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، وقعت اتفاقات امتياز نهائية مع ائتلاف تقوده الشركة لتطوير وتوسيع وتشغيل مطار دمشق الدولي، باستثمارات معلنة تبلغ نحو 4 مليارات دولار، وبمشاركة شركات تركية وأمريكية، ضمن توسع الشركة القطرية في مشروعات البنية التحتية السورية.
أما “شيفرون”، إحدى أكبر شركات النفط والغاز الأمريكية، فتشارك في الدراسات الأولية للممر ضمن اهتمام أوسع بقطاع النفط العراقي، يشمل مفاوضات بشأن تطوير حقلي غرب القرنة 2 والناصرية.
واتسعت قائمة المستثمرين المحتملين مع دخول شركة الطاقة الفرنسية “توتال إنرجيز” في مباحثات بشأن المشروع، إذ أكد رئيسها التنفيذي باتريك بويانيه، في 14 سبتمبر/أيلول 2026، أن المجموعة تتفاوض للحصول على حصة استثمارية في خط البصرة–بانياس، فيما نقلت صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية عن مصادر مطلعة أنها تستهدف حصة تقارب 10%.
وتوضح خريطة الائتلاف أدوار الشركات الموقعة على الاتفاقات الأولية، وموقع “توتال إنرجيز” بوصفها طرفًا يتفاوض على المشاركة، إلى جانب التقديرات المالية ونموذج التشغيل المطروح.
وتواجه الشركات حسابات مختلفة بشأن تمويل المشروع، ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول، أوضح مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة “شيفرون”، خلال مؤتمر “إنتليجنس للطاقة” في لندن، أن شركته تفضل تقليل الأموال التي تخصصها من رأسمالها الخاص لمشروعات خطوط الأنابيب، مع إمكانية تولي أطراف أخرى توفير معظم التمويل.
وفي المؤتمر نفسه، أكد بويانيه اهتمام “توتال إنرجيز” بالمشاركة في تطوير خطوط تتجاوز مضيق هرمز، فيما أثارت ميغ أونيل، الرئيسة التنفيذية لشركة الطاقة البريطانية “بي بي”، تساؤلات بشأن جدوى توجيه أموال المساهمين إلى مشروعات الأنابيب الضخمة، بالنظر إلى أولويات الاستثمار والعوائد المتوقعة، وفق تقرير لرويترز نشر في 6 أكتوبر/تشرين الأول.
وفي أغسطس/آب، أعلن وزير النفط العراقي باسم خضير أن مشروعات خطوط الأنابيب الجديدة وتطوير شبكة النقل الداخلية تتطلب استثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار، بينما نقلت نشرة “ميس”، المتخصصة في شؤون النفط والغاز أن بغداد تدرس اعتماد نموذج “البناء والتملك والتشغيل ثم نقل الملكية”، الذي يتيح للمستثمر تمويل المشروع وإنشاءه وتشغيله خلال فترة امتياز، قبل نقل ملكيته إلى الجهة الحكومية وفق شروط العقد.
وفي 27 أغسطس/آب، أعلنت وزارة النفط العراقية استمرار المباحثات مع وفد من “يو سي سي” بشأن نوع العقد والجدول الزمني والمسارات الفنية والاقتصادية، مع عقد اجتماعات أسبوعية للتوصل إلى اتفاق على النموذج الاقتصادي للمشروع.
وتسير هذه المفاوضات بالتوازي مع تطوير خط البصرة–حديثة داخل العراق، الذي يشكل جزءًا رئيسيًا من شبكة النقل المقترحة.
ففي 28 أبريل/نيسان 2026، أعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي آنذاك محمد شياع السوداني تخصيص نحو 1.5 مليار دولار خلال العام، ضمن آلية الاتفاق العراقي الصيني، لتمويل جزء من مشروع تبلغ تكلفته الإجمالية التقديرية نحو 5 مليارات دولار، بعد عقود حكومية وقعت خلال عامي 2024 و2025 لإنشاء الخط وتوفير الأنابيب.
وتكتسب شروط الملكية والتمويل أهمية خاصة بالنظر إلى امتداد المشروع عبر دولتين، إذ ستحدد العقود النهائية الجهة المسؤولة عن تحصيل رسوم النقل، وضمان الكميات المصدرة، وتغطية تكاليف الصيانة والحماية، فضلًا عن حقوق المستثمرين وحصة الحكومتين من الإيرادات.
من كركوك إلى المتوسط.. حسابات النفط والنفوذ والجدوى
يعود تاريخ خط كركوك–بانياس إلى عام 1952، عندما أنشأت شركة نفط العراق ممرًا لنقل الخام من حقول كركوك شمالي العراق إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بطاقة تقارب 300 ألف برميل يوميًا.
تعرض الخط لتوقفات متكررة بسبب الخلافات السياسية بين بغداد ودمشق، أبرزها إغلاقه عام 1982 خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم استئناف تشغيله بصورة محدودة عام 2000، وصولًا إلى تضرره خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وخروجه من الخدمة.
وفي تحقيق نشرته رويترز في 17 أغسطس/آب 2026، أفاد مصدران لديهما معرفة مباشرة بالمشروع بأن إعادة تشغيل الممر تتطلب إنشاء بنية أنابيب جديدة بالكامل تقريبًا، مع إمكانية اتباع أجزاء من المسار التاريخي، بسبب تدهور الشبكة القديمة وعدم توافق أجزائها السليمة مع المواصفات الفنية المطلوبة.
وتتضمن الخطة تطوير خط رئيسي لنقل نفط جنوب العراق من البصرة إلى حديثة بمحافظة الأنبار، يتفرع إلى مسار نحو ميناء بانياس السوري، وآخر باتجاه منظومة التصدير العراقية التركية. وأوضح فيصل حمادي رمضان، المدير العام لشركة نفط الشمال العراقية، خلال سبتمبر/أيلول، أن التصور المقترح يستهدف طاقة تبلغ مليون برميل يوميًا لكل مسار، فيما تتوقف السعات النهائية على الدراسات الفنية والاتفاقات الاستثمارية.
وتعرض الخريطة التالية المسارات المقترحة من البصرة إلى المتوسط، مع التمييز بين الفرع السوري والتركي، إلى جانب أبرز محطات خط كركوك–بانياس التاريخي والتحديات التي تواجه إنشاء الممر الجديد.
وفي 27 يوليو/تموز، أوضح أحمد قبه جي، نائب رئيس الشركة السورية للبترول لشؤون النقل والتخزين، أن المشروع يخضع للدراسة الفنية والمالية، وأن التصور السوري يتضمن خطًا بطول 1520 كيلومترًا وقطر مبدئي يبلغ 52 بوصة، متوقعًا إنجاز الأعمال خلال 30 شهرًا من توقيع العقد النهائي.
لكن المصدرين المشاركين مباشرة في المشروع، اللذين تحدثا لرويترز في أغسطس/آب، قدّرا مدة الإنشاء بأربع سنوات على الأقل، بالنظر إلى حجم الأعمال المطلوبة لإعادة بناء الشبكة وتطوير مرافق النقل والتصدير.
وتأتي أهمية المشروع بالنسبة إلى بغداد من اعتماد اقتصادها الكبير على صادرات النفط الخام، التي تمر غالبيتها عبر الموانئ الجنوبية ومضيق هرمز. وقد كشفت اضطرابات الملاحة خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026 حجم المخاطر المرتبطة بهذا الاعتماد، بعدما تسببت القيود البحرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين في تراجع حاد بحركة الصادرات.
وقبل اندلاع المواجهة، كان العراق يصدر نحو 3.6 ملايين برميل يوميًا، معظمها عبر الخليج. وفي تحليل نشره مركز ستيمسون الأمريكي للأبحاث في 20 أغسطس/آب، أوضح عمر النداوي، مدير البرامج في مركز تمكين السلام في العراق والباحث غير المقيم لدى المجلس الأطلسي، أن أكثر من 3.3 ملايين برميل من صادرات العراق اليومية كانت تمر عبر الموانئ الجنوبية ومضيق هرمز قبل الأزمة.
وأشار النداوي إلى أن صادرات العراق تراجعت بأكثر من 85% خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى يونيو/حزيران، بينما انخفضت الإيرادات النفطية الشهرية من نحو 7 مليارات دولار إلى أقل من 1.5 مليار دولار، ما فرض ضغوطًا كبيرة على المالية العامة والإنفاق الحكومي.
ورأى الباحث أن إنشاء منافذ تصدير عبر المتوسط يمثل استثمارًا طويل الأمد في حماية الاقتصاد العراقي من الأزمات المستقبلية، لكنه يرتبط بتكاليف مالية وسياسية وأمنية مرتفعة، خصوصًا مع الضغوط التي تواجه الموازنة العراقية والحاجة إلى تمويل البنية التحتية والخدمات العامة.
وتبحث بغداد عدة بدائل لتقليل اعتمادها على المضيق، بينها توسيع الصادرات عبر ميناء جيهان التركي، وإحياء مشروع خط البصرة–العقبة الأردني على البحر الأحمر.
ويتميز المسار التركي بوجود شبكة قائمة، رغم الخلافات السياسية والقانونية التي عطلت استخدامها خلال السنوات الماضية، خصوصًا بشأن صادرات إقليم كردستان، فيما يواجه مشروع العقبة اعتراضات عراقية وتساؤلات بشأن التكلفة والجدوى والمخاطر المرتبطة بالملاحة عبر باب المندب.
أما المسار السوري، فيتيح للعراق الوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر المتوسط، لكنه يرتبط بقدرة ميناء بانياس على استقبال كميات كبيرة من الخام وتخزينها وتحميلها على الناقلات. وقد أشار النداوي إلى محدودية القدرة التشغيلية الحالية للميناء، مستندًا إلى تقارير تفيد بإمكان التعامل مع ناقلة من فئة “أفراماكس” كل سبعة إلى عشرة أيام تقريبًا، بما يعادل نحو 100 ألف برميل يوميًا وفق معدلات التحميل المذكورة.
ويتطلب رفع الطاقة التصديرية إلى مليون برميل يوميًا استثمارات كبيرة في خزانات النفط ومحطات الضخ وأرصفة تحميل الناقلات والمرافق البحرية، إلى جانب حماية مئات الكيلومترات من الأنابيب التي ستمر عبر مناطق شهدت نشاطًا لجماعات مسلحة وعمليات تخريب.
وبالنسبة إلى سوريا، يمكن للمشروع أن يوفر عائدات من رسوم عبور النفط وتخزينه وتصديره، إلى جانب استثمارات لإعادة تأهيل مرافق الطاقة والموانئ.
وقد تحدث وزير الطاقة السوري محمد البشير عن أهمية المشروع في استعادة موقع سوريا ضمن شبكات نقل الطاقة الإقليمية، فيما أشار قبه جي إلى إمكانية ارتباط تطوير الخط بمشروعات صناعية إضافية، منها منشآت التكرير والبتروكيماويات.
لكن الجدوى التجارية للممر تواجه اعتبارات تتعلق بالأسواق المستهدفة، خصوصًا أن الصين والهند ودولًا آسيوية أخرى تستحوذ على جانب كبير من صادرات الخام العراقي، وتتمتع الموانئ الجنوبية بأفضلية جغرافية في الوصول إليها عبر الخليج والمحيط الهندي.
وفي تحليل نشره مركز تشاتام هاوس البريطاني في 25 سبتمبر/أيلول 2026، أوضح ريناد منصور، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المركز، أن مشروع الخط العراقي السوري قد يتيح لبغداد تحويل حصة من صادراتها إلى مسارات تتجاوز مضيق هرمز، بما يقلص أثر التعطيل الإيراني لحركة الطاقة الإقليمية.
وأشار منصور إلى أن معظم صادرات النفط العراقي تتجه نحو الأسواق الآسيوية، ويمكن الوصول إليها من الخليج بصورة أسرع من المتوسط، ما يجعل الخط الجديد مرتبطًا بتنويع المنافذ والأسواق وتعزيز قدرة العراق على مواجهة الاضطرابات، إلى جانب حسابات الربحية التجارية.
وربط الباحث المشروع بتوجه أوسع لدى العراق وسوريا ولبنان لإعادة تطوير طرق الطاقة والتجارة والنقل، مع اهتمام أمريكي بتشجيع الممرات التي تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وتتيح للدول الثلاث توسيع علاقاتها الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات.
وحذر من تحديات مرتبطة بضعف المؤسسات والفساد وتعدد القوى المسلحة والتدخلات الخارجية، مشيرًا إلى أن استفادة الدول من الممرات الجديدة تتوقف على قدرتها على إدارة المشروعات والعقود وحماية البنية التحتية، وضمان توزيع عائداتها وفق ترتيبات اقتصادية مستقرة.
وتبرز هذه المخاطر في ضوء الهجمات التي تعرضت لها منشآت الطاقة خلال المواجهة الإقليمية، ومنها حقل خور مور للغاز في إقليم كردستان العراق، فضلًا عن استمرار التهديدات المرتبطة ببقايا تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المسلحة في مناطق غربي العراق وشرقي سوريا.
أما الولايات المتحدة، فتربط دعمها للمشروع بتوسيع ممرات تصدير الطاقة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، إلى جانب تعزيز العلاقات الاقتصادية مع بغداد ودمشق وزيادة مشاركة الشركات الأمريكية في قطاع النفط والبنية التحتية.
وفي 8 أغسطس/آب 2026، توقع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن تسمح خطوط أنابيب برية جديدة خلال عامين بتحويل ما بين 50% و70% من صادرات الطاقة التي تمر عبر هرمز إلى مسارات أخرى، وهي توقعات تتجاوز الجدول الزمني الذي قدره المصدران المشاركان في المشروع العراقي السوري بأربع سنوات على الأقل.
وبينما تراهن بغداد على الممر لتأمين صادراتها وتخفيف أثر الأزمات البحرية، وتسعى دمشق إلى استعادة موقعها على طرق تجارة الطاقة، ستحدد شروط التمويل والملكية والتشغيل وحماية الخط الجهات التي ستدير هذا الممر وتتحكم في عوائده، وسط تداخل المصالح الاستثمارية بمليارات الدولارات مع الحسابات السياسية والنفوذ الإقليمي.