• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بعد استهداف مطار الرياض.. أين تنتهي حدود المواجهة مع الحوثيين؟

فريق التحرير١١ أكتوبر ٢٠٢٦

لا يمكن التعامل مع استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، السبت العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2026، والذي أسفر عن نحو 12 وفاة و309 إصابات، بعضها في حالة حرجة، باعتباره مجرد حلقة اعتيادية في سياق التصعيد المتبادل بين جماعة الحوثي والسعودية، بالنظر إلى طبيعة الهدف وحجم الخسائر والدلالات السياسية والاستراتيجية التي يحملها الهجوم.

فالضربة تمثل تحولًا لافتًا في مسار المواجهة الممتدة منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، إذ تنقل جانبًا من كلفة الصراع من الساحة اليمنية والبحر الأحمر إلى قلب السعودية، وتحديدًا إلى أحد أهم شرايينها المدنية والاقتصادية ومراكز اتصالها بالعالم، ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الهجوم باعتباره أحد أكثر التحولات حرجًا وحساسية بالنسبة للرياض خلال السنوات الماضية.

ويضيف تعدد جنسيات الضحايا بُعدًا آخر إلى تعقيدات المشهد؛ فالخسائر لم تقتصر على السعوديين، إذ سقط في الهجوم الأخير ثمانية أشخاص من جنسيات مختلفة، مواطنان من بنغلاديش، وأمريكي، ومصرية، وأردني، وسوري، وفلسطيني، وسوداني، وهو ما يمنح الهجوم أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي للمواجهة السعودية-الحوثية.

ويأتي هذا التطور ليضيف مزيدًا من التوتر إلى بيئة إقليمية ملتهبة بالفعل، وسط مخاوف متزايدة من انتقال التصعيد من معادلة الردع المتبادل بين الرياض والحوثيين إلى دائرة مواجهة أوسع، فإلى أين تتجه المواجهة في ظل هذا التحول اللافت في مستوى التوتير؟ وهل تنجح الرياض في احتواء تداعياته ضمن حدود المواجهة الحالية، أم أن المنطقة باتت أمام عتبة جديدة قد تدفع بالصراع نحو نطاق إقليمي ودولي أوسع؟

تحول نوعي في مسار التصعيد

ليست هذه المرة الأولى التي تصل فيها الصواريخ والمسيّرات الحوثية إلى أهداف داخل الأراضي السعودية، غير أن التركيز المتزايد على استهداف المطارات خلال الفترة الأخيرة يمثل تحولًا محوريًا في طبيعة التصعيد وأدواته،  حيث جاء استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض ضمن سلسلة من الهجمات التي طالت مطارات سعودية عدة، من أبها إلى جدة وصولًا إلى العاصمة، بما يعكس انتقال المطارات إلى موقع أكثر تقدمًا في بنك الأهداف الحوثي.

ومن خلال هذا التحول، تبدو جماعة الحوثي ساعية إلى رفع كلفة المواجهة مع المملكة وتوسيع نطاقها إلى ما يتجاوز الخطوط التقليدية للصراع، عبر نقل جانب من المعركة من المناطق الحدودية والمنشآت العسكرية إلى العمق السعودي والمنشآت المدنية والحيوية، كما لم تعد تداعيات الهجمات محصورة في الأضرار المادية أو تعطيل بعض المرافق، وإنما امتدت إلى خسائر بشرية كبيرة، بما يرفع من حساسية المواجهة ويضاعف الضغوط الداخلية والخارجية المرتبطة بها.

ولا يبدو اختيار المطارات هدفًا عشوائيًا في هذا السياق؛ إذ يجمع استهدافها بين أربعة مستويات من التأثير في آن واحد، إيقاع خسائر بشرية ومدنية، وفرض كلفة اقتصادية من خلال التأثير المحتمل على حركة الطيران والنقل، وإحداث أثر نفسي داخل المجتمع، فضلًا عن البعد الدولي الذي تفرضه طبيعة المطارات باعتبارها منشآت ترتبط بحركة المسافرين وشركات الطيران ومواطني عشرات الدول.

وعلى المستوى الاستراتيجي، يعكس هذا المسار تحولًا في منطق المواجهة الحوثية من السعي إلى مضاهاة السعودية عسكريًا، وهو أمر تصعبه الفوارق الكبيرة في موازين القوة التقليدية، إلى استراتيجية تقوم على تعظيم كلفة الحرب على المملكة واستهداف نقاط حساسيتها الاقتصادية والمدنية،  فالهدف لا يصبح تحقيق تفوق عسكري مباشر بقدر ما يصبح تهديد شرايين الاقتصاد والحركة، ورفع كلفة تأمينها، والضغط على صورة المملكة التي عملت خلال السنوات الماضية، باستثمارات بمئات المليارات من الدولارات، على ترسيخها باعتبارها مركزًا اقتصاديًا واستثماريًا آمنًا ومستقرًا.

ماذا يريد الحوثي؟

لا يمكن فصل التحول الأخير في مسار التصعيد الحوثي ضد السعودية عن تطورات المواجهة على الساحة اليمنية،  فبعد التقدم الذي حققه الحوثيون في محيط باب المندب خلال الأسابيع الماضية، تمكنت القوات الحكومية المدعومة من الرياض من استعادة عدد من المناطق في الساحل الغربي ومحيط المضيق، بالتوازي مع إلحاق خسائر بالقوات الحوثية في الأفراد والعتاد، بما أعاد قدرًا من الضغط العسكري على الجماعة في واحدة من أكثر مناطق الصراع أهمية من الناحية الاستراتيجية.

وأمام اختلال موازين القوة التقليدية لمصلحة السعودية وحلفائها، جاءت الرسالة الحوثية عبر محاولة نقل جانب من كلفة المواجهة إلى الداخل السعودي وتدشين معادلة ردع متبادل تربط بين التطورات الميدانية داخل اليمن ومستوى الأمن داخل المملكة، وهو ما عبّر عنه المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، بتحذيره شركات الطيران والعاملين والمسافرين من استخدام المطارات والأجواء السعودية، معتبرًا إياها معرضة للاستهداف، ومؤكدًا مضي الجماعة في تطبيق ما وصفه بمعادلة “المطار بالمطار والحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.

ويستهدف هذا التصعيد اللافت ممارسة أقصى قدر ممكن من الضغط على الرياض لدفعها إلى مراجعة مستوى دعمها للقوات الحكومية اليمنية في مواجهة الحوثيين، خصوصًا بعد المكاسب الميدانية التي حققتها تلك القوات مؤخرًا،  ومن هذا المنظور، يمكن قراءة نقل المواجهة إلى العمق السعودي واستهداف المطارات والمنشآت الحيوية باعتباره محاولة لتعويض الضغوط العسكرية التي تواجهها الجماعة داخل اليمن، من خلال رفع الكلفة المباشرة على المملكة وتهديد بعض شرايينها الاقتصادية، بما يجعل استمرار الدعم السعودي للقوات المناهضة للحوثيين أكثر كلفة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

مأزق الرياض.. حصار ثلاثي

منذ اندلاع الحرب الأمريكية ضد إيران، أخذت دوائر الضغط المحيطة بالسعودية في الاتساع تدريجيًا، لتجد المملكة نفسها أمام مأزق استراتيجي تتقاطع فيه اعتبارات أمن الطاقة مع أمن الممرات البحرية وحماية العمق الداخلي، وكانت البداية من مضيق هرمز، أحد أبرز شرايين تدفق النفط السعودي نحو الأسواق الآسيوية وعصبًا رئيسيًا في منظومة تصدير الطاقة الخليجية، بعدما تعرض لاضطرابات حادة خلال الأيام الأولى للحرب، قبل أن يتحول بصورة متزايدة إلى ورقة ضغط في يد طهران، بما وضع أحد أهم مسارات الطاقة السعودية تحت وطأة التهديد.

وأمام الضغوط المحيطة بهرمز، ازدادت أهمية البديل الغربي للمملكة، عبر خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من الحقول والمنشآت الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز، غير أن تصاعد المواجهة مع الحوثيين والتهديدات المتزايدة للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب أعادا الضغوط إلى هذا المسار أيضًا، لتجد الرياض نفسها أمام معضلة مزدوجة، تهديد الممر الشرقي عبر هرمز، وتصاعد المخاطر المحيطة بالمسار الغربي والبحر الأحمر، وهما ركيزتان أساسيتان في قدرة المملكة على تأمين تدفقات صادراتها النفطية إلى الخارج.

وحين تحركت الرياض لتخفيف الضغط عن باب المندب وتقليص النفوذ الحوثي في محيطه، عبر تعزيز دعم القوات الحكومية اليمنية وتكثيف نشاط التحالف الذي تقوده، انتقلت الضغوط إلى مستوى ثالث أكثر حساسية، باستهداف العمق السعودي نفسه، بما يشمل المطارات والمنشآت الحيوية والنفطية.

وهكذا باتت المملكة أمام ثلاث دوائر ضغط متزامنة، هرمز شرقًا، وباب المندب والبحر الأحمر غربًا وجنوبًا، والعمق السعودي بما يضمه من مطارات ومنشآت اقتصادية واستراتيجية، وهي معادلة، حال استمرارها واتساع نطاقها، من شأنها فرض ضغوط استثنائية على حركة الطاقة والنقل والاقتصاد السعودي، ورفع كلفة المواجهة إلى مستويات تتجاوز حدود الحرب اليمنية ذاتها.

صورة المملكة الدولية أمام اختبار حساس

في ظل تزامن دوائر الضغط الثلاث، تجد السعودية نفسها أمام مأزق بالغ الحساسية لا يقتصر على التداعيات الأمنية والاقتصادية المباشرة، وإنما يمتد إلى صورتها وسمعتها على الساحة الدولية، فعلى مدار عقود، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة، ضخت المملكة مئات المليارات من الدولارات في مشروعات وبرامج تستهدف ترسيخ حضورها باعتبارها مركزًا عالميًا للاستثمار والسياحة والطيران واستضافة الفعاليات الدولية الكبرى.

غير أن التصعيد الأخير يضع جانبًا من هذه الصورة في مرمى الاستهداف، إذ لا تتوقف تداعيات الهجمات عند حدود الخسائر المادية والبشرية، وإنما تمتد إلى مستوى الثقة في استقرار البيئة الأمنية وقدرة المملكة على حماية منشآتها الحيوية وشبكات النقل والطيران، ومن ثم، فإن استمرار استهداف المطارات والمنشآت الاقتصادية قد يفرض كلفة تتجاوز الأضرار المباشرة، لتطال حسابات المستثمرين وشركات الطيران والسياحة والتأمين، وهي قطاعات ترتبط بصورة وثيقة بالصورة الذهنية التي سعت الرياض إلى تكريسها عالميًا.

وقد بدأت بعض ملامح هذه التداعيات تلوح بالفعل عقب الهجمات الأخيرة، مع اتجاه بعض شركات الطيران إلى تعليق رحلاتها أو تحويل مساراتها، بالتزامن مع صدور تحذيرات أمنية عن بعثات أجنبية، ورغم أن هذه الإجراءات لا تعني بالضرورة حدوث تحول طويل الأمد في الثقة بالسوق السعودية، فإن استمرار التصعيد واتساع نطاقه قد يحول التداعيات الأمنية المؤقتة إلى ضغط اقتصادي وسمعة دولية أكثر استدامة، وهو ما يجعل استهداف المطارات تحديدًا أحد أكثر أدوات الضغط حساسية بالنسبة للرياض.

 الحوثي في المقاربة السعودية

ليس من الموضوعي اختزال التصعيد الحوثي الأخير باعتباره مجرد استجابة للضغوط الإيرانية أو تنفيذًا لأجندة طهران في المنطقة، صحيح أن ثمة ارتباطًا أيديولوجيًا وسياسيًا وعسكريًا وثيقًا بين إيران والحوثيين، وصحيح كذلك أن الجماعة تمثل أحد أبرز حلفاء طهران وأكثرهم حضورًا في الساحة اليمنية والإقليمية، خصوصًا في ظل تراجع أدوار أطراف أخرى ضمن شبكة الحلفاء الإيرانيين، إلا أن تفسير مجمل التحركات الحوثية باعتبارها انعكاسًا حصريًا لإرادة إيرانية يظل قراءة قاصرة عن استيعاب تعقيدات المشهد اليمني وحسابات الجماعة الخاصة.

فالخسائر التي تعرض لها الحوثيون خلال الأيام الماضية أمام القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وما رافقها من دعم سعودي متزايد، تمثل بدورها عاملًا مهمًا في تفسير رفع الجماعة مستوى التصعيد مع الرياض، ومن هذا المنظور، يبدو استهداف العمق السعودي جزءًا من محاولة فرض كلفة مقابلة على المملكة، والحد من قدرتها على تغيير موازين القوى داخل اليمن، والحفاظ على المكتسبات التي راكمها الحوثيون على الأرض خلال السنوات الماضية، بما يرسخ موقعهم باعتبارهم طرفًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية للبلاد.

ولا ينفي ذلك وجود تقاطع واضح بين هذا المسار والمصالح الإيرانية، إذ تستفيد طهران بطبيعة الحال من قدرة الحوثيين على ممارسة الضغط على السعودية وتهديد مصالح خصومها في المنطقة، غير أن التعامل مع إيران باعتبارها المحرك الوحيد للجماعة، ومن ثم مفتاح الحل الوحيد للأزمة، قد يؤدي إلى إغفال الدوافع المحلية ومصالح الحوثيين الذاتية، وبالتالي إلى قراءة غير مكتملة لطبيعة الصراع وإطالة أمده بدلًا من احتوائه.

وتضع هذه المعادلة الرياض أمام خيارات أكثر تعقيدًا؛ إذ لم يعد السؤال متعلقًا فقط بكيفية الضغط على طهران لاحتواء حليفها اليمني، وإنما بكيفية التعامل مع الحوثيين أنفسهم باعتبارهم فاعلًا يمتلك حساباته وأهدافه وأدوات ضغطه الخاصة، وهي معضلة تزداد إلحاحًا بعد الخسائر التي خلفها استهداف مطار الملك خالد الدولي، وما حمله الهجوم من رمزية ورسائل سياسية وأمنية، بما يجعل الرد السعودي، في مستوى أو آخر، أمرًا يصعب تجنبه، بينما تظل طبيعة هذا الرد وحجمه وحدوده هي العامل الحاسم في تحديد المسار المقبل للمواجهة.

رد إجباري و3 سيناريوهات

في ضوء التطورات الراهنة وحجم الخسائر والرسائل التي حملها التصعيد الأخير، تبدو مساحة تجنب الرياض الرد، تحت أي ظرف، محدودة، بل ومحرجة،  غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بمبدأ الرد بقدر ما يتعلق بطبيعته وحجمه وحدوده، وفي هذا الإطار، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لكل منها أدواته وحساباته وكلفته السياسية والعسكرية.

يتمثل السيناريو الأول في توجيه ضربة عسكرية مباشرة ومركزة ضد القدرات الحوثية، تستهدف من خلالها المملكة إضعاف البنية المستخدمة في تنفيذ الهجمات، بما يشمل منصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ومخازنها، والرادارات، ومراكز القيادة والسيطرة، والبنية العسكرية المرتبطة بالتخطيط للهجمات وتنفيذها، ورغم أن هذا الخيار يحمل رسالة ردع واضحة، فإن كلفته قد تكون مرتفعة بالنسبة للرياض، ليس فقط بسبب احتمالات الرد الحوثي، وإنما أيضًا لما قد يترتب عليه من توسيع نطاق المواجهة وفتح جولة جديدة من التصعيد يصعب التحكم في حدودها.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على تكثيف دعم القوات التابعة للحكومة اليمنية والقوى المتحالفة معها داخل اليمن، عبر زيادة مستويات التسليح والتدريب والدعم الاستخباراتي واللوجستي، وربما توفير غطاء جوي في بعض العمليات.

ويبدو هذا المسار أكثر ترجيحًا، كونه يسمح للرياض بممارسة ضغط عسكري متزايد على الحوثيين داخل الساحة اليمنية نفسها، مع تقليل الانخراط السعودي المباشر في المواجهة، كما أن تكثيف العمليات ضد أهداف ومواقع حوثية خلال الفترة الأخيرة قد يمثل مؤشرًا أوليًا على الاتجاه نحو تعزيز هذا الخيار.

ويتمثل السيناريو الثالث في محاولة تدويل المواجهة مع الحوثيين، مستفيدة من سقوط مدنيين من جنسيات متعددة في الهجوم الأخير، بينهم مواطنون من الولايات المتحدة ومصر وسوريا والأردن ودول أخرى.

ومن شأن توظيف هذا البعد أن يوسع نطاق الأزمة دبلوماسيًا وسياسيًا، بحيث لا تبقى المواجهة محصورة في إطار سعودي–حوثي، وإنما تتحول تدريجيًا إلى قضية تمس مصالح وأمن دول أخرى، بما يسمح للرياض ببناء مظلة أوسع من الضغوط السياسية والأمنية على الجماعة.

ورغم ما يثار بشأن احتمالات تطور هذا السيناريو إلى مشاركة إقليمية أو تدخل أمريكي بصورة أو بأخرى، فإن الانتقال إلى تدخل عسكري خارجي مباشر سيظل خيارًا مرتفع الكلفة والمخاطر، حتى من قبل أعضاء تحالف مكة الذي يشمل باكستان وتركيا إلى جانب السعودية.

فمثل هذا التطور قد يدفع طهران إلى التعامل معه باعتباره استهدافًا مباشرًا لنفوذها ولأحد أبرز حلفائها في المنطقة، بما يفتح الباب أمام اتساع رقعة الصراع في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، وفي وقت تبدو فيه معظم دول المنطقة أقل استعدادًا لتحمل كلفة جولة جديدة من المواجهات المفتوحة.

ومن ثم، قد لا يأتي الرد السعودي وفق سيناريو واحد بصورته الخالصة، وإنما في صورة استراتيجية مركبة تجمع بين المسارات الثلاثة بدرجات متفاوتة، تصعيد محسوب ضد بعض القدرات الحوثية، ودعم عسكري واستخباراتي ولوجستي أكثر كثافة للقوات اليمنية، بالتوازي مع تدويل المواجهة سياسيًا ودبلوماسيًا، وبناء دائرة أوسع من الدعم الأمني والاستخباراتي والعسكري غير المباشر.

وبهذه المقاربة تستطيع الرياض السعي إلى رفع كلفة التصعيد على الحوثيين من دون الانجرار، منذ البداية، إلى مواجهة عسكرية شاملة قد يصعب ضبط تداعياتها، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بإمكانية الانتقال إلى مستويات أعلى من الردع إذا استمرت الهجمات على العمق السعودي.

باب الدبلوماسية لم يغلق بعد

وبالتوازي مع مسارات الرد والضغط العسكري، يظل الباب الدبلوماسي مفتوحًا باعتباره أحد الخيارات القادرة على احتواء التصعيد ومنع انزلاق المواجهة إلى مستويات يصعب التحكم فيها، ويمكن أن يتحرك هذا المسار عبر الوسطاء الإقليميين، على رأسهم سلطنة عمان،  بالتزامن مع ممارسة ضغوط على طهران لاستخدام ما تمتلكه من نفوذ لدى الحوثيين للدفع نحو خفض حدة التوتر ووقف استهداف العمق السعودي.

غير أن نجاح هذا المسار لن يكون قائمًا على فرض شروط أحادية بقدر ما سيتطلب التوصل إلى صفقة أو تفاهمات سياسية وأمنية تمنح أطراف المواجهة مخرجًا من دائرة التصعيد، وهو ما يعني، عمليًا، حاجة كل من الرياض والحوثيين إلى التراجع خطوة عن سقف المواجهة الراهن، وتقديم تنازلات متبادلة تسمح بإعادة بناء قواعد للتهدئة، من دون أن يبدو أي من الطرفين وكأنه رضخ بالكامل لضغوط الآخر.

ومن ثم، قد تتحرك الرياض وفق معادلة تجمع بين الضغط والتفاوض في آن واحد؛ فترفع كلفة التصعيد عسكريًا وسياسيًا، بينما تُبقي قنوات الوساطة مفتوحة للوصول إلى تسوية تحول دون تحول المواجهة الحالية إلى حرب استنزاف مفتوحة، ستكون كلفتها أكبر على جميع الأطراف.

في المحصلة، يظل شكل الرد السعودي المحتمل وحجمه العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة من المواجهة مع الحوثيين، إذ ستقرأ الجماعة طبيعة التحرك السعودي والإقليمي وما يحمله من رسائل بدقة شديدة، وعلى أساسه ستعيد تقدير حدود التصعيد وهوامش الحركة والخطوط الحمراء التي يمكن الاقتراب منها أو تجاوزها.

وفي المقابل، تتزايد المخاوف من أن تقود ديناميكيات الرد والرد المضاد إلى انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع تتجاوز حتمًا ثنائية الصراع السعودي–الحوثي، لتستدعي بصورة مباشرة أو غير مباشرة أطرافًا إقليمية ودولية أخرى، بما ينذر بتحويل جولة التصعيد الراهنة إلى حلقة جديدة من صراع إقليمي أكثر اتساعًا وتعقيدًا وكلفة.

مواضيعأمن الخليج ، الأزمة اليمنية ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحوثيون ، الشأن السعودي

قد يعجبك ايضا

سياسة

من بن غوريون إلى المزة.. هل يمهد الاستثمار لتطبيع اقتصادي بين سوريا و”إسرائيل”؟

حسن إبراهيم١١ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

تحت ثقل الحرب.. كيف أبقى صحفيو غزة التغطية مستمرة في الميدان؟

أحمد الطناني٩ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

ثلاث سنوات من حرب غزة.. هل قدمت مصر كل ما تستطيع للفلسطينيين؟

فريق التحرير٩ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑