• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

وساطة أمريكية وبوابة إماراتية.. هل تلجأ السعودية إلى الدعم الإسرائيلي ضد الحوثيين؟

فريق التحرير١٢ أكتوبر ٢٠٢٦

وصل التصعيد بين السعودية والحوثيين خلال الأيام الماضية إلى مستويات غير مسبوقة منذ اندلاع المواجهة بين الطرفين، بعدما امتدت الهجمات الصاروخية الحوثية إلى عمق المملكة، وطالت شرايين اقتصادية حيوية، من منشآت النفط إلى المطارات، بما أثار مخاوف متزايدة من التداعيات المحتملة لهذا التصعيد على الاقتصاد السعودي ومستقبل خططه التنموية، في لحظة تبدو من بين الأكثر حساسية وحرجًا بالنسبة للمملكة منذ عقود.

وجاء استهداف مطار الملك خالد الدولي بالرياض على مدار الأيام الثلاثة الماضية، وما خلّفه من عشرات القتلى والمصابين، ليشكل تحولًا فارقًا في طبيعة المواجهة؛ إذ لم تعد التهديدات محصورة في النطاق الحدودي أو ساحات الاشتباك العسكري التقليدية، وإنما انتقلت إلى العمق السعودي، مستهدفة منشآت حيوية ومراكز اقتصادية ومدنية شديدة الحساسية، وهو تحول يضع المملكة أمام خيارات صعبة في كيفية احتواء التصعيد ومنع اتساع نطاقه، من دون الانجرار في الوقت نفسه إلى مواجهة مفتوحة يصعب تقدير مداها وتداعياتها.

وأمام هذا التطور الخطير، وتزايد الكلفة الأمنية والاقتصادية للمواجهة، تسعى الرياض إلى إعادة ترتيب أوراقها وتعزيز قدراتها على التصدي للهجمات الحوثية، بالتوازي مع البحث عن دعم إقليمي ومساندة دولية لتحركاتها، وسط نبرة سعودية تحمل قدرًا من العتاب تجاه ما تعتبره تراجعًا في مستوى الدعم الدولي المتوقع، مقارنة بحجم التهديدات التي تتعرض لها المملكة.

وفي قلب هذا المشهد المرتبك، تبرز إسرائيل باعتبارها أحد الأطراف التي قد تجد لنفسها موطئ قدم في ترتيبات المواجهة الجديدة، مستفيدة من خبراتها السابقة في التعامل مع التهديد الحوثي، وقدراتها الاستخباراتية والعسكرية والتكنولوجية، فضلًا عن امتلاكها قنوات تعاون أمنية ودفاعية مع عدد من الأطراف الإقليمية الفاعلة في الملف اليمني.. ومن هنا يبرز التساؤل الأهم: إلى أي مدى يمكن أن تنخرط إسرائيل فعليًا في المواجهة السعودية مع الحوثيين؟

مأزق السعودية.. فشل استخباراتي كبير

تكشف الجولة الأخيرة من التصعيد، سواء داخل الساحة اليمنية أو في العمق السعودي، عن قصور واضح في القدرات الاستخباراتية السعودية في مواجهة الحوثيين، وهي إشكالية برزت بصورة أكثر وضوحًا مع التطورات الميدانية الراهنة، كما أشارت وكالة «رويترز» التي استندت في تقييمها هذا على الانتكاسات التي تعرضت لها القوات اليمنية المدعومة من الرياض على الساحل الغربي، بالتوازي مع التقدم الحوثي في محيط باب المندب والجزر القريبة منه.

ولم تقتصر مظاهر القصور على تطورات الجبهة اليمنية فحسب، وإنما امتدت إلى الداخل السعودي؛ إذ فضحت الهجمات الأخيرة الثغرات الكبيرة في منظومة الدفاع والإنذار المبكر، سبقتها محدودية في القدرة الاستخباراتية على استباق التحركات الحوثية، وتقدير حجم قدراتها العسكرية، ورصد مصادر قوتها ومكامن ضعفها، الأمر الذي أسهم في مضاعفة تأثير الهجمات وإيقاع خسائر كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.

وفي ضوء هذه التطورات، باتت الرياض أمام حاجة متزايدة إلى قدرات استخباراتية أكثر تطورًا وفاعلية، تتمتع بحضور أعمق داخل المسرح اليمني، وقادرة على بناء صورة أكثر دقة لتحركات الحوثيين وبنيتهم العسكرية وشبكات القيادة والسيطرة ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهنا تبرز الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما من أبرز الأطراف التي تمتلك قدرات استخباراتية وتقنية متقدمة وخبرات متراكمة في متابعة الساحة اليمنية والتهديد الحوثي خلال السنوات الماضية، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات توسيع الاستفادة السعودية من تلك القدرات.

اتصالات سعودية إسرائيلية بوساطة أمريكية

في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، وبالتزامن مع تصاعد المواجهة السعودية مع الحوثيين،  كشفت صحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية عن محادثات سعودية–إسرائيلية جرت بوساطة من القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، بهدف بحث تقديم دعم استخباراتي للرياض يساعدها على مواجهة التهديدات الحوثية المتصاعدة في اليمن، فيما وصف دبلوماسي إقليمي تلك المباحثات بأنها كانت إيجابية.

وجاءت هذه الاتصالات في أعقاب اجتماع جمع قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، بولي العهد ورئيس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين السعوديين، بما يعكس الدور الذي تضطلع به واشنطن كحلقة وصل محتملة بين الرياض وتل أبيب في هذا الملف الحساس.

وتشير المصادر إلى أن الاحتياج السعودي انصب بصورة أساسية على الحصول على دعم استخباراتي قادر على بناء صورة أكثر شمولًا ودقة لانتشار القوات الحوثية وقدراتها العسكرية، ورصد تحركاتها ومواقع تمركزها، فضلًا عن استشراف خططها العملياتية المحتملة، بما يمنح الرياض قدرة أكبر على الإنذار المبكر والتعامل الاستباقي مع التهديدات القادمة من الساحة اليمنية.

وفي هذا السياق، سلطت الصحيفة الضوء على القدرات الاستخباراتية والعملياتية التي أظهرتها إسرائيل، خصوصًا في المجال البحري والمناطق المحيطة بمضيق هرمز، إلى جانب دورها في دعم الولايات المتحدة في بناء صورة استخباراتية أكثر تفصيلًا عن مواقع وانتشار القوات الإيرانية، وهي خبرات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للرياض في ظل الطبيعة المتشابكة للتهديد الحوثي وارتباطه الأوسع بمعادلات الأمن في البحر الأحمر والخليج وإيران.

من الاستخبارات للعمليات الخاصة.. التواجد الإسرائيلي في اليمن

يمتلك الكيان الإسرائيلي حضورًا متناميًا داخل المشهد اليمني، تعمق بصورة لافتة خلال العقد الأخير، بالتوازي مع التحولات التي شهدتها الحرب وتزايد الأهمية الاستراتيجية للمواقع والجزر اليمنية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وقد اتخذ هذا الحضور، وفق التقارير والدراسات التي تناولت الملف، مسارين رئيسيين؛ أولهما استخباراتي ولوجستي، بينما ارتبط الثاني بنشاط أمني وعملياتي أكثر مباشرة داخل الأراضي اليمنية.

الحضور الاستخباراتي والمراقبة

يتمثل المسار الأول في النشاط الاستخباراتي والمراقبة، خاصة في أرخبيل سقطرى والجزر والمواقع الاستراتيجية المتاخمة للبحر الأحمر وباب المندب، وفي هذا الإطار، تحدثت تقارير ودراسات يمنية وإقليمية عن ترتيبات إسرائيلية–إماراتية لإقامة قاعدة للمراقبة وجمع المعلومات في أرخبيل سقطرى، مستفيدة من الموقع الجيوستراتيجي للجزيرة وقدرتها على الإشراف على مساحات واسعة من خطوط الملاحة الممتدة بين المحيط الهندي وخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر.

ووفقًا لهذه التقارير، تعززت تلك التحركات في أعقاب زيارة وفد قيل إنه ضم ضباطًا من الاستخبارات الإسرائيلية والإماراتية إلى الجزيرة في أغسطس/آب 2020، بهدف تفقد عدد من المواقع المرشحة لاستضافة منشآت للمراقبة وجمع المعلومات، من بينها مواقع في منطقة مومي شرقي الجزيرة، وأخرى في المناطق الجبلية غربيها.

الشركات الأمنية والعمليات الخاصة

أما المسار الثاني، والأكثر حساسية، فيرتبط بالاستعانة بشركات أمنية وعسكرية خاصة لتنفيذ عمليات ميدانية داخل اليمن، وفي مقدمتها تجربة Spear Operations Group، التي قادها رجل الأعمال الإسرائيلي–المجري أبراهام جولان وضمت في صفوفها عسكريين أمريكيين سابقين، بينهم عناصر خدمت في وحدات القوات الخاصة.

وتعود هذه التجربة إلى عام 2015، عندما تعاقدت الإمارات مع المجموعة لتنفيذ مهام أمنية خاصة داخل اليمن، ووفق التحقيقات والروايات المنشورة حول البرنامج، استهدف التعاقد تنفيذ عمليات قتل مستهدف ضد شخصيات يمنية، وهو ما أكده جولان نفسه في تصريحات سابقة، مشيرًا إلى إدارته برنامجًا للاغتيالات في اليمن.

وبحسب المعلومات المنشورة، بلغت قيمة التعاقد نحو 1.5 مليون دولار شهريًا، إلى جانب مكافآت مرتبطة بنجاح بعض العمليات، وشملت المهام المنسوبة إلى المجموعة عمليات الاستطلاع والمراقبة وتتبع تحركات الأهداف، وتنفيذ عمليات قتل مستهدف، واستخدام الأسلحة الخفيفة والمتفجرات، والاستفادة من قوائم أهداف ومعلومات وفرها الجانب الإماراتي، فضلًا عن تدريب عناصر إماراتية على بعض تكتيكات العمليات الخاصة والكوماندوز.

وكانت إحدى أبرز العمليات المعروفة للمجموعة محاولة استهداف أنصاف علي مايو، القيادي في حزب الإصلاح بمدينة عدن، في ديسمبر/كانون الأول 2015، وهي العملية التي سلطت الضوء لاحقًا على طبيعة برنامج الاغتيالات وعلى استعانة أبوظبي بمتعاقدين أجانب لتنفيذ مهام شديدة الحساسية داخل الساحة اليمنية.

وتكتسب هذه السابقة أهميتها في ضوء التصعيد الراهن؛ فهي تكشف أن فرضية الاستعانة بخبرات أو شبكات أمنية مرتبطة بإسرائيل داخل اليمن ليست سيناريو مستحدثًا بالكامل، وإنما لها سوابق عملياتية تعود إلى السنوات الأولى للحرب، ومن ثم، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بإمكانية دخول إسرائيل بصورة مباشرة في المواجهة مع الحوثيين، وإنما أيضًا باحتمال إعادة إنتاج نموذج الشركات الأمنية والمتعاقدين العسكريين، ولكن في صورة أكثر تطورًا وأقل ظهورًا، تتناسب مع طبيعة المواجهة الحالية واحتياجاتها الاستخباراتية والتكنولوجية.

الإمارات.. بوابة الحضور الإسرائيلي في المشهد اليمني

تُعد الإمارات إحدى أبرز البوابات التي أتاحت لإسرائيل توسيع حضورها داخل المشهد اليمني، كما يمكن أن تمثل، بصورة غير مباشرة، حلقة وصل في أي ترتيبات أمنية واستخباراتية أوسع تجمع تل أبيب بالرياض، في ضوء شبكة علاقاتها الأمنية مع إسرائيل ونفوذها الممتد داخل الساحة اليمنية، مما يجعلانها طرفًا حاضرًا في خلفية المشهد يصعب تجاهله.

وقد تعزز هذا المسار بصورة واضحة منذ توقيع «اتفاقات أبراهام» عام 2020، قبل أن تمنحه الهجمات الحوثية التي تعرضت لها الإمارات في عام 2022 دفعة إضافية، فمنذ ذلك الحين، شهد التعاون الدفاعي والأمني بين أبوظبي وتل أبيب توسعًا ملحوظًا، شمل أنظمة وتقنيات إسرائيلية مرتبطة بالدفاع الجوي والإنذار المبكر والتعامل مع تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي التهديدات نفسها التي باتت تمثل أحد أبرز التحديات الأمنية لدول الخليج.

وفي المقابل، وفّر النفوذ الإماراتي الممتد في جنوب اليمن والجزر والمواقع المطلة على الممرات البحرية الاستراتيجية بيئة يمكن لإسرائيل من خلالها توظيف جانب من قدراتها التكنولوجية والاستخباراتية، خصوصًا في مجالات الاستخبارات الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، والرادارات، وأنظمة مكافحة المسيّرات، والأمن البحري، وتحليل البيانات والصور، وحماية المنشآت الحيوية، وهي قدرات تخدم بدورها المصالح الإماراتية داخل اليمن، وتدعم مساعي أبوظبي لتعزيز نفوذها الإقليمي على امتداد الممرات البحرية الممتدة من خليج عدن وباب المندب إلى البحر الأحمر.

ومن هنا تتشكل علاقة تبادلية للمصالح بين الطرفين؛ فبينما تمنح الإمارات إسرائيل قنوات وصول ونفوذ إلى جغرافيا شديدة الأهمية بالنسبة لأمن البحر الأحمر ومراقبة التحركات الإيرانية والحوثية، تحصل أبوظبي في المقابل على قدرات أمنية واستخباراتية وتكنولوجية متقدمة تساعدها على حماية مصالحها وتثبيت نفوذها في مناطق ذات أهمية استراتيجية داخل اليمن ومحيطه البحري.

وفي قلب هذه الشبكة يبرز اسم القيادي الفلسطيني محمد دحلان، المستشار المقرب من القيادة الإماراتية، باعتباره أحد الشخصيات التي ارتبط اسمها تاريخيًا بقنوات التواصل والترتيبات الأمنية بين أبوظبي وتل أبيب، وتشير تقارير وتحقيقات منشورة إلى اضطلاعه بدور في الترتيبات الإماراتية المتعلقة بالتعاقد مع شركة Spear Operations Group لتنفيذ برنامج عمليات واغتيالات مستهدفة داخل اليمن.

وعليه، فإن أهمية الدور الإماراتي في المرحلة الراهنة لا تقتصر على كونه بوابة سابقة للحضور الإسرائيلي في اليمن، وإنما تمتد إلى إمكانية تحوله إلى قناة خلفية تسمح بتمرير أشكال من التعاون الأمني والاستخباراتي الإسرائيلي إلى المعركة ضد الحوثيين، من دون الحاجة بالضرورة إلى ظهور تعاون سعودي–إسرائيلي مباشر ومعلن؛ وهو ما يمنح الرياض مساحة للحركة أمنيًا مع تقليص الكلفة السياسية التي قد تترتب على انكشاف تعاون مباشر مع تل أبيب.

تطبيع الضرورة

ربما لا تجد أمريكا وإسرائيل، ومعهما الإمارات، ظرفية أكثر ملاءمة من اللحظة الراهنة للدفع بمسار التقارب السعودي–الإسرائيلي إلى مستويات أكثر تقدمًا، فالسعودية تواجه مأزقًا استخباراتيًا وأمنيًا متصاعدًا في مواجهة الحوثيين، في الوقت الذي تمتلك فيه إسرائيل قدرات استخباراتية وتقنية وخبرة عملياتية يمكن أن تسهم في معالجة جانب من أوجه القصور التي كشفت عنها المواجهة الأخيرة، ومن هنا، قد تتحول الأزمة الراهنة إلى فرصة لتعميق التعاون الأمني بين الرياض وتل أبيب، وإدماج الطرفين بصورة أكبر داخل منظومة أمنية إقليمية تقودها الولايات المتحدة.

وفي مثل هذه الأجواء، لا تبدو واشنطن أو تل أبيب مضطرتين إلى مطالبة الرياض، في المرحلة الأولى على الأقل، بتطبيع سياسي مكتمل أو بإقامة علاقات دبلوماسية معلنة وفتح سفارة إسرائيلية في العاصمة السعودية، فقد يكون المسار الأكثر واقعية هو التحرك التدريجي والهادئ نحو ما يمكن وصفه بـ«التطبيع الأمني»، بحيث تسبق الضرورات العسكرية والاستخباراتية القرارات السياسية والدبلوماسية.

ويمكن أن تبدأ هذه العملية بتزويد السعودية بمعلومات استخباراتية إسرائيلية تتعلق بمواقع الحوثيين ومنظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات القيادة والسيطرة، بالتوازي مع اضطلاع القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» بدور الوسيط في تبادل المعلومات، بما يسمح للطرفين بالتعاون من دون الحاجة، في البداية، إلى إقامة قناة سعودية–إسرائيلية مباشرة ومعلنة.

وقد تتطور هذه الترتيبات لاحقًا نحو مستوى أكثر مؤسسية، من خلال ربط شبكات الإنذار المبكر والرادارات ومنظومات الدفاع الجوي السعودية بهيكل أمني إقليمي أوسع تشارك فيه إسرائيل، ثم فتح المجال أمام شركات دفاع وأمن واستخبارات إسرائيلية أو أمريكية مرتبطة بمنظومات إسرائيلية لتقديم خدمات تقنية واستخباراتية داخل المنظومة الأمنية السعودية.

ومع تراكم هذه المستويات من التعاون، يمكن أن تتغير تدريجيًا البيئة السياسية المحيطة بالعلاقة، فمن منظور براغماتي، قد يصبح الإعلان في مرحلة لاحقة عن وجود اتصالات عسكرية أو استخباراتية بين السعودية وإسرائيل أقل حساسية مما هو عليه حاليًا، بعدما يكون التعاون نفسه قد تحول إلى واقع وظيفي فرضته الضرورات الأمنية.

وفي هذه الحالة، قد يسبق التطبيع الوظيفي والأمني التطبيع السياسي والدبلوماسي؛ بحيث تتشكل أولًا شبكة من المصالح والاتصالات والترتيبات الدفاعية المشتركة، قبل أن يجري تحويلها لاحقًا إلى علاقة سياسية معلنة. وعندها لن يكون التطبيع الدبلوماسي بداية للعلاقة بقدر ما سيكون تتويجًا لمسار تعاون قائم بالفعل على الأرض.

ومن هنا، قد تسعى إسرائيل، مدعومة من الولايات المتحدة وربما الإمارات، إلى استثمار اللحظة الراهنة في صياغة معادلة جديدة أمام الرياض تقوم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على توسيع الدعم الإسرائيلي للسعودية في مواجهة الحوثيين مقابل تقدم تدريجي في مسار العلاقات بين البلدين،  ولا يشترط أن تأخذ هذه المقايضة صورة «الحرب مقابل التطبيع» بصورة صريحة، ولا أن تنتهي سريعًا إلى تطبيع سياسي مكتمل؛ إذ قد يكون الهدف الأقرب هو تثبيت نموذج من التطبيع الأمني غير المعلن، يصبح بمرور الوقت قاعدة يمكن البناء عليها للانتقال إلى مستويات سياسية ودبلوماسية أكثر تقدمًا.

معادلة حساسة

في المحصلة، تجد الرياض نفسها أمام واحدة من أكثر المعادلات حساسية وتعقيدًا؛ فمن جهة، تفرض المقاربة البراغماتية البحث عن أسرع السبل وأكثرها فاعلية للتخلص من «الصداع الحوثي»، واحتواء تهديد لم يعد محصورًا في الحدود الجنوبية للمملكة، وإنما تحول تدريجيًا إلى تحدٍ يمس أمنها الداخلي، واستقرارها الاقتصادي، ومستقبل مشروعات «رؤية 2030»، بل ويضع قدرة الدولة على حماية منشآتها الحيوية ومراكزها الاقتصادية أمام اختبار بالغ الصعوبة.

ومن جهة أخرى، تصطدم هذه البراغماتية بحسابات سياسية وتاريخية ووطنية أكثر تعقيدًا تتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، وبالكلفة التي قد تترتب على الانتقال من تعاون أمني واستخباراتي محدود أو غير معلن إلى مسار أوسع من التقارب، في ظل استمرار القضية الفلسطينية وما تحمله من ثقل سياسي وشعبي في المملكة والمنطقة.

وبين ضرورات الأمن وضغوط اللحظة من ناحية، وحسابات السياسة والتاريخ من ناحية أخرى، تبدو الرياض أمام معادلة شديدة الدقة: فكيف تستفيد من القدرات والتحالفات المتاحة لاحتواء الخطر الحوثي، من دون أن تتحول حاجتها الأمنية الآنية إلى مدخل لإعادة صياغة خياراتها الاستراتيجية على المدى البعيد، أو إلى ورقة ضغط تدفعها نحو مسارات لم تكن مستعدة للذهاب إليها بالشروط والتوقيت نفسيهما؟

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للسياسة السعودية في المرحلة المقبلة؛ ليس فقط في قدرتها على احتواء التهديد الحوثي، وإنما في إدارة اللحظة الحرجة من دون الوقوع في فخ المقايضة بين الأمن والسياسة، أو السماح بأن تتحول الحاجة إلى الحماية من تهديد قائم إلى بوابة لالتزامات استراتيجية يصعب التراجع عنها لاحقًا،  فهل تنجح المملكة في إدارة هذه المعادلة الدقيقة، أم تدفعها ضغوط المواجهة إلى الانجراف نحو ترتيبات تتجاوز في أبعادها وحدودها مجرد الحرب مع الحوثيين؟

مواضيعأمن الخليج ، اتفاقية العار ، الأزمة اليمنية ، التطبيع ، الحوثيون

قد يعجبك ايضا

سياسة

من بن غوريون إلى المزة.. هل يمهد الاستثمار لتطبيع اقتصادي بين سوريا و”إسرائيل”؟

حسن إبراهيم١١ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

بعد استهداف مطار الرياض.. أين تنتهي حدود المواجهة مع الحوثيين؟

فريق التحرير١١ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

تحت ثقل الحرب.. كيف أبقى صحفيو غزة التغطية مستمرة في الميدان؟

أحمد الطناني٩ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑