• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

من مقاعد الدراسة إلى اقتحام الأقصى.. كيف تصنع “اليشيفا” أجيالًا من المستوطنين؟

سجود عوايص١٢ أكتوبر ٢٠٢٦

درس ديني داخل إحدى يشيفوت كريات أربع في الخليل، في 29 مايو/أيار 1985.

منذ نشأتها في التاريخ اليهودي، حضرت “اليشيفا” مؤسسةً لدراسة الشريعة اليهودية عبر مصادرها الأساسية، ورغم طابعها الأرثوذكسي الصارم، اتسمت بقدر أكبر من الانفتاح والتجديد مقارنة بمدارس المدراش، إذ فتحت الباب أمام تعليم النساء ونوّعت أساليب التدريس. وتنامت أهميتها حتى غدت الدراسة فيها بديلًا رمزيًا، في العقيدة اليهودية، من التدارس في “الهيكل”.

استمر ذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر، حين ظهر تيار من التعليم الديني الصهيوني ربط اليشيفا بفكرة الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها، فشكّل المنعطف الأول في أيديولوجيتها، ثم جاء احتلال الضفة الغربية عام 1967 ليهيّئ تقاطعًا بين الجغرافيا والتاريخ اليهودي، وفق تصور هذه المدارس، فاندفع عدد من طلابها إلى إنشاء مستوطنات في مواقع عُدّت “إعادة استدعاء للتاريخ اليهودي”.

واليوم، تلتقي مدارس دينية صهيونية في حومش والخليل ويتسهار حول هدف مشترك، يتمثل في توسيع الاستيطان وترسيخ الحضور اليهودي الدائم في الضفة، رغم اختلاف مساراتها التعليمية والشرعية، ومواقفها من الحكومة وبعض القضايا. وإلى جانبها، تعمل مؤسسات مثل “يشيفا جبل الهيكل” في القدس على تنظيم حضور طلابها في ساحات المسجد الأقصى.

من هنا، يتتبع هذا التقرير كيفية تحوّل الدراسة الدينية في اليشيفا الصهيونية إلى حضور بشري وتنظيمي على الأرض، وإسهام حاخاماتها وخريجيها في صياغة الاستيطان السياسي وفرض وقائع ميدانية جديدة، وصولًا إلى دورها في اقتحامات المسجد الأقصى والسعي إلى تهويده.

الجذور الأولى لليشيفوت

بدأ الطور الأول من اليشيفوت الصهيونية -جمع يشيفا- على يد الحاخام أبراهام إسحاق كوك، الذي أسس “مركز هراف”، الموصوف بأنه أم اليشيفوت الصهيونية، في القدس عام 1923، وأضفى كوك على المشروع الصهيوني معنى دينيًا، حوّله ابنه تسفي يهودا كوك إلى ممارسة عملية عبر طلابه الذين شاركوا في إقامة المستوطنات، انطلاقًا من رؤيته للخليل ونابلس وأريحا باعتبارها جزءًا من “الدولة اليهودية وتاريخها”.

وبعد احتلال الضفة عام 1967، استطاع حنان بورات، أحد خريجي مركز هراف، إعادة تأسيس “مستوطنة كفار عتصيون” خلال ثلاثة أشهر فقط، في موقع الكيبوتز الذي أُنشئ عام 1943. وفي أبريل/نيسان 1968، قاد الحاخام موشيه ليفينغر مجموعة دخلت الخليل وأصرت على البقاء فيها، ثم أسس لاحقًا مستوطنة كريات أربع.

شكّل تأسيس كريات أربع منعطفًا في دور مركز هراف، إذ اتسع الانخراط في الاستيطان من الطلاب إلى العائلات، وامتد إلى التمويل والعمل السياسي، بالتوازي مع تدخل الجيش والحكومة لصالح إنشاء المستوطنة ودعمها بشريًا وفكريًا وماليًا.

الحاخام أبراهام إسحاق كوك

مع مطلع السبعينيات، توسّع دور المدارس الدينية عبر حركة غوش إيمونيم، إذ انتقلت الدروس والمواعظ حول الأمن والأرض إلى ممارسة تقوم على البقاء والضغط، وصولًا إلى تسوية حكومية تنتهي بالاستيطان، وهذا ما جرى في ديسمبر/كانون الأول 1975، حين أفضى تمركز مجموعة استيطانية على أطراف سبسطية إلى اتفاق أتاح لعدد من أفرادها البقاء في موقع عسكري مجاور، قبل أن يتوسعوا في المناطق المحيطة.

أسهم هذا التوسع، إلى جانب تزايد أعداد المنتسبين إلى المعاهد الدينية ذات الفكر الاستيطاني، في نشأة “اتحاد يشيفوت هسدير”، وهو إطار تنسيقي يجمع بين التربية الدينية والخدمة العسكرية، بالتوازي مع المدارس التحضيرية للخدمة العسكرية (المخينوت).

ويُعد الاتحاد اليوم المظلة الأكبر الممثلة للمدارس الدينية الصهيونية أمام الجيش ووزارة الأمن، إذ يضم 64 يشيفا وأكثر من 10 آلاف طالب، ويتولى الجمع بين الدراسة الدينية والخدمة العسكرية، وتنشئة طلاب يجمعون بين الالتزام الديني والانتماء القومي، ودعم منظومة التعليم الديني الصهيوني، وتوسيع نطاق دراسة النصوص الدينية بين الجمهور.

واليوم، يضطلع الاتحاد بدور رئيسي في توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، عبر مناهجه والفعل السياسي والميداني لطلابه وحاخاماته، ويبلغ هذا الدور ذروته في مسار “عكس خطة الانفصال”، من خلال إعادة شرعنة المستوطنات المخلاة وإدراجها ضمن التخطيط الحكومي، بالتوازي مع عشرات المستوطنات الأخرى التي أُقرت نتيجة الحضور المنتظم للطلاب والحاخامات على أراضيها.

العودة إلى الشمال

في سبتمبر/أيلول 2025، افتُتحت روضة أطفال في حومش شمال الضفة الغربية، بعد عشرين عامًا من إخلاء المستوطنة ضمن خطة فك الارتباط لعام 2005، ووصف وزير التعليم الإسرائيلي يوآف كيش الافتتاح بأنه ثمرة “عمل صهيوني استيطاني”، علمًا أن عدد أطفال الروضة لم يتجاوز عشرين طفلًا.

مثّلت الروضة حلقة في مسار طويل، وفق رئيس مجلس السامرة يوسي داغان، الذي قال إن وراءها تاريخًا قاده طلاب المدارس الدينية وحاخاماتها، سعوا خلاله إلى إبقاء المستوطنة المخلاة مأهولة بصورة متقطعة، حتى تراجعت الحكومة عن قرار فك الارتباط وفتحت المجال أمام عودة العائلات.

وتكشف السيرة التاريخية لليشيفا المرتبطة بحومش عن مدرستين؛ نشأت الأولى عام 2002 فرعًا ليشيفا “بركات يوسف” في ألون موريه، وحملت عام 2003 اسم “هار شالوم”، وكان هدفها تعزيز الوجود الديني اليهودي في المستوطنة، ثم أصبحت لاحقًا إحدى يشيفوت اتحاد هسدير، وانتقلت بعد إخلاء حومش إلى منطقة إشتيموع جنوب الخليل.

أما الثانية، فهي “يشيفا حومش المتجددة” (Homesh HaMehudeshet Yeshiva)، التي تأسست عام 2006 بقيادة الحاخام إليشاما كوهين، وبمشاركة طلاب وناشطين قرروا إعادة إحياء المستوطنة عبر مواصلة العودة إليها، والاستماع إلى المواعظ والدروس الدينية على أرضها، رغم إخلائهم المتكرر.

مبنى “يشيفا شافي حبرون” في “بيت رومانو” داخل البلدة القديمة بالخليل، في نوفمبر/تشرين الثاني 2005. تأسست اليشيفا في الموقع عام 1982، داخل مبنى مدرسة أسامة بن منقذ الفلسطينية. الصورة: مايكل جاكوبسون.

واصل كوهين تقديم دروسه الدينية منذ سبتمبر/أيلول 2006، وتكثفت أنشطة اليشيفا في نهاية عام 2007، إذ طوّرت قدرتها على التعبئة السياسية والاجتماعية وتنظيم الفعاليات العامة، وقدّمت نفسها جزءًا من النضال لإعادة الاستيطان إلى شمال الضفة، وفي عام 2021، قُتل أحد طلاب المدرسة في كمين أعدّه فلسطينيون للمستوطنين الذين واصلوا جولاتهم وزياراتهم إلى المنطقة، وما رافقها من تخريب لممتلكات سكانها.

إثر ذلك، نظمت الحركات الاستيطانية، بدعم من أحزاب اليمين، مسيرات حاشدة شارك فيها أكثر من 15 ألف مستوطن باتجاه حومش، واندلعت مواجهات عنيفة مع أهالي بلدة برقة، التي تقع حومش على جزء من أراضيها، بعدما خرجوا للاحتجاج. ثم رفع الأهالي شكواهم إلى المحاكم “الإسرائيلية”، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وُجهت لائحة اتهام إلى كوهين وعدد من تلامذته، لمخالفتهم القانون الذي كان يحظر على “الإسرائيليين” دخول المنطقة والإقامة فيها.

ومع استمرار المسيرات وضغوط وزراء اليمين المتطرف، ومنهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، تغيّر مسار القضية، فقد أقر الكنيست، بأغلبية 31 صوتًا مقابل 18، إلغاء بنود الحظر المتعلقة بمستوطنات شمال الضفة المخلاة، فتحوّل مطلب اليشيفا بإعادة حومش من تحرك يقوده الطلاب والمجالس الاستيطانية إلى مسار تشريعي يتيح العودة.

جنود إسرائيليون يؤمّنون موقع إنشاء مبنى اليشيفا في بؤرة حومش شمالي الضفة الغربية، في 29 مايو/أيار 2023، فيما يعمل مستوطنون على إقامة المنشأة الجديدة. الصورة: أوهاد زويغنبرغ/أسوشيتد برس.

وفي 29 مايو/أيار 2023، وُضع مبنى جديد لليشيفا ومساكن متنقلة للجنود المكلفين بحراسة الموقع. ومنذ ذلك الحين، تطورت المستوطنة بسرعة، فأُقيمت عشرات المباني الجديدة وتوسعت اليشيفا. ويعيش فيها اليوم نحو 20 عائلة، ويدرس فيها قرابة 50 طالبًا، فيما تضم الروضة الجديدة نحو 20 طفلًا.

وفي ظل حرب الانتقام على قطاع غزة، وقّع مسؤول في الإدارة المدنية تفويضًا للتخطيط في حومش، في 21 ديسمبر/كانون الأول 2023، ثم أقر المجلس الوزاري، في مايو/أيار 2025، إعادة إدراجها ضمن المخططات الحكومية مع 19 مستوطنة أخرى، وأُعلن القرار رسميًا في مارس/آذار 2026، بحضور مسؤولين حكوميين، خلال احتفال بإسكان عائلات في الموقع وافتتاح الروضة.

ويصف الإعلام الإسرائيلي حومش بأنها رأس الحربة، والنموذج الذي اعتمده قادة الاستيطان، عبر المدارس الدينية، للضغط سياسيًا وتشريعيًا من أجل إلغاء خطة فك الارتباط لعام 2005، وإحياء المستوطنات الأربع المخلاة في شمال الضفة: حومش وصانور وغانيم وكاديم، ورفع الحظر الجنائي عن دخولها.

وامتد نجاح اليشيفا إلى استراتيجية الحكومة الأوسع لتوسيع الاستيطان، إذ دُمجت “شرعنة” حومش ومستوطنات فك الارتباط في قرار حكومي أشمل، ضم مستوطنات وبؤرًا أخرى في أنحاء الضفة، مثل “هار عيبال” في نابلس، و”يوناداف” في الخليل، و”كيدم عربة” قرب البحر الميت، بهدف تثبيت واقع استيطاني جديد.

على أن المسار الذي بدأ في مركز هراف، وتوسع عبر غوش إيمونيم ثم هسدير، لم ينتج علاقة منسجمة دائمًا بين المدارس الدينية وأجهزة الدولة، وبلغ الخلاف مع الأجهزة الأمنية ذروته عام 2014، عقب اعتداء مستوطنين من يتسهار على موقع للجيش، فردّ الجيش بنشر سرية من حرس الحدود داخل مبنى يشيفا “عود يوسف حي”، حيث بقيت فترة طويلة.

مركز هراف في القدس

يشير ذلك إلى أن وصف “المدرسة الاستيطانية” لا يفترض انسجامًا ثابتًا مع جميع مؤسسات الدولة؛ فقد موّلت وزارة التعليم برامج هذه المدرسة في مرحلة، ثم قطعت عنها الدعم، فيما تمركزت قوات الأمن داخل مبناها في مرحلة أخرى.

ويمتد أثر التعليم إلى ما وراء علاقة مبنى المدرسة بالحكومة، فبحسب سيرته البرلمانية، درس عضو الكنيست تسفي سوكوت في “عود يوسف حي”، ثم درّس فيها لاحقًا، قبل أن يشارك في إقامة بؤرة “إفيتار” قرب بلدتي بيتا ويتما، وتقول منظمة “السلام الآن” إن حركة “نحالا”، بقيادة دانييلا فايس، وقفت وراء إقامة البؤرة عام 2021، بمساندة مجلس السامرة الاستيطاني.

وواظب طلاب “عود يوسف حي” على العودة إلى موقع البؤرة منذ يونيو/حزيران 2023، وصولًا إلى العام التالي، حين شمل قرار حكومي “إفيتار” ضمن خمس بؤر تقررت تسويتها. وأعقب ذلك إعلان 66 دونمًا من الأراضي الفلسطينية المحيطة بها “أراضي دولة”.

وهكذا، يجتمع خريج المدرسة وحركة تأسيس البؤر والطلاب والعائلات والقرار الحكومي في قصة واحدة، من دون أن يثبت ذلك أن اليشيفا أصدرت أمرًا بإقامة البؤرة، أو وجود صلة أكاديمية بين فايس واليشيفا.

الخليل: توسعة داخل مدينة مأهولة

أما في الخليل، فتتخذ المدرسة مسارًا مختلفًا عن حومش، إذ تتوسع داخل مدينة فلسطينية مأهولة، بدل الحضور بطلابها إلى تل مخلى، فقد تأسست “يشيفا شافي حبرون” عام 1982 داخل مبنى مدرسة أسامة بن منقذ الفلسطينية.

ورغم أن المبنى يعود إلى الحقبة العثمانية، أطلقت عليه اليشيفا الاسم التاريخي “بيت رومانو”، وأدرجت مصادرة المبنى ضمن روايتها عن تاريخ الوجود اليهودي في المدينة.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، دخل طلاب اليشيفا منزل عائلة “ناصر الدين” في شارع الشلالة، ورفعوا فوقه الأعلام الإسرائيلية، وأطلقوا عليه اسم “بيت فاليرو”، نسبة إلى مصرفي يهودي يدّعون أنه كان يملك الأرض قبل النكبة، رغم أن وثائق الانتداب البريطاني تنفي ذلك.

وفي 10 يونيو/حزيران 2026، انتزع مجلس التخطيط التابع للإدارة المدنية من البلدية الفلسطينية صلاحيات التخطيط المتعلقة بالمستوطنات وبعض المواقع الدينية داخل الخليل. وبعد أسبوع، أصدر ترخيصًا لإقامة طابقين، بمساحة إجمالية تبلغ 1027 مترًا مربعًا، لاستخدامهما سكنًا لطلاب اليشيفا فوق منزل عائلة ناصر الدين، الذي أصبح يُعرف باسم “بيت فاليرو“.

صورة لـ”بيت فاليرو” الذي استولى عليه مستوطنون بالخليل -منصات التواصل

وبحسب المنظمة التي تابعت ملف الترخيص، تولت البلدية الفلسطينية صلاحيات التخطيط في المدينة بموجب بروتوكول الخليل، الموقّع عام 1997، ثم انتقلت صلاحية التخطيط للعقارات التي يستخدمها المستوطنون إلى الإدارة المدنية “الإسرائيلية”، فيما بقي تخطيط الأبنية الفلسطينية من اختصاص البلدية حتى اليوم.

واقتصرت هذه الخطوة على نقل صلاحية بعينها، خلافًا لبعض التصريحات السياسية التي أوحت بإلغاء بنود البروتوكول جميعها؛ لكنها غيّرت الجهة المخوّلة بإجازة مشروع سكني استيطاني في الشارع نفسه. وأتاح هذا النقل للمجلس إصدار رخصة “بيت فاليرو” بعد أسبوع واحد فقط، في وقت لا يحصل فيه الفلسطينيون منذ سنوات حتى على تراخيص لفتح نوافذ منازلهم.

وإذا كانت حومش تمثل “عودة الاستيطان إلى الشمال”، فإن يشيفا الخليل تكشف كيف تغدو الحاجات الاستيطانية مدخلًا للاستيلاء. فحاجة المدرسة إلى غرف إضافية تستوعب مزيدًا من طلابها قادت إلى تخصيص عقار لمؤسسة تعليمية استيطانية، ثم نقل سلطة التخطيط، ومنح ترخيص لتوسيع سكن الطلاب. وهكذا تحولت حاجة المدرسة إلى مدخل لقرار استيطاني عمراني يمس قلب المدينة.

وتزامنت هذه القرارات مع اتساع نفوذ اليمين الاستيطاني داخل الحكومة منذ ديسمبر/كانون الأول 2022. فبتسلئيل سموتريتش، وفق سيرته، درس في مركز هراف و”يشيفا عليا” في مستوطنة كدوميم، وهو صاحب “خطة الحسم” الرافضة لقيام دولة فلسطينية والداعية إلى توسيع الاستيطان.

طلاب “يشيفات حومش” في قاعة الدراسة الواقعة على قمة التلة التي كانت موقع لمستوطنة حوش التي تم إخلاؤها.

ومع توليه حقيبة المالية ومهام مدنية في وزارة الدفاع، انتقل سموتريتش من دور الناشط وخريج اليشيفا إلى امتلاك سلطة تنفيذية، شملت صلاحيات مؤثرة في إجراءات التخطيط الاستيطاني وتقليص مراحل الحصول على موافقة وزير الدفاع. وبذلك، صار الطريق بين مطلب المستوطنين وقرار البناء أقصر إداريًا، فيما واصلت المدارس والحركات توفير الطلاب والعائلات وممارسة الضغط الميداني.

وتتباين قنوات تدخل الدولة من حالة إلى أخرى؛ ففي حومش، أُلغي حظر الدخول، وأُقيم مبنى لليشيفا تحت الحراسة، ثم صدر تفويض بالتخطيط. وفي الخليل، خُصص عقار، ونُقلت صلاحية التخطيط، وأُجيز السكن. أما في يتسهار، فتوقف تمويل المدرسة، قبل أن يعود النشاط الاستيطاني فيها إلى أوجه في مرحلة لاحقة.

وفي المواقع الثلاث، شكّلت “اليشيفا” حجر الزاوية في توسيع الاستيطان؛ فهي تحافظ على حضور طلابي، وتمد الموقع بأشخاص يحتاجون إلى مبانٍ وسكن وخدمات، وتوفر، في بعض الحالات، خريجين ينتقلون إلى تنظيم البؤر أو العمل السياسي، ثم تتدخل الدولة، بحسب كل حالة، فتمنع أو تحمي، أو تخصص الأرض والمبنى، أو تمنح الاعتراف.

من قاعات الدرس إلى ساحات الأقصى

إذا كان هذا الدور قد ظهر في الضفة عبر السكن والتخطيط، فإنه يظهر في القدس عبر الصلاة والحضور داخل الحرم، ففي صباح 21 يناير/كانون الثاني 2026، وقف طلاب “يشيفا جبل الهيكل” قرب مدخل المسجد الأقصى يوزعون على زائرين يهود أوراقًا مطبوعة، تضمنت إرشادات للدخول ونصوصًا للصلاة، بينها “صلاة العميدة”. وسمحت شرطة الاحتلال للمقتحمين بإدخال مستلزماتهم الدينية، استجابة لطلب من إدارة اليشيفا.

واقتصر قرار إدخال الكتب والمواد الدينية على مناطق محددة سمحت الشرطة باستخدامها فيها، ومع نشاط المدرسة الدينية، أخذ الواقع يتغير تدريجيًا، إذ ينصب عملها حاليًا على الصعود إلى الموقع الذي تسميه الجماعات الدينية اليهودية “جبل الهيكل”، عبر تحويل الدرس إلى حضور بشري منتظم في مكان متنازع عليه، ثم المطالبة بتعديل القيود المفروضة على هذا الحضور.

ويبقى الخلاف الديني والفقهي القديم حول دخول الأقصى قائمًا، فبعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، أكدت الحاخامية الكبرى منع اليهود من دخول ساحات الأقصى، لأسباب تتصل بالطهارة الدينية والخلاف حول تحديد موضع “قدس الأقداس”.

ويذكر الباحث إسحاق هرشكويتز، في دراسة نُشرت عام 2026، أن وثائق غوش إيمونيم الأولى أبقت الصعود إلى الموقع خارج أولوياتها، رغم انشغال الحركة بالاستيطان في الخليل ونابلس، ويضيف أن العلاقة التي تشكلت بعد عام 1967 بين التعليم الديني واستيطان الضفة سبقت اتساع التأييد لزيارة الأقصى في تلك الأوساط.

اقتحام مجموعة من المستوطنين للمسجد الأقصى

ويستمر الخلاف الفقهي حتى اليوم، ففي مايو/أيار 2026، جدّد الحاخام الأكبر للأشكناز دعوته إلى الامتناع عن دخول الموقع، فيما تبنى حاخامات آخرون تفسيرات تجيز دخول أجزاء معينة منه، بعد استعدادات دينية محددة. ثم ظهرت مؤسسات جعلت الزيارة نشاطًا منظمًا لطلابها.

ويرصد هرشكويتز انتقال هذا الموقف من هامش الصهيونية الدينية إلى أوساط أوسع فيها، ويقدّر أن نحو نصف يشيفوت هسدير، وبعض المدارس الدينية الثانوية البارزة، تنظم صعود طلابها إلى الأقصى، وارتفع عدد المقتحمين اليهود من 5,658 عام 2009 إلى 30,219 عام 2017، ثم إلى 58,149 عام 2024.

لكن اقتحام الأقصى لم ينتقل من الفتاوى إلى الساحات تلقائيًا؛ فالصعود، وفق ما تنشره “يشيفا جبل الهيكل” في برنامجها، يحتاج إلى معرفة بالمناطق التي يعدّها حاخاماتها مباحة، وإلى مجموعة تلتقي في وقت تسمح فيه الشرطة بالدخول، وإلى من يقود دروسها وصلاتها.

وتوفر المدرسة هذه العناصر مجتمعة، فتختلف بذلك عن يشيفوت تكتفي بتدريس نصوص عن القدس بعيدًا عن الموقع، مثلما تختلف زيارات مجموعاتها المنتظمة عن الزيارة الفردية العابرة. ولهذا، اكتسبت قرارات صغيرة، مثل تغيير مسار مجموعة أو السماح بإدخال ورقة صلاة، أهمية كبيرة في عملها اليومي.

ومن الجماعات الفاعلة في هذا المجال، بالتعاون مع “يشيفا جبل الهيكل”، مؤسسة “بيدينو”. وتقول في تعريفها إن بدايتها تعود إلى مؤسسة أسسها يهودا غليك وشركاء له عام 2013، تُعنى بتراث “جبل الهيكل”، قبل أن تندمج عام 2021 مع حركة طلابية أخرى وتصبح “بيدينو”.

وتعرض المؤسسة عملًا يتجاوز الدعوة العامة إلى الاقتحام، ويشمل محاضرات وجولات برفقة أدلاء، وتعاونًا مع المدارس واليشيفوت والمدارس التحضيرية للخدمة العسكرية. ووفق الأرقام المنشورة في صفحتها عن أنشطة اقتحام المسجد الأقصى، شارك في هذه الأنشطة نحو 500 طالب من اليشيفوت والمدارس الدينية للفتيات، و300 تلميذ من المدارس، و500 طالب من المدارس التحضيرية.

منظر جوي للحرم القدسي الشريف، تتوسطه قبة الصخرة، في البلدة القديمة بالقدس، في مارس/آذار 2013. الصورة: أندرو شيفا.

وينسجم ذلك مع المسار التعليمي لغليك، الذي درس في عدد من اليشيفوت، من بينها “هار عتصيون” و”عتنيئيل”، ثم خدم ضمن مسار هسدير، قبل أن يصبح عضوًا في الكنيست عن حزب الليكود عام 2016. واتخذت حملته، إلى جانب الدعوة إلى اقتحام الأقصى، مسارًا تعليميًا وسياسيًا طالب بإدخال موضوع “جبل الهيكل” في المناهج المدرسية.

وهو ما تبنته لجنة التعليم في الكنيست، حين طالبت في ديسمبر/كانون الأول 2024 بجعل دراسة “جبل الهيكل” إلزامية، وفتح المجال أمام تنظيم زيارات مدرسية إليه، بعد تقديم طلب والتنسيق مع الحكومة والشرطة.

وخلال العامين الأخيرين، أصبحت “يشيفا جبل الهيكل” تنشر على موقعها الإلكتروني برنامجًا أسبوعيًا للدراسة والاقتحامات، بإشراف الحاخام إلياهو فيبر، قائد اليشيفا، والحاخام إليشع وولفسون، رئيس إطار “دريشات تسيون” المرتبط بها. وتقول المؤسسة إن الطلاب يدرسون في ساحات الأقصى خلال أوقات الدخول، ويؤدون الصلاة جماعة.

وتصف اليشيفا حملة تمويل أنشطة اقتحاماتها اليومية بأنها وسيلة لتوسيع حضور الصلاة اليهودية العلنية. وبذلك، تصبح ساحات المسجد الأقصى مكانًا للدرس وميدانًا لتطبيقه، فيما يسهم جدول المدرسة وأدلتها ونصوصها الدينية في إبقاء الاقتحام نشاطًا متكررًا.

نموذج من البطاقات الإرشادية التي تقدم داخل المسجد الأقصى

ومن هنا، شكّل قرار السماح بإدخال أوراق الصلاة في يناير/كانون الثاني 2026 صلة بين نشاط المدرسة وإجراء رسمي اتخذته الشرطة، فقد نقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن الشرطة أنها استجابت لطلب اليشيفا بالسماح بإدخال أوراق “إرشادية” واستخدامها في مناطق محددة داخل الحرم، فيما اعتبرت منظمة “بيدينو” أن الخطوة منحت اعترافًا رسميًا بممارسة جرت سابقًا على الأرض رغم حظرها.

في الخلفية السياسية لعمليات الاقتحام، يقف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي ارتبط في شبابه بـ”يشيفا الفكرة اليهودية”، التي أسسها مئير كهانا في القدس. وفي أبريل/نيسان 2026، اقتحم بن غفير الحرم القدسي برفقة وولفسون، بعدما كان قد صرّح عام 2024 بنيته تحويل المسجد إلى كنيس.

وخلال الزيارة، تحدث عن توسيع الصلاة اليهودية والحاجة إلى وجود حاخام دائم، بما يجعل الدراسة والاقتحام -أو الزيارة، وفق وصفه- والصلاة أنشطة منتظمة.

في المحصلة، تتعدد أدوار اليشيفا، وتمتد إلى السياسة والاستيطان وتهويد الأرض الفلسطينية والمسجد الأقصى، فحين تغلق القاعة بابها على الدرس الأخير، ينتهي الدرس ويبدأ التطبيق، مع خروج طلابها وحاخاماتها إلى التلال والأزقة وساحات الأقصى، حاملين معهم الرواية والخريطة، والمبنى الذي سيُقام، والاسم الذي سيحمله.

وهكذا، يتحول الكتاب إلى خطوة، والخطوة إلى حضور، والحضور إلى واقع تدعمه القرارات والتراخيص وحماية الشرطة وتصريحات الساسة. وبين موقع وآخر، تتكرر الحكاية نفسها، مقعد دراسي أولًا، ثم ما يشبه الحدود لاحقًا، وبين القاعة والأرض، يتمدد حضور على الأرض ويغيب آخر، في انتظار لحظة مواجهة أو خاتمة اندثار.

علاماتاسرائيل دولة الاحتلال ، الاستيطان الإسرائيلي ، الحرب على الضفة الغربية
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان ، الضفة الغربية

قد يعجبك ايضا

سياسة

مناجم تحت النار.. من يسيطر على ثروات المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا؟

فريق التحرير١٢ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

وساطة أمريكية وبوابة إماراتية.. هل تلجأ السعودية إلى الدعم الإسرائيلي ضد الحوثيين؟

فريق التحرير١٢ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

من بن غوريون إلى المزة.. هل يمهد الاستثمار لتطبيع اقتصادي بين سوريا و”إسرائيل”؟

حسن إبراهيم١١ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑