تحوّل المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا إلى ساحة للتنافس على الذهب وطرق الإمداد العسكري خلال الحرب السودانية، بعدما منحت السيطرة على مواقعه الصحراوية عند جبل العوينات، مليشيات الدعم السريع منفذًا استراتيجيًا نحو جنوب شرق ليبيا، حيث تنتشر شبكات تجارة وتهريب ترتبط بتشكيلات مسلحة موالية للقائد العسكري الليبي الانقلابي خليفة حفتر، وتتصل بأسواق إقليمية ودولية لتصريف الذهب.
واكتسبت المنطقة أهمية عسكرية واقتصادية متزايدة منذ يونيو/حزيران 2025، عندما انسحب الجيش السوداني من مواقعه فيها وسيطرت عليها مليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وسط اتهامات سودانية لقوات حفتر بالمشاركة في الهجوم، عززتها لاحقًا نتائج تحقيق أممي وثّق دور تشكيلات ليبية في تسهيل وصول المقاتلين والوقود والمعدات العسكرية.
وأدى انتقال السيطرة إلى تعطيل المناجم ونزوح آلاف العاملين، قبل استئناف استخراج الذهب تحت إشراف الدعم السريع وفق ترتيبات لتقاسم عائداته مع المعدّنين والتجار.
وفي موازاة ذلك، كشفت تحقيقات دولية وشهادات ميدانية عن شبكات لنقل الذهب السوداني عبر ليبيا ومصر باتجاه أسواق دبي وإسطنبول، فيما عززت القاهرة وجودها العسكري قرب الحدود السودانية، وحافظت على علاقاتها الوثيقة بحفتر ودعمها للجيش السوداني.
وزادت غارات 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، التي استهدفت منقبي الذهب في جبل العقيدات على الحدود السودانية المصرية وأوقعت عدة قتلى، من حدة التوتر المرتبط بالثروات الحدودية، وسط اتهامات للطيران المصري بتنفيذها.
وتضع هذه التطورات مناجم المثلث وطرق الوصول إليها في قلب شبكة مصالح تتداخل فيها القوى العسكرية والتجار والوسطاء، وتثير أسئلة بشأن الجهات التي تتحكم بإنتاج الذهب وعائداته، وطبيعة الدور المصري والليبي في إعادة تشكيل موازين النفوذ بالمنطقة.
مناجم المثلث الحدودي.. أين يوجد الذهب ومن يسيطر عليه؟
يقع المثلث عند جبل العوينات في الصحراء الكبرى، حيث تلتقي الحدود السودانية المصرية الليبية، ويمتد نشاطه الاقتصادي إلى مناطق صحراوية أوسع تضم مواقع تعدين وأسواقًا تقليدية.
بدأ التنقيب عن الذهب في المنطقة نحو عام 2012، بحسب دراسة أعدها أحمد سليمان، الباحث في الشؤون الأفريقية، وسليمان بلدو، مؤسس مرصد السودان للشفافية والسياسات، ونشرها معهد تشاتام هاوس البريطاني. وشكّل سوق المثلث مركزًا لتجميع الذهب وتبادل البضائع، وارتبط بشبكة إمداد مع سوق الخنّاق في الولاية الشمالية السودانية.
وفي تحقيق نشرته منصة أتر السودانية في 9 يوليو/تموز 2026، أوضح التاجر عبد الجبار حسن العبيد أن الشاحنات كانت تنقل المياه والمواد الغذائية ومستلزمات التعدين إلى المنطقة، ثم تعود ببضائع قادمة من ليبيا وأحجار الذهب لمعالجتها في طواحين الخنّاق، ضمن نشاط تجاري وفر مصادر رزق لسائقي الشاحنات والحمّالين وأصحاب المطاعم ومحال التموين والصاغة.
وأدى انتقال السيطرة العسكرية على المثلث إلى اضطراب الإنتاج والتجارة، إذ أفاد المعدّن محمد عثمان في شهادة نشرها موقع “دارفور 24″، المتخصص في تغطية إقليم دارفور، يوم 21 أغسطس/آب 2025، بأن مليشيا الدعم السريع طلبت من العاملين مواصلة التنقيب بعد دخولها المنطقة، قبل أن تبدأ موجة نزوح نتيجة أعمال النهب التي اتهم عناصر منها بتنفيذها.
استمر الإنتاج نحو 33 يومًا، ثم توقف إثر ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مصادر المياه في جبل كسو وسوق كتمت، واتهم عثمان الجيش السوداني بتنفيذها، مشيرًا إلى مقتل ثمانية معدّنين وإصابة آخرين في إحدى الضربات.
وتفاقمت أوضاع المعدّنين خلال الأشهر التالية، ففي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نقل “دارفور 24” عن ثلاثة عمّال وصلوا إلى وادي حلفا أن مليشيا الدعم السريع طردت العاملين من المناجم خلال أكتوبر/تشرين الأول واستولت على مواقع التعدين.
وروى المعدّن محمد عيسى شرف الدين أن قوة مسلحة طوقت مواقع العمل وأمهلت الموجودين أسبوعًا للمغادرة عبر الحدود المصرية، فيما تحدث آخرون عن نزوح مجموعات كبيرة بعد استهداف بئر “أم الخير”، أحد مصادر المياه الرئيسية للمناجم، والواقعة على مسافة 70 كيلومترًا من السوق.
لكن النشاط التعديني عاد تدريجيًا في أبريل/نيسان 2026، بعدما سمحت مليشيا الدعم السريع للتجار والمستثمرين باستئناف العمل.
وفي تحقيق نشره “دارفور 24″، كشف المعدّن وليد أبكر عن تشغيل المناجم وفق اتفاقات لتقاسم حصص الإنتاج بين المستثمرين والعاملين، مع إعادة تشغيل طواحين الحجر واستخدام الزئبق لاستخلاص الذهب.
وأوضح المعدّن إسحق إبراهيم أن شركة مرتبطة بالدعم السريع بدأت شراء “الكارتة”، وهي مخلفات الأحجار بعد استخراج الذهب منها، لإعادة معالجتها مقابل حصة من المعدن المستخلص، بينما تحدث تاجر محلي عن تفاهمات مع القوات المسيطرة لتأمين الأسواق والمناجم والحد من النهب والاختطاف. وعادت محال الصاغة والمواد الغذائية والمطاعم إلى العمل بصورة محدودة، بالتزامن مع استئناف وصول البضائع من الكفرة الليبية.
وحدد عنصر في الدعم السريع، عرّفه الموقع بالأحرف “م. ع”، هوية قائد القوات بالمنطقة، وهو عبد الله أبكر باشا، المعروف باسم “عبد الله قروش”، الذي قال إنه كان موجودًا في الإمارات وقت نشر التحقيق.
وتشير ترتيبات التشغيل إلى استفادة القوة المسيطرة من عائدات التعدين عبر حصص الإنتاج ومعالجة المخلفات، مع استمرار غياب تفاصيل نسب التقاسم وهوية الشركة التي تشتري “الكارتة”.
وتعرضت حركة التعدين لاضطراب جديد في مايو/أيار 2026، مع تصاعد الحشود العسكرية حول المثلث وفرض قيود على حركة المعدّنين بسبب التهديدات الأمنية ونشاط الطائرات المسيّرة. وأظهرت شهادات التجار التي نشرتها “أتر” في يوليو/تموز استمرار انقطاع الطريق التجاري القديم مع الخنّاق، رغم إعادة تشغيل بعض المناجم، بعدما تحولت أجزاء واسعة من التجارة نحو المسارات الليبية.
وتتوافق هذه التطورات مع تجربة الدعم السريع السابقة في إدارة مناجم الذهب، إذ أوضح سليمان وبلدو في دراسة تشاتام هاوس أن المليشيا استفادت قبل اندلاع الحرب من شركات تابعة لمجموعة “الجنيد” المملوكة لعائلة دقلو، ومن ترتيبات الحماية المفروضة على العاملين والتجار، فضلًا عن المشاركة المباشرة لبعض وحداتها في استخراج المعدن.
وبرز هذا النموذج في مناجم جبل عامر بشمال دارفور وسنقو بجنوب دارفور، قبل ظهور ترتيبات مشابهة لتقاسم الإنتاج ومعالجة مخلفات التعدين في المثلث.
من المناجم إلى الأسواق.. من يدير شبكات تهريب الذهب؟
تبدأ رحلة الذهب المستخرج من المثلث بتجميعه لدى التجار في أسواق المناجم، قبل نقله عبر الطرق الصحراوية إلى ليبيا ومصر.
وفي شهادات نشرها “دارفور 24” يوم 21 أغسطس/آب 2025، أكد معدّنون أن معظم الإنتاج كان يُهرّب إلى البلدين بسبب ارتفاع العائدات مقارنة ببيعه في أسواق السودان الداخلية، وأن اضطراب الأمن بعد سيطرة الدعم السريع أدى إلى انخفاض الأسعار التي يحصل عليها العاملون، مع تراجع حركة المشترين والمركبات.
وتبرز مدينة الكفرة في جنوب شرق ليبيا إحدى محطات هذه التجارة، حيث تتجمع شبكات نقل البضائع والوقود والمهاجرين والذهب القادم من السودان وتشاد.
وتتبعت منصة “أتر” السودانية في مارس/آذار 2025، طرق التجارة والتهريب بين السودان وليبيا، موضحة أن القوافل كانت تنطلق من نيالا والفاشر عبر كبكابية وكتم والعوينات وصولًا إلى الكفرة، قبل أن تؤدي الحرب إلى تحول جزء من الحركة نحو مليط ومسارات تخضع لنقاط تفتيش تديرها القوات المسيطرة.
وأشارت إلى أن الذهب الخام المستخرج من مناجم دارفور وكردفان يُنقل عبر شبكات تهريب إلى الأسواق الليبية، بالتوازي مع تدفق الوقود وقطع الغيار والبضائع في الاتجاه المعاكس، وسط تزايد نفوذ الجماعات المسلحة على حركة التجارة الحدودية.
وفي 3 يناير/كانون الثاني 2026، نقل “دارفور 24” عن أربعة مصادر في شمال دارفور استئناف الحركة التجارية بين بلدة المالحة السودانية والكفرة عبر طريق يمر بواحة ربيانة والمثلث الحدودي، بعدما سيطرت الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وأفاد التجار بأن عشرات الأشخاص كانوا يتحركون أسبوعيًا لجلب الوقود والمواد الغذائية باستخدام مركبات صغيرة، مع استمرار صعوبة عبور الشاحنات الثقيلة، ما أسهم في خفض أسعار بعض السلع داخل مناطق شمال دارفور.
وفي الجانب الليبي، تؤدي كتيبة “سبل السلام” بقيادة عبد الرحمن هاشم الكيلاني دورًا رئيسيًا في تأمين الطرق القادمة من الكفرة، وترتبط الكتيبة بقوات حفتر وقبيلة الزوية ذات النفوذ في المدينة.
ووفق دراسة نشرها معهد تشاتام هاوس في فبراير/شباط 2025 عن اقتصاد تهريب المهاجرين في ليبيا، تدير الكتيبة نقاط تفتيش تُفرض عبرها رسوم على حركة البضائع والعبور، ضمن ترتيب محلي أُنشئ عام 2017 لتوزيع الإيرادات عبر “صندوق إعمار الكفرة”، تحصل بموجبه “سبل السلام” على نصف العائدات مقابل الخدمات الأمنية والجباية، فيما يخصص النصف الآخر للمجلس المحلي.
وتتصل هذه الطرق بشبكة ليبية أوسع تستقبل الذهب من مناجم كوري بوغودي وتيبستي وإزري قرب الحدود الليبية التشادية، إلى جانب المثلث السوداني المصري الليبي.
ووفق دراسة سليمان وبلدو، تحولت ليبيا إلى محطة لتجميع الذهب ونقله نحو الأسواق الخارجية، بمشاركة قادة من التشكيلات التابعة لحفتر، مع استخدام رحلات جوية إلى إسطنبول ودبي ومسارات تمر عبر مطاري مصراتة ومعيتيقة.
وكان جهاز الأمن الداخلي الليبي قد أعلن إحباط تهريب 100.8 كيلوغرام من الذهب و1.5 مليون يورو داخل أربع حقائب في مطار مصراتة يوم 21 سبتمبر/أيلول 2024، على متن رحلة متجهة إلى تركيا، في واقعة تكشف طبيعة إحدى قنوات التهريب الجوي عبر ليبيا.
وفي الوجهة الإماراتية، كشفت وثائق عقوبات أمريكية عن شركات مرتبطة بتجارة الذهب السوداني وتمويل مليشيا الدعم السريع.
ففي 7 يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على حميدتي وشركات وأفراد مرتبطين بشبكات تمويل مليشياته، في مقدمتهم أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، رجل الأعمال السوداني مالك ومدير مجموعة “كابيتال تاب القابضة”، وهي شركة مقرها الإمارات قالت الوزارة إنها قدمت أموالًا ومعدات عسكرية للدعم السريع.
تضمنت العقوبات شركة “الزمرد والياقوت للذهب والمجوهرات”، المعروفة باسم “AZ Gold”، وهي شركة إماراتية يديرها أبو ذر، قالت الخزانة الأمريكية إنها اشترت ذهبًا من السودان ونقلته إلى دبي، ورجحت أن عمليات الشراء كانت لمصلحة الدعم السريع.
وكشفت الوزارة أن القوني حمدان دقلو، شقيق حميدتي والمسؤول عن مشتريات القوات، كان قادرًا على الوصول إلى حساب الشركة المصرفي في الإمارات، الذي احتوى على ملايين الدولارات.
وشملت الشبكة شركة “الجيل القادم للتجارة العامة”، التي يشارك أبو ذر في ملكيتها وإدارتها، وكان عبد الرحيم حمدان دقلو، شقيق حميدتي ونائب قائد الدعم السريع، مساهمًا أقلية فيها سابقًا.
وامتلكت الشركة حصة في مؤسسة “الخليج” المالية، التي كانت خاضعة لسيطرة المليشيا واستخدمتها في تمويل عملياتها، وفق الخزانة الأمريكية. وترتبط هذه الشبكات ببنية اقتصادية أقدم أنشأتها عائلة دقلو حول مجموعة “الجنيد” العاملة في تعدين الذهب ومعالجة مخلفاته.
وبحسب دراسة تشاتام هاوس، توصل حميدتي خلال المرحلة الانتقالية بين عامي 2019 و2021 إلى اتفاق مع الحكومة المدنية للتنازل عن حقوق امتياز المجموعة في جبل عامر، مقابل مدفوعات حكومية بلغت 250 مليون دولار وإعفاءات من رسوم وضرائب مرتبطة بعمليات أخرى، ما أتاح للمجموعة توسيع أنشطتها في قطاع الذهب.
وفي 16 يوليو/تموز 2026، وسعت بريطانيا العقوبات المرتبطة باقتصاد الحرب، مستهدفة 11 شخصًا وكيانًا ضمن شبكات التمويل والمشتريات والتجارة المرتبطة بالجيش السوداني والدعم السريع.
شملت العقوبات أبو ذر وشركة “بروديجوس لخدمات الإشراف على إدارة العقارات”، ومازن فضل الله وأحمد هاشم، اللذين تشتبه لندن في ارتباطهما بمشتريات الدعم السريع، وشركتي “ناتويست للخدمات اللوجستية” و”عون للوساطة التجارية”، المتهمتين بالمساعدة في تنظيم الإمدادات والمعاملات المالية.
وامتدت العقوبات البريطانية إلى أحمد عبد الله، الذي ربطته الحكومة بمشتريات الجيش السوداني ومنظومة الصناعات الدفاعية، وشركة “بورتكس التجارية المحدودة” المسجلة في هونغ كونغ، إلى جانب ثلاث شركات تعدين سودانية مملوكة للدولة، هي “أم درمان للتعدين” و”أرياب للتعدين” و”سودامين”.
واشتبهت لندن في استخدام عائدات أنشطة هذه الشركات لدعم أطراف القتال، وربطت “سودامين” بشبكات عائدات الذهب المرتبطة بالطرفين، بما في ذلك صلات سابقة مع مجموعة “الجنيد”.
وأدى تغير العلاقات السودانية الإماراتية خلال الحرب إلى تحول في وجهات صادرات الذهب الرسمية، مع تراجع الشحنات المتجهة مباشرة إلى الإمارات وصعود مصر وجهةً رئيسية خلال عام 2025، وفق بيانات للبنك السودان المركزي نشرت مطلع أبريل/نيسان 2026. وجاء هذا التحول بالتزامن مع اضطراب خطوط النقل المباشر وتنامي دور الوسطاء والأسواق المجاورة في تجارة الذهب السوداني.
ويفسر الفارق بين الأسعار والرسوم جانبًا من جاذبية السوق المصرية، إذ قدّر سليمان وبلدو أن نحو 60% من إنتاج ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر كان يتجه إلى مصر عبر التجارة غير الرسمية والتهريب خلال الفترة التي تناولتها دراستهما.
وأشار الباحثان إلى أن سعر غرام الذهب من عيار 21 بلغ نحو 85 دولارًا في مصر خلال أكتوبر/تشرين الأول 2024، مقابل 55 إلى 60 دولارًا في السودان، فضلًا عن استخدام عائدات المعدن لشراء الوقود والمواد الغذائية ومدخلات التعدين ونقلها مجددًا إلى السودان.
وبلغت قيمة صادرات الذهب السوداني المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 نحو 2.292 مليار دولار، بحسب ما أعلنته الشركة السودانية للموارد المعدنية في 6 أكتوبر/تشرين الأول، فيما بلغت الإيرادات الحكومية المحصلة 1.886 تريليون جنيه سوداني، متجاوزة المستهدف بنسبة 31%.
وتبرز هذه العائدات الأهمية المالية للقطاع في ظل استمرار التهريب والتجارة غير الرسمية في مناطق إنتاج متعددة.
وفي 13 يوليو/تموز 2026، أقر الاتحاد الأوروبي حظرًا على شراء الذهب ذي المنشأ السوداني أو استيراده أو نقله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يشمل الذهب الذي خرج من السودان بعد 15 يوليو/تموز ومر بدولة ثالثة قبل وصوله إلى الاتحاد.
وشملت الإجراءات حظر توريد الزئبق وسيانيد الصوديوم المستخدمين في استخلاص الذهب إلى السودان، في محاولة لتقييد مصادر الدخل والمدخلات المرتبطة باقتصاد الحرب.
ورغم اتساع شبكات التمويل والتجارة التي كشفتها العقوبات الدولية، تبقى صلة المشترين النهائيين بمناجم المثلث بحاجة إلى سجلات شحن ومعاملات تجارية محددة، خصوصًا مع استمرار تشغيل شركة معالجة مخلفات الذهب المرتبطة بالدعم السريع دون الكشف عن اسمها أو مقدار العائدات التي تحصل عليها القوات من الإنتاج.
صراع النفوذ في المثلث.. كيف غيّرت الحرب السودانية موازين السيطرة؟
أعادت الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان ومليشيا الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023 تشكيل الأهمية العسكرية للممرات الصحراوية بين دارفور وجنوب شرق ليبيا، بعدما تحولت إلى طرق لنقل المقاتلين والسلاح والوقود والمركبات، بالتوازي مع تجارة الذهب والبضائع.
وأصبح المثلث الحدودي أحد مواقع التنافس على تأمين هذه الإمدادات والتحكم بحركتها، مع تنامي القلق المصري من اقتراب مليشيا الدعم السريع من حدودها.
وبدأت المواجهات التي انتهت بسقوط المثلث بتقارير عن دخول قوة موالية لحفتر نحو ثلاثة كيلومترات داخل الأراضي السودانية قرب جبل أركنو يوم 6 يونيو/حزيران 2025، ووقوع اشتباكات أسفرت، بحسب الرواية السودانية، عن مقتل جنديين ليبيين وأسر آخرين.
وبعد أربعة أيام، اتهم الجيش السوداني قوات حفتر بالمشاركة مع الدعم السريع في مهاجمة مواقعه، بينما رفضت القيادة العسكرية الليبية الاتهامات، متهمة مجموعات متحالفة مع الجيش السوداني بمهاجمة دورياتها.
وفي 24 مارس/آذار 2026، كشف التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، تفاصيل الدور الذي أدته كتيبة “سبل السلام” في تسهيل عمليات الدعم السريع عبر جنوب ليبيا.
خلص الخبراء إلى أن الكتيبة، بقيادة عبد الرحمن هاشم الكيلاني، عززت سيطرتها على خطوط إمداد القوات خلال الفترة من يناير/كانون الثاني 2025 إلى مطلع 2026، بموافقة ضمنية من القيادة العسكرية التابعة لحفتر، مستفيدة من علاقاتها المحلية داخل الكفرة وصلاتها بمجموعات من التبو.
ووثق التقرير توفير الكتيبة مقاتلين ومرافقة عسكرية ووقودًا وقطع غيار للمركبات خلال عمليات الهجوم على المثلث، ما ساعد مليشيا الدعم السريع على التقدم نحو العوينات، قبل توسعها في الممر الرابط بين المنطقة وكرب التوم داخل السودان، والسيطرة على معسكر عسكري هناك خلال النصف الثاني من يونيو/حزيران 2025.
وربط الخبراء التحول نحو طريق العوينات بمحاولات الجيش السوداني اعتراض الإمدادات القادمة من ليبيا عبر المثلث الحدودي السوداني الليبي التشادي منذ يوليو/تموز 2024، ما دفع الدعم السريع إلى استخدام مسارات بديلة.
وكشف التقرير استخدام منشآت في محيط الكفرة لنقل مقاتلين كولومبيين ومعدات ومركبات عسكرية باتجاه السودان، وامتداد عمليات استهداف الإمدادات إلى الأراضي الليبية، حيث تعرضت شحنات ومقاتلون أجانب مرتبطون بالدعم السريع لضربات جوية سودانية خلال أواخر 2025.
واستمرت أهمية المثلث في الحسابات العسكرية خلال 2026، إذ نقل “دارفور 24” يوم 15 مايو/أيار عن مصدر في الجيش السوداني اكتمال استعدادات برية وجوية لاستعادة المنطقة وقاعدة العطرون في صحراء شمال دارفور، بمساندة القوة المشتركة.
في المقابل، تحدث مصدر من الدعم السريع عن نشر أكثر من 400 مركبة قتالية وتعزيز المواقع بمنظومات تشويش، فيما أفاد معدّنون بفرض قيود على الحركة ومطالبتهم بمغادرة بعض المواقع.
وبقيت سيطرة المليشيا على الجانب السوداني من المثلث آخر وضع ميداني موثق حتى أكتوبر/تشرين الأول 2026، في ظل غياب تأكيد لاستعادة الجيش المنطقة.
وأثار تمدد الدعم السريع عند الحدود المصرية مخاوف القاهرة بشأن أمنها القومي ووحدة السودان، خصوصًا بعد سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش السوداني الرئيسية في دارفور، خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وفي 18 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، أعلنت الرئاسة المصرية، عقب استقبال رئيس النظام عبد الفتاح السيسي للبرهان، أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته ومنع إنشاء كيانات موازية يمثل خطوطًا حمراء تمس الأمن القومي المصري، مؤكدة احتفاظ القاهرة بحق اتخاذ الإجراءات التي يتيحها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لحماية هذه المصالح.
وترافق هذا الموقف مع تعزيز القدرات العسكرية المصرية قرب الحدود، إذ كشف تحقيق نشر في 2 فبراير/شباط 2026 عن صور أقمار صناعية وفرتها شركة “فانتور” الأمريكية المتخصصة في تقنيات الفضاء، تُظهر وجود طائرات مسيّرة من طراز “بيرقدار أقنجي” تركية الصنع في مطار شرق العوينات المصري، الذي يقع على مسافة تقارب 60 كيلومترًا من الحدود السودانية، وشهد أعمال توسعة وتجديد خلال 2025.
وأفاد مسؤولان أمنيان مصريان، طلبا عدم كشف هويتيهما أن القاهرة زودت مطارين جنوب البلاد بمعدات عسكرية لحماية الحدود وتنفيذ ضربات تتعلق بالأمن القومي، فيما نقل التحقيق معلومات عن ضربة نُسبت إلى الطيران المصري استهدفت قافلة للدعم السريع قرب المثلث في 9 يناير/كانون الثاني 2026.
وجاءت هذه التحركات مع ارتفاع أهمية طرق الإمداد القادمة من ليبيا وتقدم الدعم السريع في المناطق القريبة من الحدود المصرية. وفي الوقت نفسه، حافظت القاهرة على علاقاتها الوثيقة بحفتر، الذي ترتبط بقواته كتيبة “سبل السلام”.
ففي 30 يونيو/حزيران 2025، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على سقوط المثلث، استقبل السيسي حفتر في مدينة العلمين بحضور نجلي الأخير خالد وصدام ومدير المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، وبحث معه التنسيق الأمني واستقرار ليبيا، قبل أن يستقبل البرهان مساء اليوم نفسه لمناقشة تطورات السودان والتعاون الثنائي.
استمرت اللقاءات خلال العام التالي، إذ استقبل السيسي حفتر مجددًا في 19 أغسطس/آب 2026 بحضور نجليه خالد، رئيس أركان قواته، وبلقاسم، رئيس صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي.
وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول، استضاف السيسي البرهان بمدينة العلمين الجديدة ضمن قمة رباعية ضمت أيضًا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي والصومالي حسن شيخ محمود، وصدر عنها “إعلان العلمين” الذي أكد احترام سيادة الدول ووحدتها ورفض دعم المرتزقة والكيانات الموازية.
وتثير هذه العلاقات تساؤلات بشأن تأثير التنسيق المصري مع حفتر على حركة الإمدادات عبر الكفرة، بعدما وثق خبراء الأمم المتحدة دور تشكيلات تابعة له في دعم عمليات الدعم السريع، بينما ترتبط القاهرة بشراكة وثيقة مع الجيش السوداني وتعمل على تأمين حدودها الجنوبية والغربية.
ويمتد التنافس على الثروات إلى مناطق أخرى من الحدود السودانية المصرية، حيث أعلن الجيش المصري في 22 يونيو/حزيران 2026 تنفيذ حملة أمنية في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية استهدفت شبكات التنقيب غير المرخص عن الذهب والتهريب والهجرة غير النظامية.
وأسفرت الحملة وفق بيان الجيش عن توقيف 223 شخصًا، بينهم 87 مصريًا و136 أجنبيًا، وضبط معدات تعدين ومركبات وأسلحة، بالتزامن مع شكاوى منقبين سودانيين من الاعتقالات والترحيل والغارات على مواقع التعدين.
وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعرضت مواقع للتنقيب عن الذهب في منطقة جبل العقيدات قرب سوق الأنصاري على الحدود السودانية المصرية لغارات جوية، أعلنت شبكة أطباء السودان، وهي تجمع مهني طبي، مقتل 13 منقبًا وإصابة 28 آخرين فيها، بينما قدرت مجموعة “محامو الطوارئ”، وهي منظمة حقوقية سودانية، عدد القتلى بنحو 72 واتهمت الطيران المصري بتنفيذ الهجوم.
وفي شهادات نقلتها صحيفة “سودان تربيون” يوم 11 أكتوبر، قدّر ثلاثة ناجين حصيلة القتلى بأكثر من 200، وسط صعوبة انتشال الجثث ونقل المصابين، وبقاء الأعداد وهوية الطائرات المنفذة موضع تحقيق.
وتقع مناجم العقيدات، وفق شهادات ميدانية نشرتها “سودان تربيون”، في نطاق مختلف من الحدود السودانية المصرية، بعيدًا عن مثلث العوينات عند الحدود الليبية، وكانت المنطقة قد شهدت غارات سابقة خلال يونيو/حزيران 2026 اتهم منقبون القوات المصرية بتنفيذها.
وتعكس هذه الحوادث تصاعد التوتر المرتبط بمناجم الذهب وضبط الحدود، بالتزامن مع استمرار الصراع على طرق التجارة والإمداد الممتدة من المثلث نحو الكفرة ودارفور، حيث تتحكم القوى المسلحة في الوصول إلى المناجم وحركة الإنتاج ونقله إلى الأسواق الخارجية.