“مات جدي قهراً على الأراضي التي سُلبت منا وفقًا لقرار الاستملاك”.. هكذا عبّر ورثة جميل حسين دهمان لـ”نون بوست” عن وطأة قرار الاستملاك في حي دمر غربي مدينة دمشق، ليكونوا من بين عشرات الآلاف من السوريين الذين جُرّدوا من أراضيهم وفقًا لقانون يصفونه بـ”الجائر”.
لم تكن قضية دهمان حالة معزولة، بل واحدة من ملفات الاستملاك التي راكمتها عقود حكم نظام الأسد، تحت مظلة المنفعة العامة، وخلّفت نزاعات على الملكية والتعويض ما زال أصحابها يخوضونها حتى اليوم.
ومع سقوط النظام، لم تنتهِ هذه النزاعات؛ إذ لا تزال تشريعات وقرارات سابقة تؤثر في مصير الأراضي المستملكة، فيما أثارت مشاريع استثمارية تُقام على بعضها احتجاجات من مالكيها، مطالبين باستعادة ممتلكاتهم أو الحصول على تعويض عادل.
فكيف تشكّل إرث الاستملاك في سوريا؟، ولماذا ما زالت آثاره حاضرة في المرحلة الانتقالية؟ وما المسارات القانونية التي يمكن أن تعيد الحقوق إلى أصحابها من دون أن تخلق مظالم جديدة؟
تاريخ من قوننة الاستيلاء
لم يمضِ على تولي حافظ الأسد الحكم سوى 3 سنوات حتى أصدر قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1974، الذي أتاح للسلطة الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي بحجة إنشاء مرافق سكنية وخدمية.
بموجب هذا القانون، انتُزعت أراضي ورثة دهمان، الواقعة في حي دمر بدمشق، إذ أكدوا أن “قوات رفعت الأسد استخدمت أراضيهم حرمًا لموقعها العسكري، ومن بعدها تمركز اللواء 105 التابع للحرس الجمهوري، وأبقى رفعت وحافظ الأسد الأراضي والعقارات المحيطة بالموقع حرمًا عسكريًا يُمنع الدخول إليه”.
وفي عام 2022، علم الورثة بنقل ملكية أراضيهم إلى محافظة دمشق عام 2011، وبإيداع التعويض في المصرف المركزي، مشيرين إلى أن حقهم في سحب التعويض سقط بالتقادم.
أما المحطة التالية في سلسلة تشريعات الاستملاك، فكانت القانون رقم 60 لعام 1979، الذي صدر تحت عنوان “التوسع العمراني”، ومنح البلديات والوحدات الإدارية صلاحيات واسعة لاستملاك الأراضي المحيطة بالمدن وتخصيصها.
ثم صدر القانون رقم 20 لعام 1983، الذي وسّع صلاحيات نزع الملكية الخاصة، ولا سيما لصالح وزارة الدفاع، ولا يزال يشكّل الإطار القانوني الناظم للاستملاك حتى اليوم.
واستنادًا إلى هذا القانون، استُملك 11 هكتارًا من أراضي جد أحمد كعكة في حيّي جمعية الزهراء والمعلمين في محافظة حلب، بحسب ما قاله لـ”نون بوست”، وأوضح أن بعض هذه المساحات استُخدم لإقامة مساكن لكبار المسؤولين والمقربين من السلطة البعثية، مشيرًا إلى أن عائلته تلقت تعويضًا زهيدًا لم يتجاوز 300 ألف ليرة سورية، قبل أن يسقط حقها في المطالبة به بالتقادم مع مرور السنوات.
ومع انتقال الحكم إلى بشار الأسد عام 2000، استمرت المنهجية ذاتها، بدءًا من تعديل المرسوم رقم 60 لعام 1979 واستبداله بالمرسوم رقم 26، الذي منح البلديات مرونة أكبر في التعاقد مع الشركات والجمعيات، وأدى ذلك إلى إشكالات عقارية ألحقت الضرر بالمالكين الأصليين، في ظل تدني قيم التعويضات عن الاستملاك، فضلًا عن استغلال بعض الجهات والجمعيات لهذه الآليات.
وبعد اندلاع الثورة السورية، تحولت تشريعات الاستملاك والتنظيم العمراني إلى أدوات للعقاب والضغط على المعارضين والمناطق الثائرة، ففي عام 2012، أصدر النظام المرسوم رقم 66، الذي نصّ على إحداث منطقتين تنظيميتين في حيّي المزة وكفرسوسة بدمشق، تحت ذريعة تنظيم المناطق العشوائية، غير أن هذه الإجراءات ارتبطت بتهجير السكان وتجريدهم من ممتلكاتهم، ولا يزال متضررون منها يسعون إلى استعادة حقوقهم.
وفي العام نفسه، صدر المرسوم رقم 63، الذي أتاح تجميد أصول كل من شارك في الثورة، على ذمة التحقيق للاشتباه في الإرهاب، وهي التهمة التي ألصقها النظام بجميع معارضيه.
ثم اتسع نطاق العقاب عام 2018، مع صدور المرسوم رقم 10، الذي أجاز إحداث مناطق تنظيمية في مناطق سورية مختلفة، بهدف أساسي تمثّل في تجريد المهجّرين من أملاكهم وأراضيهم، وقد وصف حقوقيون هذه التشريعات بأنها تتنافى مع أدنى معايير حقوق الإنسان، فضلًا عن مخالفتها الواضحة للدستور.
أراضٍ مستملكة للاستثمار!
لم تسقط قوانين نظام الأسد مع سقوطه، فما زالت تُستخدم كإطار قانوني ينظم الملكيات العقارية والعمرانية في البلاد، ما أدى إلى تفاقم النزاعات والتعقيدات الطاغية على هذا الملف.
يقول أحمد كعكة الذي يشارك بشكل دوري في احتجاجات ضد الاستملاك: “رغم أن قانون الاستملاك يشترط المنفعة العامة، يُنفذ على إحدى أراضينا المستملكة مشروع سرايا مول وهو استثماري ولا يعتبر ذات منفعة عامة”.
ووصف كعكة تنفيذ مشروع استثماري على أرضه بأنه “اغتصاب” لحق أصحاب الدخل المحدود بهدف مراكمة ثروات المستثمرين، قائلًا: “نحن أحق باستثمار أراضينا”، ومشيرًا إلى أن استمرار هذه المشاريع يجعل أصحاب الأراضي يشعرون بأنهم يعيشون في دولة غير عادلة.
وليست هذه المشاريع في حلب وحدها، إذ استأنفت محافظة دمشق العمل على مشروعي “باسيليا سيتي” و”ماروتا سيتي” في حيي المزة وكفرسوسة وفقًا للمرسوم رقم 66 رغم أنه كان يهدف إلى تهجير أهاليها، ما لاقى استياء ورفضًا واسعًا من قبل أصحاب الأراضي الذين نظموا احتجاجات مطالبة بإلغاء القانون، فضلًا عن تأسيس رابطة تطالب بإسقاطه.
في السياق ذاته، أثارت خطط الحكومة السورية لتحويل مطار مزة العسكري إلى مطار مدني غضبًا لدى أصحاب الأراضي في حي معضمية الشام، الذين يرفضون إقامة أي مشاريع استثمارية على أراض مستملكة لا تعود بالنفع العام، فضلًا عن احتوائها على مقابر جماعية ما يهدد بطمس الأدلة اللازمة للتعرف على هوية الضحايا.
وتتجدد الاحتجاجات بشكل دوري في مناطق قدسيا ودمر والبجاع رفضًا لإقامة مشروعي “أبيات هيلز” و”شام فيو” الاستثماريين على أراضٍ مستملكة دون تقديم أي تعويضات عادلة، مطالبين بإلغاء قانون الاستملاك وإعادة النظر بحقوقهم المسلوبة.
وفي حمص، خرج أهالي حي القرابيص للمطالبة باستعادة أراضيهم المستملكة، وفقًا للقانون رقم 60، بعد قرار البلدية إنشاء مشروع “بوليفارد النصر” فوقها، رافضين أي مشاريع استثمارية تُقام عليها دون دفع تعويضات عادلة لهم.
وحتى الآن، لم يُنفَّذ أي مشروع استثماري أو غيره على أراضي ورثة جميل دهمان، فيما يطالب الورثة باستعادتها بعد نقل ملكيتها إلى وزارة الدفاع، التي ترفض التخلي عنها. ويؤكدون تأييدهم للإعمار والبناء، ورفضهم تطبيق قوانين الأسد التي وصفوها بأنها تشكّل عقابًا جماعيًا وتغييرًا ديمغرافيًا للمنطقة.
تشترك الحالات السابقة في امتلاك أصحابها وثائق ومستندات تثبت ملكيتهم للأراضي المستملكة، وفي تمسّكهم بمطلب العدالة والإنصاف بعدما انتُزعت ممتلكاتهم بالقوة في عهد النظام البائد، وحُرموا من فرصة المطالبة باستردادها، في ظل التهديد المستمر بالتعرّض للاعتقال أو الاختفاء القسري لكل من يجرؤ على الاعتراض أو المطالبة بحقوقه.
كيف تتعامل الحكومة الجديدة مع المطالبات؟
لم تتجاهل الحكومة السورية مطالب أصحاب الأراضي، إذ أكدت أنها ستعيد النظر في حقوقهم وقيمة التعويضات المستحقة لهم، وفي المقابل شددت على أن المشاريع الاستثمارية المزمع إقامتها على تلك الأراضي تندرج في إطار المنفعة العامة، وتسهم في إعادة إعمار البلاد، غير أن هذه التصريحات لم تكن كافية لطمأنة أصحاب الأراضي أو تبديد مخاوفهم بشأن مصير ممتلكاتهم وحقوقهم.
ومن بين هؤلاء ورثة آل كعكة، الذين فضّوا اعتصامهم المفتوح للمطالبة باستعادة أراضيهم في حي جمعية الزهراء، عقب تشكيل محافظة حلب لجنة لبحث مطالبهم، وكانت قد اتفقت اللجنة بحسب البيان الذي وقع عليه الورثة على منحهم مهلة محددة لإحضار كتاب قضائي يقضي بوقف أي أعمال إنشائية على الأراضي المثبتة ملكيتهم لها.
يقول أحمد كعكة، أحد الورثة: “وعدتنا اللجنة بتعويض عادل، لكنها لم تقدّم أي تعويض، وطالبتنا باللجوء إلى القضاء”، ويوضح أن الورثة رفعوا دعوى أمام المحكمة الإدارية رُفضت، ثم تقدّموا بدعوى أخرى قبل 5 أشهر، لم تشهد أي تحرّك حتى الآن.
ويواصل آل كعكة مساعيهم لاسترداد حقوقهم، مستندين إلى وثائق تثبت ملكيتهم للأرض، كما تقدّموا إلى المحافظة بطلب للحصول على ترخيص جديد للاعتصام، لكنها ماطلت في منحه، وكذلك وجّهوا طلبًا إلى الرئيس أحمد الشرع لإعادة النظر في بدل الاستملاك، ومنحهم تعويضًا عادلًا يتناسب مع السعر الرائج للأرض، ولا يزال طلبهم من دون رد حتى الآن.
ولا تقتصر هذه التعقيدات على قضية آل كعكة، إذ لا تزال معالجة ملف الاستملاك تواجه تحديات على مستوى الجهات الحكومية المعنية، رغم تشكيل لجان وطرح مبادرات تهدف إلى مراجعة الحالات المتضررة.
شكلت محافظة ريف دمشق لجنة برئاسة المحافظ عامر الشيخ في شباط / فبراير 2025 ، تُعنى بدراسة واقع الاستملاك على جميع المستويات، وتشمل مهماتها جمع الملفات والقيود العقارية لكل حالة استملاك، وتحديد الجهة الشاغلة للعقار، تمهيداً لتقديم دراسة ومقترح للحكومة ولمجلس الشعب لوضع قوانين جديدة تُعيد الحقوق لأصحابها، لكن حتى اليوم لم ينتج عنها أي نتيجة ملموسة.
كما كشفت المؤسسة العامة للإسكان عن توجهها إلى فتح باب التقديم مجدداً لتعويض المواطنين الذين لم يحصلوا على البدل العيني لقاء أراضيهم المستملكة.
في السياق ذاته، أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان إنشاء مكتب لاستقبال الشكاوى والاعتراضات بالتنسيق مع محافظة ريف دمشق من دون أن يترتب على تقديم الطلب أو دراسته إقراراً مسبقاً بصحته أو بنتيجته وفق تعبيرها.
بيد أنها تمسكت بقرارات الاستملاك كإطار قانوني ناظم لعملها، ففي بيان لها أكدت أن الاستملاك أداة قانونية تستخدم لتحقيق المنفعة العامة، وأن المشاريع الاستثمارية لا تتعارض مع النفع العام.
وأشارت إلى أن تأخر تنفيذ بعض المشاريع بسبب فساد النظام السابق وسنوات الثورة والحرب لا يؤدي وحده إلى زوال الاستملاك أو عودة الملكية تلقائياً ما دامت المنفعة العامة قائمة.
ومن الأروقة الحكومية إلى البرلمان، تصدرت قضية الاستملاك الأجندة في مجلس الشعب، حيث أكد عضو مجلس الشعب هشام الأفيوني بدء دراسة قوانين الاستملاك والحالات المختلفة المرتبطة بها، في إطار العمل على مقترحات تشريعية تعالج الملف، مشيرًا إلى أن أعضاء في مجلس الشعب طالبوا الجهات المعنية، وخصوصاً وزارة الأشغال العامة والإسكان، بالتوقف عن تنفيذ أعمال مرتبطة بملفات الاستملاك قبل وضع ضمانات تحقق الحوكمة والعدالة.
وأفادت مصادر برلمانية أن مشروع القانون من المرجح أن يكون جاهزًا بحلول الربع الأول من العام القادم بسبب تشابكه مع جهات عدة فضلًا عن وجود عوائق ومشاكل على الأرض.
وأشارت إلى أن المشروع سيشمل الاستملاك والتنظيم العقاري والعقار الزراعي المشمول بالتوسع العمراني، على أن يخضع للجنة شُكلت لمتابعة القوانين، بالتعاون مع الوزارات والمؤسسات المختصة، قبل أن يُرفع إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لمراجعته قبل عرضه على الأعضاء.
المطلوب: تشريعات جديدة وآلية وطنية
يصف الباحث في القانون والعلاقات الدولية والمحامي المعتصم بالله الكيلاني، في حديثه لـ”نون بوست”، الاستجابة الحكومية بأنها “أولية، ولا تمثّل حلًا جذريًا للمشكلة تُردّ من خلاله الحقوق إلى أصحابها”، ويشير إلى أن الاحتجاجات على مشروعي “أبيات هيلز” و”شام فيو” أظهرت استمرار نزاع عدد من المالكين بشأن التعويضات والحقوق، قبل المضي في تنفيذ المشروعين.
ويرى الكيلاني أن الاختبار العملي لاستجابة الحكومة يتمثل في نشر آلية شاملة توضّح عدد الشكاوى والطلبات التي حُسمت، ومبالغ التعويض المدفوعة فعليًا، ومعايير إعادة الأراضي أو تسوية أوضاعها، إلى جانب جدول زمني لمعالجة الملفات المتراكمة، وحتى وقت نشر هذا التقرير، لم تعلن الحكومة آلية من هذا النوع.
وتتطلب الإشكالات والنزاعات التي تسببت بها قرارات الاستملاك معالجة قانونية وطنية شاملة، وخطوات تشاركية تراعي حقوق جميع الأطراف. وهنا السؤال: هل يمكن إعادة النظر في قرارات الاستملاك التي لم تحقق “المنفعة العامة”؟ وهل تعود ملكية الأراضي إلى أصحابها؟
يؤكد الكيلاني أن عدم تنفيذ المشروع لسنوات أو تغيير استخدام الأرض لا يؤدي تلقائيًا إلى إعادة ملكيتها، وتنص المادة 35 من قانون عام 1983 على أن الأرض التي خُصصت فعليًا للنفع العام ثم زالت عنها هذه الصفة تصبح من أملاك الدولة الخاصة، كما تمنح المالك السابق أولوية الشراء في حالة محددة، تخص أرضًا زراعية ما زالت صالحة للاستثمار، ويعدّ الكيلاني هذه المادة من أبرز الأسباب التي تستوجب تعديل القانون.
ويشير إلى أن تحويل الأرض إلى منفعة عامة أخرى يختلف عن توجيهها إلى استثمار خاص لا تثبت فيه المنفعة العامة، ويتطلب وجود مستثمر خاص في مشروع سكني فحص العقد والمخطط التنظيمي وحصة الجهة العامة وطبيعة الانتفاع الفعلي، قبل تحديد الصفة القانونية للمشروع.
ويرى الكيلاني أن المادتين 16 و17 من إعلان عام 2025 توفران أساسًا مهمًا لطرح هذه المسائل أمام القضاء، أما مدى انطباقهما على قرارات قديمة وأحكام قطعية، فيحتاج إلى حسم قضائي أو تشريعي، ولذلك “لا يصح وعد جميع المالكين باسترداد فوري”، وفق تعبيره.
أما المالكون الذين بُنيت على أراضيهم مشاريع ولم يحصلوا على تعويض عادل، فيمكنهم، بحسب الباحث الكيلاني، المطالبة بالبدل غير المدفوع وبالفائدة التي يقررها القانون عند توافر شروطها، أو المنازعة في إجراءات التبليغ والملكية والتسجيل والتصرف اللاحق، وطلب وقف إجراء جديد إذا توفرت شروطه أمام القضاء المختص.
لكن لا يمنح القانون الحالي إعادة تقييم أرض استُملكت قبل عقود بسعرها الحالي، مشددًا على أن التسوية التشريعية ضرورية للحالات التي أصبح فيها التعويض التاريخي مجحفاً بشدة.
ويرى الكيلاني أن المعالجة القانونية المثلى لملف الاستملاك تتمثل في سنّ تشريع جديد، يتضمن بابًا انتقاليًا لمعالجة الاستملاكات القديمة، لأن المشكلة تتصل بتعريف المنفعة العامة، وحق الطعن، وطريقة التقييم، والتأخر الطويل في دفع التعويض، ومصير الأرض عند تغيّر الغاية من استملاكها، ويشير إلى إمكانية تعديل المواد الأكثر إضرارًا إلى حين صدور التشريع الشامل.
ويوصي بأن ينص القانون الجديد على إخطار المالكين فعليًا، وفحص بدائل نزع الملكية، وإجراء تقييم مستقل، ومنح تعويض عادل، مع إتاحة مراجعتهما قضائيًا، كما يدعو إلى وضع آلية واضحة لإعادة الأرض أو تسوية وضعها عند انتفاء الغاية من استملاكها، ومعالجة الأحكام القطعية والحقوق المكتسبة لأطراف آخرين صراحةً، تفاديًا لخلق مظالم جديدة خلال عملية التصحيح.
من جهته، يطرح القاضي حسين حمادة، مدير المركز السوري للدراسات القانونية، رؤية لمعالجة القضية ضمن إطارين؛ أولهما الإطار التشريعي، ويقوم على إلغاء جميع قوانين الاستملاك المخالفة لمبادئ العدالة، وإصدار تشريع جديد يستند إلى القاعدة الدستورية: “لا يجوز نزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل”.
وثانيهما الإطار الإداري عبر تشكيل لجنة قضائية عليا مؤلفة من عضو من كل من محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا ونقابة المحامين، مهمتها إعادة النظر في جميع الأحكام القضائية المتعلقة بالمرسوم 60 حتى لو كانت مبرمة.
كما دعا إلى تشكيل لجان لحل الخلافات في المحافظات، برئاسة قاضٍ وعضوية ممثل عن الجهة الإدارية وآخر عن أصحاب الأراضي، وتتولى هذه اللجان إعادة الملكيات إلى أصحابها حيثما أمكن، وتقديم تعويض عادل عند تعذّر ذلك، فضلًا عن معالجة أوضاع المالكين الجدد.
وتجمع معالجة ملف الاستملاك بين تعديل التشريعات، وإعادة النظر في الأحكام القضائية، وإنشاء آليات مؤسسية تضمن إنصاف المتضررين على نطاق واسع. ويرى الكيلاني أن إنشاء نظام عام لتعويض جميع المتضررين وفق القيمة الحالية، أو إلغاء الآثار التي رتّبتها قوانين الاستملاك القديمة، يتجاوز حدود الاجتهاد القضائي ويتطلب تدخلًا تشريعيًا.
ويؤكد الكيلاني ضرورة إنشاء آلية وطنية متخصصة، تنشر قرارات الاستملاك وخرائطها وسجلات الإيداع، وتستقبل مطالبات المالكين والورثة والنازحين، ثم تقترح إعادة الأراضي أو التعويض أو التسوية وفق معايير معلنة، مع إخضاع قراراتها للمراجعة أمام قضاء مستقل.