• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“إنهم جماعة أنانيون”: كيف أسهمت أبوظبي في تشكيل مانشستر الحديثة

أوسكار ريكت١٥ أكتوبر ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

في بنك للطعام يبعد عشر دقائق عن أحد أغنى أندية كرة القدم في العالم، فقدت نيام، وهي شابة في العشرينيات من عمرها، عملها للتو.

تقول وهي تقف خلف مكتب داخل مدخل “فيد ماي سيتي” في شمال شرقي مانشستر: “عرفت ذلك قبل خمس دقائق”.

تدير بنك الطعام جمعية خيرية تُدعى “مؤسسة مانشستر السيخية”. وكانت نيام واحدة من قلة من العاملين فيه، إذ يعتمد المكان على المتطوعين. ويجلس اثنان منهم إلى جوارها بينما تحاول استيعاب الخبر.

تقول عن مجلس مدينة مانشستر: “يحيل المجلس الناس إلينا، لكنه لا يقدّم لنا أي تمويل. يستطيع أي شخص أن يأتي إلى هنا ويحصل على وجبة ساخنة… لكننا نكافح كي نبقى قادرين على مواصلة العمل. لا أعرف إن كنا سنصمد”.

على مسافة قصيرة سيرًا في الطريق، يقع ملعب الاتحاد، مقر نادي مانشستر سيتي، الذي يملكه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء ونائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.

يمتلك منصور النادي منذ عام 2008، لكنه لم يحضر سوى مباراتين. وهو عضو في الأسرة الحاكمة في أبوظبي، وشقيق حاكم الإمارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات أيضًا.

تقول نيام عن مالكي مانشستر سيتي في أبوظبي، الذين وصفهم رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام بأنهم “شريك كبير في بناء مانشستر الحديثة”: “لم يساعدونا قط”.

وتضيف: “لم نطلب منهم شيئًا. لكننا هنا، على مقربة منهم”. أمامها، على الحائط، لوحة تخلّد افتتاح بيرنهام بنك الطعام في 1 ديسمبر/كانون الأول 2021، حين كان السياسي العمالي عمدة مانشستر.

يبدو بيرنهام، الذي يدافع بحماسة عن “المانشسترية”، شخصية بعيدة عن نيام الآن. فقد كانت مهتمة بالسياسة الوطنية حين كان جيريمي كوربين زعيمًا لحزب العمال، قبل أن تصاب بخيبة أمل منها بعد استقالته إثر انتخابات عام 2019.

تقول لموقع “ميدل إيست آي”: “بصراحة، أنا واحدة من كثيرين من أبناء الجيل زد الذين انسحبوا من هذا المجال”، في إشارة إلى جيل تتراوح أعمار أفراده الآن بين نحو 14 و29 عامًا. “أركّز الآن مباشرة على مجتمعي المحلي، وعلى ما أستطيع إحداثه من تغيير هنا”.

بعد أن فقدت عملها في بنك الطعام، وهو مساحة مكتظة تقع بين محل لبيع الدجاج المقلي ومتجر للصحف، سيتعين على نيام أن تجد مكانًا آخر توظّف فيه اهتمامها وتفانيها، وهما أمران تعتمد عليهما أماكن كهذا اعتمادًا كبيرًا.

لوحة على جدار بنك الطعام “فيد ماي سيتي” شرقي مانشستر، تخليدًا لافتتاح آندي بيرنهام له (أوسكار ريكيت/ميدل إيست آي)

على بُعد نصف دقيقة صعودًا في التلة من “فيد ماي سيتي”، يوجد بنك طعام آخر، لا يستطيع تحمّل نفقات العمل إلا يوم سبت واحد من كل شهر، في كنيسة “ليفينغ هوب” المسيحية.

وبجوار الكنيسة، داخل شاحنة لبيع الطعام تقدّم دجاج الجيرك، لا تتردد ميلي براون، التي وُلدت في جامايكا وعاشت في هذا الجزء من مانشستر 20 عامًا، في قول رأيها.

تسأل وهي تشير إلى المباني المتهالكة والشوارع المليئة بالنفايات: “هل تبدو هذه المنطقة وكأن أحدًا يضخ فيها أي استثمار؟ الناس الذين يملكون المال لا يكترثون بهذا المكان”.

براون عضوة في الكنيسة الخمسينية المجاورة، ويذهب المال الذي تجنيه من عربة الدجاج إلى بنك الطعام التابع لها. وتقول عن مانشستر سيتي: “إنهم لا يدعموننا. حتى المشجعون الذين يأتون إلى المنطقة أيام المباريات لا يأتون إلى هنا”.

لم يتلقَّ بنك الطعام التابع للكنيسة أي مساعدة من مانشستر سيتي، الذي سبق أن ساهم في دعم بنوك طعام أخرى، فيما أطلق مشجعوه مبادرة لبنوك الطعام.

تقول براون عن مالكي مانشستر سيتي: “لا أضمر لهم العداء، لكنني أعتقد أنهم جماعة أنانيون”. ولم يرد مانشستر سيتي على طلب “ميدل إيست آي” للتعليق.

إدانات مانشستر سيتي

تتصدر الآن النقاشات مسألة ما فعله مالكو مانشستر سيتي، أو ما لم يفعلوه، من أجل المدينة المحيطة بالنادي، وكذلك العلاقات القائمة بين سياسيين مثل بيرنهام، الذي بالغ في الحديث عن النجاح المزعوم لـ”نموذج مانشستر”، ودولة الإمارات.

في 29 سبتمبر/أيلول، وبعد تحقيق استمر نحو ثماني سنوات، خلصت لجنة مستقلة إلى إدانة مانشستر سيتي بارتكاب 114 مخالفة تتعلق بانتهاكات جسيمة للقواعد المالية للدوري، وبالإخفاق في التعاون مع التحقيق.

وخلصت اللجنة إلى أن النادي أخفى أكثر من 830 مليون جنيه إسترليني، أي 1.1 مليار دولار، من التمويلات غير المشروعة. وأشار تقرير اللجنة، في ثمانية مواضع منفصلة، إلى عقود واتفاقات وصفقات تجارية وترتيبات “صورية” أبرمها النادي.

وكما ورد في مراسلات داخلية لمانشستر سيتي سرّبها عام 2018 القرصان والناشط البرتغالي روي بينتو، كتب سايمون بيرس، خبير العلامة التجارية في أبوظبي، عن العقود: “يمكننا أن نفعل ما نشاء”.

وكانت الصلة بين النادي وصورة دولة الإمارات واضحة منذ البداية أيضًا. فقد قال غاري كوك، الرئيس التنفيذي لمانشستر سيتي آنذاك، الذي كان محوريًا في إبرام الصفقة التي اشترى بموجبها منصور النادي، لممثلي أبوظبي: “إذا كنتم تطورون دولتكم وتسعون إلى الظهور على الساحة العالمية، فنحن علامتكم التجارية بالوكالة عن الدولة”.

استأنف مانشستر سيتي الأحكام، ولا يزال يؤكد براءته، قائلًا إن لديه “مجموعة شاملة من الأدلة الدامغة” تدعم موقفه. ووصف فيران سوريانو، الرئيس التنفيذي لمجموعة سيتي لكرة القدم، الأحكام بأنها “نظرية مؤامرة من الدوري الإنجليزي الممتاز”.

لوحة على جدار بنك الطعام “فيد ماي سيتي” شرقي مانشستر، تخليدًا لافتتاح آندي بيرنهام له (أوسكار ريكيت/ميدل إيست آي)

وعلى الساحة الدولية، اتُّهمت حكومات بريطانية متعاقبة وقادة محليون في مانشستر بالتغاضي عن رعاية الإمارات للإبادة الجماعية في السودان، والحرب في اليمن، وانتهاكات حقوق الإنسان داخل الإمارات، أو التستر عليها، بسبب استثمارات الإمارات في المملكة المتحدة.

يقول موظف مدني بريطاني سابق، عمل على استقطاب استثمارات إماراتية وأجنبية أخرى إلى المملكة المتحدة، لموقع “ميدل إيست آي”: “كانت الإمارات مذهلة بالنسبة إلى مانشستر، باستثناء كرة القدم”.

ويقول المصدر عن الإماراتيين: “لن يرحلوا. إنهم مستثمرون جادون، ولن يفعلوا ما يدمّر القيمة. وسيواصلون الاستثمار في المملكة المتحدة، فنحن مكان مستقر ورائع للاستثمار. لكنهم لن يستثمروا بالحجم الذي شهدناه خلال السنوات العشرين الماضية، وهذا يمثل خسارة للاقتصاد البريطاني”.

وكان بيرنهام قد أشار إلى تلك الاستثمارات في أول تصريح له عقب صدور أحكام الإدانة. وقال رئيس الوزراء، الذي تولى منصب عمدة مانشستر من عام 2017 إلى عام 2026، إنه سيكون “قلقًا حقًا” إذا خسر مانشستر مجموعة أبوظبي المتحدة بصفتها مالكة للنادي، وأشاد باستثماراتها في المدينة.

وقال بيرنهام: “أشكر فعلًا مجموعة سيتي لكرة القدم والجهة المالكة الأوسع على الأموال التي لم يضخوها في ملعب الاتحاد والمجمّع المحيط به فحسب، بل في المدينة أيضًا”. ثم اضطر إلى التوضيح بأن النتائج التأديبية المتعلقة بكرة القدم ينبغي التعامل معها بمعزل عن العلاقات الاقتصادية بين الإمارات ومانشستر.

ومنذ ذلك الحين، أفادت تقارير بتهديد مسؤولين إماراتيين بإلغاء استثمارات في المملكة المتحدة بسبب “إجراءات الدوري الإنجليزي الممتاز”.

وكشفت هيئة مانشستر الكبرى المشتركة يوم الاثنين تفاصيل اجتماعات بيرنهام مع مانشستر سيتي، ومنها اجتماعات مع رئيس النادي خلدون المبارك، لكنها لم تذكر عشاءين في إطار الضيافة حضرهما العمدة آنذاك مع المسؤول الإماراتي، وأُقيما خلال مباراتين في عامي 2017 و2018.

مانشستر لايف

أُطلقت شركة “مانشستر لايف” عام 2014 بموجب صفقة قيمتها “مليار جنيه إسترليني” بين مجلس مدينة مانشستر ومجموعة أبوظبي المتحدة، وهي الذراع الاستثمارية المملوكة لمنصور. وتُعد الشركة، التي لم ترد على طلب “ميدل إيست آي” للتعليق، أبرز تجليات الاستثمار الإماراتي في المدينة.

في ظهيرة مشمسة من أكتوبر/تشرين الأول، يلمع المرسى الواقع في قلب مشروع الشركة في منطقتي أنكوتس ونيو إزلنغتون شرقي مانشستر تحت أشعة الشمس.

يتنزه شبان على ضفاف قناة حُفرت لتصل بين قناتين قائمتين، فيما يروّج ملصق إعلاني لمجموعة من “شخصيات مانشستر البريطانية”: “محب موسيقى الهذيان”، و”محب موسيقى السول الشمالية”، و”الشاب”.

يمكن استئجار شقق من غرفتي نوم في هذا الجزء من مانشستر، الذي وُصف يومًا بأنه “أرض قاحلة ما بعد صناعية”، مقابل ما بين 1300 و1600 جنيه إسترليني شهريًا. ويقول السكان إن العثور على شقة من غرفة نوم واحدة بأقل من 1000 جنيه شهريًا أمر مستحيل، في مدينة يبلغ فيها متوسط الراتب السنوي نحو 34 ألف جنيه إسترليني.

لا يتضمن المشروع أي مساكن بأسعار معقولة. وقد فصّل تقرير صدر عام 2022 عن جوناثان سيلفر وريتشارد غولدينغ وآدم ليفر من جامعة شيفيلد، بعنوان “مانشستر خارج البلاد”، كيفية نقل حقوق الإيجار طويل الأجل والأصول العامة إلى شركات تابعة تسيطر عليها أبوظبي، ومسجلة في جزيرة جيرزي، وهي ملاذ ضريبي.

يضم المشروع مبنى من 158 شقة يُسمى “سميثز يارد”، تكريمًا للحانة التي هُدمت لإفساح المجال أمامه. وقد بُنيت حانة “سميثز آرمز” عام 1775، وكانت أقدم حانة في مانشستر حين جرى تجريفها بالجرافات عام 2016 لإفساح المجال أمام الشقق.

جزء باقٍ من حانة “سميثز آرمز”، التي بُنيت عام 1775 وهُدمت لإقامة مشروع سكني مكانها (أوسكار ريكيت/ميدل إيست آي)

وفي بهو المبنى، تُعرض واجهة من الطوب مأخوذة من الحانة، وعليها اسمها، بالقرب من لوحة كُتبت عليها عبارة “مانشستر هي المكان الذي يفعل فيه الناس الأشياء” بخط فقاعي متعدد الألوان.

وتظهر هذه الإشارات إلى مانشستر وتاريخها وثقافتها المدنية الموجّهة إلى الجمهور، بوصفها مدينة كانت في قلب الرأسمالية الصناعية ومقاومتها الراديكالية، في مختلف أنحاء هذه المجموعة من المباني السكنية الجديدة المدعومة من أبوظبي.

هناك مساحة عمل مشتركة تُسمى “كولوني”، ومبانٍ سكنية تُسمى “كوتون فيلد وارف” و”ويفرز كواي”، ووضعت خارج المبنى الأخير محطة لشرب الكلاب، وهي وعاء معدني صغير.

ثم هناك شارع “بنغال”، الذي سُمّي في العصر الفيكتوري تيمّنًا بالمنطقة الواقعة في جنوب آسيا، والتي دمّرت شركة الهند الشرقية البريطانية صناعة القطن فيها تدميرًا ممنهجًا. وكانت الشركة قوة إمبراطورية توسعية ثرية، تستعين بالمرتزقة، ويقول دبلوماسي أوروبي لموقع “ميدل إيست آي إنها كانت مصدر إلهام لدولة الإمارات.

الإمارات في السودان

يتجلى ذلك التوسع بوضوح أكبر الآن في السودان، حيث تدعم الإمارات قوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي خلصت الأمم المتحدة والولايات المتحدة إلى ارتكابها إبادة جماعية في دارفور.

وتواصل الإمارات نفي تقديم هذا الدعم. وقد نشر موقع “ميدل إيست آي” تقارير مستفيضة عنه، وعن “الاستحواذ السياسي” الذي دفع المملكة المتحدة إلى تجنب مواجهة أبوظبي بشأنه. وأفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن منصور على اتصال مباشر ومنتظم بمحمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع المعروف باسم حميدتي.

أما مهند طه، الذي عاش في مانشستر عقدًا من الزمن وأسّس المجموعة الناشطة “مانشستر من أجل السودان”، فيرى أن “من السهل فصل النادي عن مالكيه، الذين يمثلون قوة أوليغارشية فاسدة”.

محمد بن زايد آل نهيان ومنصور بن زايد آل نهيان من دولة الإمارات، يتابعان المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 2023 في إسطنبول (رويترز)

“أعتقد أن المالكين متواطئون بالكامل فيما يحدث في السودان. وأرى أن قيادة النادي متواطئة إلى حد ما، أما المشجعون واللاعبون فلا علاقة لهم بالأمر إطلاقًا.

يقول طه: “يخشى قادتنا مواجهة أبوظبي بشأن تورطها، بسبب الاستثمارات”. وُلد طه في نيوكاسل لأبوين سودانيين، ويشعر بالإحباط مما يراه إخفاقًا في الربط بين مالكي مانشستر سيتي والحرب في السودان، التي تمثل أكبر أزمة إنسانية في العالم.

يقول إن أحكام الإدانة التي أصدرها الدوري الإنجليزي الممتاز “كانت مُرضية، إلى حد ما”، ثم يضيف: “لكنني تساءلت بعد ذلك: هل سيصل الناس إلى حد الربط بينها وبين السودان؟

“إذا واجهت القيادة الإماراتية وفقًا لمبادئ واضحة، فستجدها مذنبة. أما إذا كنت خاضعًا لنفوذها، فستجدها غير مذنبة”.

من مساكن المجلس إلى الشقق الجديدة

يطل إسحاق روز، منظّم المستأجرين ومؤلف كتاب “المدينة الريعية: مانشستر وصناعة المدينة النيوليبرالية”، على المرسى المتلألئ في أنكوتس، ويصف المشهد أمامنا بأنه “الخطيئة الأصلية لمانشستر”.

يقول لموقع “ميدل إيست آي”: “بُني هذا المشهد الجميل على أنقاض مجمّع سكني تابع للمجلس، دُمّر وأُغرق بالمياه. أبوظبي طبقة أضيفت إلى ما حدث من قبل”. وكان هذا المجمّع يُسمى “كارد روم”، نسبة إلى غرفة التمشيط في مصانع القطن المحلية، وهُدم في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

في البداية، أُسندت إعادة تطوير “كارد روم”، التي أُعيدت تسميتها “نيو إزلنغتون” نسبة إلى مصنع قديم في المنطقة، لكن مع صدى مدوٍ لحيّ لندن الذي عاش فيه توني بلير قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، إلى شركة “أوربان سبلاش”، التي أسسها توم بلوكهام، وهو من رواد موسيقى الهذيان في ثمانينيات القرن الماضي.

يوثّق مقطع ترويجي لشركة “أوربان سبلاش” من عام 2002، كُشف فيه عن الأمور بلا مواربة، محاولات الشركة إقناع سكان المجمّع برؤيتها للتجديد الحضري.

وبشعر أشقر قصير مصبوغ، وعلى وقع موسيقى فرقة “ذا فول” من القدس، يتحدث بلوكهام بحماسة عن تحويل “هذا الخراب إلى نموذج عالمي لأفضل المناطق في البلاد”.

ويهتف: “انظروا إلى هذا، إلى القنوات، أليست رائعة؟ قناة أشتون، وروشدايل. لِنحفر بعض القنوات الجديدة، ولننشئ أمستردام جديدة، ومانشستردام شرقية جديدة، ومكانًا مميزًا حقًا في المدينة”.

لكن المقطع يبيّن أن بيع هذه الرؤية لسكان مجمّع “كارد روم” القائمين كان أمرًا آخر تمامًا.

في حانة “كوب أو كول” التي هُدمت لاحقًا، يسأل أحدهم: “أين ستكون المساكن التي ستؤوينا؟” ولا يأتيه جواب. ويقول آخر: “لقد حسمتم أمركم بشأن ما ستفعلونه. لنقل الأمور كما هي، لقد حسمتموه”.

في نهاية المطاف، لم تبنِ “أوربان سبلاش” في “نيو إزلنغتون” سوى مبنى واحد بارز، وهو بناء يُسمى “تشيبس”، صُمّم ليشبه قطعة بطاطا مقلية.

ثم وقع الانهيار المالي عام 2008، وأُنتخبت عام 2010 حكومة ائتلافية من المحافظين والديمقراطيين الأحرار. وأرست هذه الحكومة، في عهد وزير الخزانة جورج أوزبورن، سياسة تقشف أدت لاحقًا إلى خفض أكثر من 60 في المئة من تمويل الحكومة المركزية للسلطات المحلية.

لكن مانشستر حالفها الحظ، إذ كان لفريق كرة القدم المحلي مالكون جدد من الخليج، يملكون ثروات من النفط والغاز، ورأوا في الانهيار المالي فرصة لا انتكاسة.

آندي بيرنهام ونموذج مانشستر

رغم أن بيرنهام نسب، بصفته رئيسًا للوزراء، الفضل إلى نفسه في النجاح المتصوَّر لمانشستر، فإنه في نظر روز وآخرين ممن وثّقوا مسار المدينة، ليس سوى لاعب ثانوي في قصة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي وقادها رجلان، ريتشارد ليسي وهوارد بيرنشتاين.

يقول ريتشارد غولدينغ، المشارك في إعداد تقرير “مانشستر خارج البلاد”، لموقع “ميدل إيست آي”: “راهن بيرنهام بسمعته على المانشسترية، ونرى الآن التنازلات التي انطوى عليها ذلك”.

ويضيف غولدينغ: “يقوم نموذج مانشستر على إمكان تحقيق النمو وإعادة التوزيع من دون الاضطرار إلى اتخاذ خيارات سياسية صعبة. وما يحرج بيرنهام أنه كان مستعدًا لنسب الفضل إلى نفسه”.

كان ليسي وبيرنشتاين، بصفتهما زعيم مجلس مدينة مانشستر ورئيسه التنفيذي من منتصف تسعينيات القرن الماضي حتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، المهندسَين الرئيسيين لنموذج مانشستر. وكان كلاهما من مشجعي مانشستر سيتي؛ ويشغل ليسي الآن منصب الرئيس الفخري للنادي، فيما توفي بيرنشتاين عام 2024. وشهد هذا النموذج سعي المجلس بقوة إلى إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص واجتذاب استثمارات خارجية.

وكان ليسي، مدرس الرياضيات السابق من مانسفيلد، عضوًا في مجموعة من يسار حزب العمال تولت إدارة مجلس مانشستر في “الثورة المجيدة” عام 1984.

لكن بعد فوز مارغريت ثاتشر في انتخابات عام 1987 وترسّخ الثاتشرية في وستمنستر، اتجه ليسي إلى استقطاب الاستثمارات الخاصة لخدمة مدينته التي اتخذها موطنًا. ولم يرد على طلب “ميدل إيست آي” إجراء مقابلة معه.

بعد تفجير الجيش الجمهوري الأيرلندي في وسط مدينة مانشستر عام 1996، وهو أكبر تفجير تشهده بريطانيا القارية منذ الحرب العالمية الثانية، شرع ليسي وبيرنشتاين في إعادة بناء المدينة التي كانا يديرانها وتطويرها.

بُني ملعب مدينة مانشستر بأموال عامة لاستضافة ألعاب الكومنولث عام 2002، ثم استحوذ عليه نادي مانشستر سيتي لكرة القدم، الذي أعاد تسميته ملعب الاتحاد بعد وصول منصور عام 2008.

يقول روز عن ليسي وبيرنشتاين: “كان الانهيار المالي صدمة هائلة لهما، لأنهما أمضيا حياتهما في انتشال مانشستر من التصنيع”.

بالنسبة إلى أبوظبي، وكذلك قطر ومستثمرين من الصين وروسيا وغيرهما، أتاح الانهيار المالي شراء السلع البريطانية وأصول الدولة بأسعار زهيدة.

في عام 2013، أنشأ وزراء بريطانيون وحدة سرية حملت الاسم الرمزي “مشروع فالكون”، أتاحت للإمارات وصولًا مميزًا إلى النخبة السياسية في المملكة المتحدة، وإلى صفقات الأراضي الممتازة، ومؤسسات شهيرة عالميًا في الأوساط الأكاديمية وهيئة الخدمات الصحية الوطنية.

عمل توني بلير مستشارًا لصالح الإمارات، ودفع أوزبورن باتجاه استثمارات إماراتية في أصول غير دفاعية. وبفضل ملكية مانشستر سيتي، بات لدى ليسي وبيرنشتاين مستثمرون مرتبطون أصلًا بمدينتهما، “أغنى من الرب”.

لوحات إعلانية في مشروع أنكوتس ونيو إزلنغتون، مانشستر (أوسكار ريكيت/ميدل إيست آي)

يقول الموظف المدني البريطاني السابق: “لا تملك الحكومة المال، ولا الأفكار بالضرورة، لإحياء المناطق. ومحاولة فعل ذلك في مواجهة اقتصاد السوق عبثية، كما أنها استخدام سيئ لما تملكه من أموال. اعتمدت عمليات الإحياء الكبرى كلها تقريبًا اعتمادًا كبيرًا على رأس المال الخاص”.

وفي رسالة إلى صحيفة “فايننشال تايمز”، وصف كارل سكوت، الملحق الدفاعي البريطاني السابق في موسكو، إدراكًا مشابهًا انتابه حين عاد إلى بريطانيا من مهمته عام 2016: “كان كل شيء خاضعًا للمدينة، وكل شيء يخدم مصالح مكانتنا المربحة بوصفنا ملاذًا آمنًا للثروات الفاسدة والمفسدة”.

وقال بيرنشتاين عن مالكي النادي: “نتعامل معهم كما نجدهم”، أي إن ما قد يفعلونه أو لا يفعلونه في بلدهم أو في الشرق الأوسط ليس من شأن مانشستر. وكان لدى مالكي النادي من أبوظبي أيضًا ما يحفزهم على الاستثمار.

وخلص تقرير “مانشستر خارج البلاد” إلى أن تسعة مواقع بيعت لمنصور في صفقة عام 2014، بيعت بجزء ضئيل من قيمتها، وبأسعار تقل كثيرًا عما حققته قطع أراضٍ مجاورة. وخلص الباحثون إلى أن الصفقة حققت عائدًا ماليًا “ضئيلًا” للقطاع العام، وأن ممتلكات ثمينة بيعت بثمن بخس.

وكشفت تقارير في “مانشستر ميل” وصحيفة “آي” أيضًا أن أبوظبي حصلت على “صفقة تفضيلية” منحتها حق الشفعة في امتداد واسع من الأراضي، وأن السلطة المحلية لم تتلقَّ سوى أقل من 3 ملايين جنيه إسترليني مقابل بناء نحو 1800 منزل بموجب الاتفاق.

يقول غولدينغ: “تكون الصفقة دائمًا أفضل مما يُصدَّق. فهم لا يديرون مجموعة أبوظبي المتحدة بوصفها مؤسسة خيرية”.

مانشستر إنجلز

في مسرحيته “كوميديون”، يجعل الكاتب المسرحي تريفور غريفيث، المنحدر من أنكوتس، إحدى شخصياته، وهو كوميدي سابق أصبح معلمًا وشارك في الحرب العالمية الثانية، تصف الدمار الذي حل بمدينة دريسدن الألمانية بعدما تحولت إلى أنقاض جراء القصف.

تقول الشخصية: “ذكّرني ذلك بأنكوتس”. وفي القرن التاسع عشر، وصف فريدريش إنجلز، رفيق كارل ماركس، “350 ألفًا من العمال في مانشستر وضواحيها” بأنهم يعيشون “تقريبًا جميعًا في أكواخ بائسة ورطبة وقذرة”.

وكتب إنجلز: “سرت ذات يوم إلى مانشستر برفقة أحد هؤلاء السادة من أبناء الطبقة الوسطى. وتحدثت إليه عن الأحياء الفقيرة المشينة وغير الصحية، ولفتُّ انتباهه إلى الحالة المقززة لذلك الجزء من المدينة الذي كان يعيش فيه عمال المصانع”.

يستمع الرجل النبيل بصبر، ثم يقول لإنجلز وهما يفترقان: “ومع ذلك، يُجنى هنا كثير من المال”.

يقول غولدينغ إن إعادة تطوير مانشستر “جلبت فرص عمل وزادت الفرص المتاحة. لكن المدينة ما زالت تعاني تفاوتًا حادًا كبيرًا”.

ويقول روز: “انظر إلى التفاوت وبنوك الطعام”. ويرسم صورة واسعة لمسار مانشستر، من طليعة الرأسمالية الصناعية في القرن التاسع عشر إلى طليعة الرأسمالية الريعية في القرن الحادي والعشرين.

وينظر إلى مرسى أنكوتس ويقول: “هذا يذكّرني بديزني لاند. هناك واجهة جميلة جدًا، لكن خلفها…”.

وعند محطة للترام تبعد بضع دقائق عن بنك الطعام “فيد ماي سيتي”، تقول جانيت وديفيد، وهو مشجع لمانشستر سيتي في الستينيات من عمره، إن المالكين من أبوظبي “فعلوا الكثير من أجل المنطقة”.

لكن ديفيد لا يتخذ موقفًا متحديًا ولا يتباهى، مثل بعض المشجعين الآخرين، بوصف “الغشاشين”. ويقول: “إذا كانوا مذنبين، فعلينا أن نتحمل العواقب. يمكننا العودة إلى جذورنا. سبق أن مررنا بهذا، ويمكننا تجاوزه مجددًا”.

يدخل الترام محطته، وقد كُتب على مقدمته اسم وجهته: “حرم الاتحاد”.

المصدر: ميدل إيست آي

علاماتالسياسات الإماراتية ، العلاقات الإماراتية البريطانية ، سياسة الإمارات الخارجية
مواضيعاقتصاد الإمارات ، السياسة البريطانية ، الشأن الإماراتي ، ترجمات ، سياسات الإمارات الخارجية

قد يعجبك ايضا

سياسة

“محدش هيمسه”.. هل أغلق السيسي باب تعديل الدستور أم تركه مواربًا؟

فريق التحرير١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

إسرائيل والمغرب.. شراكة تتوسع نحو الأطلسي وأفريقيا

خالد أصلان١٤ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

قوانين الاستملاك في سوريا.. حقوق معلّقة خلف واجهات الاستثمار

مرام موسى١٤ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑