• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بعد 11 عامًا من القتال.. لماذا لم تهزم السعودية الحوثيين؟

نون إنسايت١٩ أكتوبر ٢٠٢٦

عرض عسكري للحوثيين في صنعاء، سبتمبر/أيلول 2023 (رويترز)

دخلت السعودية الحرب في اليمن عام 2015 بتفوق عسكري ساحق وترسانة متطورة من المقاتلات والصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي وقيادة تحالف إقليمي هدفه استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة، لكن أكثر من 11 عامًا من العمليات العسكرية انتهت ببقاء الجماعة في معاقلها الرئيسية، بعدما طورت قدراتها الصاروخية وأصبحت قادرة على تهديد منشآت حيوية داخل المملكة.

تعود أسباب تعثر الحملة السعودية إلى سوء تقدير طبيعة الحرب والاعتماد الواسع على الغارات الجوية، في مواجهة جماعة تمتلك خبرة في القتال الجبلي وحرب الاستنزاف، واستفادت من ترسانة الجيش اليمني والدعم الإيراني لبناء قوة عسكرية متنامية، بينما أضعفت الانقسامات والتنافس السعودي الإماراتي القوات اليمنية المناهضة لها، وأعاقت قدرتها على استعادة مناطق سيطرة الحوثيين.

ومع تجدد المواجهات الواسعة خلال عام 2026، ارتفعت كلفة أي محاولة سعودية جديدة للحسم العسكري، بعدما وسع الحوثيون هجماتهم على المنشآت النفطية والمطارات والمرافق الاقتصادية، فيما تتطلب استعادة صنعاء حملة برية واسعة وترتيبات أمنية وسياسية تمنع عودة الجماعة إلى القتال، فما الأسباب التي حالت دون هزيمتها طوال السنوات الماضية، وما الذي يمنع الرياض من حسم الحرب عسكريًا حتى اليوم؟

سوء تقدير الحرب والاعتماد المفرط على الطيران

بدأ تعثر الحملة السعودية من تقديراتها الأولية لطبيعة الحرب، إذ دخلت الرياض المواجهة في 26 مارس/آذار 2015، متوقعة تحقيق نصر سريع عبر ضربات جوية مكثفة تمهد الطريق أمام القوات الموالية للحكومة اليمنية لاستعادة صنعاء، التي سيطر عليها الحوثيون في سبتمبر/أيلول 2014، قبل أن يتوسعوا جنوبًا بدعم من وحدات عسكرية موالية للرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح.

وامتلكت السعودية تفوقًا واسعًا في المقاتلات والذخائر بعيدة المدى والاستطلاع والإمداد العسكري، وهو تفوق يعكسه إنفاقها العسكري الذي بلغ نحو 83.2 مليار دولار عام 2025، وفق تقديرات نشرها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في 27 أبريل/نيسان 2026، لتحتل المملكة المرتبة الثامنة عالميًا والأولى في الشرق الأوسط.

واستخدم التحالف هذا التفوق بكثافة، إذ وثق “مشروع بيانات اليمن”، وهو مشروع مستقل لرصد العمليات الجوية، تنفيذ 25 ألفًا و54 غارة للتحالف بقيادة السعودية والإمارات بين مارس/آذار 2015 ومارس/آذار 2022.

لكن الطبيعة الجغرافية لليمن وفرت للحوثيين ظروفًا دفاعية مواتية، خصوصًا في المرتفعات الشمالية والغربية المحيطة بصنعاء وصعدة، حيث تنتشر سلاسل جبلية شديدة الانحدار وأودية وممرات ضيقة، تساعد على إقامة الكمائن والتحصينات وإخفاء مخازن الأسلحة، وتسمح للمقاتلين بالتحرك في مجموعات صغيرة يصعب رصدها واستهدافها.

التضاريس الجبلية في شمال اليمن ساعدت الحوثيين على التحصن ومقاومة التفوق الجوي السعودي

واكتسب الحوثيون منذ عام 2004 خبرة واسعة في حرب العصابات، معتمدين على وحدات صغيرة مترابطة اجتماعيًا وقبليًا، تستخدم الكمائن والقنص والألغام والمعرفة المحلية بالممرات الجبلية، ما صعّب على القوات المهاجمة اكتشاف مواقعهم والسيطرة عليها.

وخلص الباحث العسكري رالف شيلد، في دراسة نشرتها دار نشر جامعة كامبريدج البريطانية نهاية العام 2021، إلى أن القوة الجوية السعودية ساعدت على عرقلة تقدم الحوثيين ومنعهم من السيطرة على كامل اليمن، وحققت نتائج أفضل عند استخدامها لإسناد القوات البرية، بينما واجهت استراتيجيات القصف والحصار واستهداف القيادات صعوبات كبيرة في إخضاع الجماعة وإجبارها على الاستسلام.

وظهرت حدود هذا التفوق في معركة مأرب عام 2021، حين شن الحوثيون هجومًا واسعًا على المحافظة الواقعة شرقي صنعاء، والتي كانت تمثل أبرز معاقل الحكومة المعترف بها دوليًا في شمال اليمن، فدفع التحالف بتعزيزات عسكرية وكثف غاراته لإسناد القوات الحكومية، ما ساعد على عرقلة التقدم الحوثي، مع استمرار المعارك لأشهر دون حسم.

وفي يناير/كانون الثاني 2022، حققت “ألوية العمالقة”، وهي تشكيلات عسكرية يمنية مدعومة إماراتيًا، تقدمًا سريعًا في محافظة شبوة ومديرية حريب بمأرب، مستفيدة من التدريب والتسليح والتنظيم والإسناد الجوي، ما أبرز أهمية وجود قوات برية قادرة على استثمار الضربات الجوية وانتزاع المواقع والاحتفاظ بها.

وزادت أخطاء الاستهداف والاستخبارات من تعقيدات الحملة، إذ كشف تحقيق نشرته رويترز يوم 19 أبريل/نيسان 2016 عن اعتماد مفرط في بعض مراحل العمليات على معلومات قدمتها أطراف يمنية محلية.

وأورد التحقيق برقية دبلوماسية أمريكية تعود إلى عام 2010، وثقت إلغاء غارة سعودية بعدما تبين أن هدفًا قدمته السلطات اليمنية كان مقرًا لقائد عسكري يختلف مع الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، ما أظهر مخاطر الاعتماد على معلومات تنتجها أطراف منخرطة في صراعات محلية.

كما أثارت الغارات التي أوقعت ضحايا مدنيين انتقادات دولية متصاعدة، ففي سبتمبر/أيلول 2021، أعلن فريق الخبراء البارزين التابع لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أنه حقق منذ عام 2018 في نحو 30 غارة للتحالف أسفرت عن قتلى وجرحى مدنيين، وخلص في حالات محددة إلى وجود إخفاقات تتعلق بالتمييز والتناسب والاحتياطات المطلوبة أثناء الهجمات، وهي استنتاجات رفض التحالف عددًا منها وانتقد منهجية التحقيقات.

وساهمت الضغوط السياسية والحقوقية في تغيير مستوى الدعم الغربي للعمليات، إذ أوقفت الولايات المتحدة تزويد طائرات التحالف بالوقود جوًا عام 2018، ثم أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في فبراير/شباط 2021 إنهاء دعم العمليات الهجومية المرتبطة بالحرب، قبل رفع القيود على مبيعات الأسلحة الهجومية للسعودية عام 2024.

تضخم قوة الحوثيين وقدرتهم على تعويض الخسائر

استطاع الحوثيون الصمود أمام الحملة السعودية بفضل امتلاكهم ترسانة ثقيلة وخبرات عسكرية ومؤسسات للتمويل والتجنيد، بعدما استفادوا من أسلحة الجيش اليمني والتحالف مع الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، ثم من الدعم الإيراني في تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما عزز قدرتهم على تعويض الخسائر ومواصلة القتال.

فمع سيطرتهم على صنعاء عام 2014، أتاح لهم تحالفهم مع صالح الوصول إلى مخازن الجيش ومنظوماته العسكرية، والاستفادة من خبرات ضباط ومهندسين وفنيين في القوات المسلحة، بينما بقيت وحدات أمنية وعسكرية موالية للرئيس الأسبق تقاتل إلى جانبهم خلال السنوات الأولى من التدخل السعودي.

وشملت الأسلحة التي استولى عليها الحوثيون دبابات ومدفعية وصواريخ باليستية ومنظومات دفاع جوي، وفي يونيو/حزيران 2015، أطلقت القوات المتحالفة معهم صاروخًا باليستيًا من طراز “سكود” باتجاه السعودية، قبل أن تنقلب علاقتهم بصالح وتنتهي بمقتله في ديسمبر/كانون الأول 2017، بعدما كانت الجماعة قد استوعبت جزءًا كبيرًا من القدرات العسكرية والأمنية المرتبطة به.

ثم أسهم الدعم الإيراني في تطوير التسليح الحوثي، إذ وثقت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية في تقارير أصدرتها عام 2024، أوجه تشابه فنية بين منظومات إيرانية وصواريخ وطائرات مسيّرة استخدمتها الجماعة، إلى جانب مكونات وأسلحة ضبطت في شحنات كانت متجهة إلى اليمن.

وشملت المساعدة الإيرانية نقل معدات وتقنيات وخبرات تتعلق بتجميع الصواريخ والمسيّرات وتشغيلها، فضلًا عن التدريب وتطوير وسائل الاستهداف والملاحة والدفاع الجوي، ما ساعد الحوثيين على توسيع مدى هجماتهم واستخدام منظومات أكثر تعقيدًا.

مشهد لصواريخ خلال عرض عسكري أقامه الحوثيون في صنعاء، 21 سبتمبر/أيلول 2023 (رويترز)

وأوضح أندرياس كريغ، أستاذ الدراسات الأمنية في كلية كينغز كوليدج لندن، في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني ساعدت الحوثيين على اكتساب المعرفة التقنية المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما أسهم مهندسون عسكريون يمنيون سابقون وفنيون تلقوا تدريبًا محليًا في تطوير هذه الخبرات داخل الجماعة.

وأكدت دراسة ميدانية لمؤسسة أبحاث تسليح النزاعات البريطانية في أكتوبر/تشرين الأول 2026، سعي الحوثيين إلى تصنيع أجزاء من صواريخ باليستية متوسطة المدى مستوحاة من منظومة “خيبر شكن” الإيرانية، بعد فحص مكونات وأدوات اختبار ومواد مرتبطة بمحركات الوقود الصلب ضبطت في شحنات كانت متجهة إلى الجماعة. وكشفت وثائق الشحن عن مورد صيني لبعض المكونات، ما يشير إلى اتساع شبكات التوريد.

إلى جانب تطوير التسليح، وسّع الحوثيون قاعدتهم البشرية، إذ أورد تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2024 تقديرات بارتفاع عدد المقاتلين المرتبطين بالجماعة من نحو 30 ألفًا عام 2015 إلى 350 ألفًا.

كما وثقت الأمم المتحدة استخدام المدارس والمراكز الصيفية والحوافز والضغط الاجتماعي في تجنيد الأطفال والشباب، وتحققت في تقريرها السنوي عن الأطفال والنزاعات المسلحة لعام 2025 من تجنيد واستخدام 127 طفلًا على يد الحوثيين، محذرة من أن القيود المفروضة على الوصول إلى بعض المناطق تعيق توثيق جميع الحالات.

ماليًا، استفاد الحوثيون من سيطرتهم على مؤسسات الدولة لتحصيل الضرائب والجمارك والرسوم والجبايات، إلى جانب إيرادات قطاعات الاتصالات والوقود والأنشطة التجارية، إذ قدر فريق خبراء الأمم المتحدة في تقريره لعام 2024 الإيرادات التي جمعتها الجماعة وسيطرت عليها خلال عام 2023 بنحو 3.392 تريليونات ريال يمني (نحو 6.4 مليارات دولار أمريكي).

شملت هذه الإيرادات نحو 300 مليار ريال من نقاط جباية برية، قال الفريق إن جزءًا من عائداتها استخدم في دفع رواتب المقاتلين وتمويل أنشطة عسكرية.

وأوضحت دراسة نشرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية خلال فبراير/شباط 2026، أن الجماعة واصلت فرض الضرائب والرسوم والسيطرة على الأصول والقطاعات الاقتصادية لتعزيز مواردها، في وقت واجهت فيه الحكومة المعترف بها دوليًا تراجعًا في الإيرادات وتعطلًا لصادرات النفط وانقسامًا في المؤسسات المالية.

انقسام القوات اليمنية المناهضة للحوثيين

أدى تعدد الفصائل اليمنية المناهضة للحوثيين وتضارب المصالح السعودية والإماراتية إلى إضعاف القوة البرية التي اعتمدت عليها الرياض في الحرب، إذ توزعت القوات بين تشكيلات تختلف في قياداتها وولاءاتها وأهدافها السياسية، وانشغل بعضها بصراعات داخلية على النفوذ والمناطق الاقتصادية.

ضم هذا المعسكر وحدات الجيش الحكومي وقوات قبلية وتشكيلات محلية في مأرب، إلى جانب ألوية العمالقة المدعومة إماراتيًا، وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي وابن شقيق الرئيس اليمني الأسبق، والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي تبنى مشروع انفصال جنوب اليمن.

وسعت السعودية إلى دعم الحكومة المعترف بها دوليًا والحفاظ على دولة يمنية موحدة تضمن أمن حدودها الجنوبية، بينما دعمت الإمارات تشكيلات جنوبية ومحلية امتلكت أهدافًا سياسية وعسكرية مختلفة، خصوصًا بشأن السيطرة على عدن والموانئ والساحل الغربي ومستقبل جنوب اليمن.

بلغت الخلافات مرحلة المواجهة المباشرة في أغسطس/آب 2019، عندما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على مدينة عدن، المقر المؤقت للحكومة المدعومة سعوديًا، قبل اندلاع معارك بين الطرفين، ما أدى إلى تعميق الانقسامات داخل التحالف وإضعاف جهود تنسيق العمليات العسكرية.

خلصت دراسة لمؤسسة راند الأمريكية للأبحاث في فبراير/شباط 2021، إلى أن المظالم السياسية والاقتصادية المحلية والانقسامات بين خصوم الحوثيين أعاقت بناء تحالف مستقر، وأسهمت في إضعاف المؤسسات والقوات الحكومية.

تفاقمت هذه الخلافات أواخر عام 2025، عندما توسعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتيًا في محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن، قبل أن تتدخل قوات مدعومة سعوديًا لاستعادة المناطق، ما أدى إلى مواجهة سياسية وعسكرية علنية بين الرياض وأبوظبي.

ومع إعلان الإمارات سحب قواتها المتبقية من اليمن في ديسمبر/كانون الأول 2025، بدأت السعودية إعادة ترتيب القوات والمؤسسات الحكومية في الجنوب، ومحاولة استيعاب تشكيلات كانت تحصل سابقًا على التمويل الإماراتي.

وكشف تحقيق نشرته رويترز في 5 فبراير/شباط 2026، استنادًا إلى مسؤولين ومصادر مطلعة، أن الرياض خصصت قرابة 3 مليارات دولار خلال العام لدفع الرواتب ودعم المشروعات وتمويل قوات جنوبية، في محاولة لتوحيد الفصائل وتعزيز سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا.

لكن ضعف التنسيق العسكري ظهر مجددًا خلال سبتمبر/أيلول 2026، عندما شن الحوثيون هجومًا واسعًا على الساحل الغربي لليمن، وسيطروا على مدينة المخا ومناطق وجزر قرب مضيق باب المندب، في تقدم كشف خللًا في استعداد القوات المدعومة سعوديًا والقيادة والاستخبارات.

وكشف الهجوم سوء تقدير حجم الحشود الحوثية واستعداداتها، إلى جانب ضعف التنسيق داخل هيكل القيادة الذي تشكل بعد تراجع الدور الإماراتي، فيما نقل تحقيق نشرته رويترز عن دبلوماسي تقديره بأن الجماعة حشدت قرابة 100 ألف مقاتل دون رصد استعداداتها بصورة كافية.

ووصف نيل كويليام، الباحث المتخصص في شؤون الخليج بمعهد تشاتام هاوس البريطاني، ما حدث بأنه إخفاق استخباراتي واضح، بينما اعتبر الباحث اليمني فارع المسلمي، المتخصص في شؤون بلاده والخليج، أن السعوديين فوجئوا بالهجوم، الذي انتهى بانسحاب قوات حليفة للرياض وترك معدات وأسلحة استولى عليها الحوثيون.

ورأى المسلمي وسانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس أن التنافس السعودي الإماراتي أضعف القوى المناهضة للحوثيين، فيما قوضت الخلافات الداخلية وضعف الحوكمة والاتهامات بالفساد فاعلية مجلس القيادة الرئاسي اليمني الذي تأسس عام 2022، وأعاقت بناء مؤسسات قادرة على إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة الجماعة.

تباين المصالح السعودية الإماراتية أضعف التنسيق بين القوات اليمنية المناهضة للحوثيين وعرقل الحسم البري

تهديد العمق السعودي وارتفاع كلفة الحرب

رفع تطور الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية كلفة العمليات العسكرية على السعودية، بعدما أصبحت الجماعة قادرة على استهداف المنشآت النفطية والمطارات والمرافق الاقتصادية داخل المملكة، ما فرض على الرياض تخصيص موارد متزايدة للدفاع الجوي وحماية البنية التحتية، وأدخل المخاطر الاقتصادية والأمنية ضمن حسابات أي هجوم واسع داخل اليمن.

ظهر هذا التهديد بصورة واضحة في مارس/آذار 2022، عندما استهدف الحوثيون منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية بينها منشأة لتخزين الوقود في جدة اندلع فيها حريق كبير، إلى جانب هجمات أعلنوا تنفيذها على مواقع نفطية أخرى.

وانعكست أهمية وقف الهجمات العابرة للحدود في الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة وبدأت في 2 أبريل/نيسان 2022، إذ أوضح مشروع رصد مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها، وهو مشروع دولي متخصص في توثيق النزاعات، في دراسة نشرها بعد شهرين من الهدنة، أن العام السابق شهد أكثر من 40 حدثًا مرتبطًا بالغارات الجوية للتحالف أسبوعيًا، ونحو أربع هجمات حوثية بالصواريخ والمسيّرات على السعودية أسبوعيًا.

مع بدء الهدنة، توقفت غارات التحالف والهجمات الحوثية العابرة للحدود تقريبًا خلال الشهرين الأولين، قبل أن تنتقل الرياض تدريجيًا إلى التفاوض المباشر مع الجماعة، وتستقبل وفدًا حوثيًا في سبتمبر/أيلول 2023 لمناقشة وقف إطلاق النار والرواتب والموانئ ومطار صنعاء والترتيبات الأمنية.

خلال السنوات التالية، اكتسب الحوثيون خبرة إضافية في الهجمات بعيدة المدى، إذ كثفوا منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر، وأطلقوا صواريخ ومسيّرات باتجاه “إسرائيل”، ما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ ضربات على مواقعهم ابتداءً من يناير/كانون الثاني 2024.

وتعرضت الجماعة كذلك لضربات إسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت داخل اليمن، قبل التوصل إلى اتفاق منفصل لوقف الهجمات المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة في مايو/أيار 2025، بينما استمرت الأزمة اليمنية دون تسوية سياسية شاملة.

ومع اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الواسعة مع إيران في فبراير/شباط 2026، تصاعدت التوترات الإقليمية، ثم عادت الهجمات الحوثية على السعودية خلال يوليو/تموز، قبل أن تتوسع في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع تهديد الجماعة حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة وصادرات النفط في البحر الأحمر.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، كشفت مصادر إيرانية مطلعة لرويترز أن الرياض طلبت من الصين استخدام نفوذها لدى طهران للضغط على الحوثيين ووقف هجماتهم، بعدما نقلت باكستان تحذيرات سعودية إلى طهران، في مؤشر على سعي المملكة إلى احتواء التهديد عبر قنوات دبلوماسية إقليمية.

ثم تصاعدت الهجمات خلال أكتوبر/تشرين الأول، عندما استهدف الحوثيون مطارات ومنشآت نفطية سعودية، بينها مطار الملك خالد الدولي بالرياض، حيث أسفر أحد الهجمات عن مقتل 13 شخصًا وإصابة نحو 300 آخرين، وفق الحصيلة المعلنة آنذاك، فيما أدى هجوم على مقر شركة أرامكو في مدينة الظهران شرقي المملكة بنفس الشهر إلى اندلاع حريق وإلحاق أضرار بأجزاء من المبنى.

دخان يتصاعد من مصفاة أرامكو جنوب الرياض وسط تصاعد الهجمات الحوثية، أكتوبر/تشرين الأول 2026 (رويترز)

وأعلن المتحدث باسم التحالف بقيادة السعودية، اللواء تركي المالكي، أن الحوثيين حاولوا مهاجمة مطار الملك خالد 20 مرة خلال الشهر نفسه، وأن سلسلة الهجمات على منشآت المملكة أوقعت قتلى ومئات المصابين، مشيرًا في المقابل إلى تدمير 127 مستودعًا للأسلحة في المناطق الجبلية اليمنية، فضلًا عن منصات إطلاق مرتبطة بالجماعة.

وكشفت الهجمات عن تحديات تواجه منظومات الدفاع الجوي السعودية، خصوصًا مع اتساع مساحة المملكة وتوزع منشآتها الحيوية، واستنزاف مخزونات من الصواريخ الاعتراضية الأمريكية خلال المواجهة مع إيران، ما زاد صعوبة التعامل مع الهجمات المركبة والمتكررة.

وأوضح فرزان ثابت، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بمعهد جنيف للدراسات العليا، أن المملكة تواجه صعوبة في توفير شبكة دفاع جوي متكاملة تغطي جميع المواقع الحساسة، مشيرًا إلى أن مستوى التنسيق بين منظومات الرصد والإنذار والاعتراض يمثل تحديًا إضافيًا أمام الدفاعات السعودية.

وامتدت آثار التصعيد إلى حركة الطيران والأنشطة الاقتصادية، إذ اضطرت شركات طيران دولية إلى تعليق رحلاتها أو تعديلها، وتأجلت قمة كانت مقررة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في الرياض يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، على خلفية المخاوف الأمنية واضطرابات السفر.

صعوبة إنهاء التمرد بعد استعادة صنعاء

تواجه السعودية عقبة إضافية تتمثل في صعوبة القضاء النهائي على الحوثيين حتى في حال خسارتهم صنعاء والمدن الرئيسية، إذ تمتلك الجماعة معاقل جبلية وشبكات قبلية وعسكرية وخبرة تاريخية تسمح لها بالعودة إلى حرب العصابات، بينما تحتاج السيطرة على المناطق المستعادة إلى مؤسسات أمنية وإدارية قادرة على الحكم ومنع تجدد القتال.

فقد خاض الحوثيون ست حروب ضد الدولة اليمنية بين عامي 2004 و2010، قبل سيطرتهم على صنعاء بأربع سنوات، وتمكنوا خلالها من المحافظة على وجودهم المسلح رغم الحملات العسكرية المتكررة، مستفيدين من الطبيعة الجبلية لصعدة والمناطق المحيطة بها.

وفي دراسة أصدرتها مؤسسة راند عام 2020 بعنوان “هل يمكن أن يصبح الحوثيون حزب الله القادم؟”، ناقش الباحثون احتمالات استمرار الجماعة في حال خسارتها مناطق من سيطرتها، بما في ذلك التراجع إلى معاقلها الشمالية وإعادة بناء قدراتها العسكرية، وهي سيناريوهات تستند إلى تاريخ الحركة وبنيتها التنظيمية.

كما تفرض العمليات البرية الواسعة تحديات إنسانية وسياسية كبيرة خصوصًا في المدن ذات الكثافة السكانية العالية والمواقع الاقتصادية الحساسة، وهو ما ظهر خلال معركة الحديدة عام 2018، حين شن التحالف هجومًا بريًا وجويًا وبحريًا للسيطرة على المدينة ومينائها على البحر الأحمر.

وحذرت الأمم المتحدة آنذاك من أن معركة واسعة للسيطرة على الميناء، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا للواردات الغذائية والمساعدات الإنسانية إلى شمال اليمن، قد تؤدي إلى تفاقم المجاعة، في وقت كان نحو 8.4 ملايين يمني يواجهون خطر الجوع الشديد، ما ساهم في تكثيف الضغوط الدولية لوقف الهجوم.

وفي يوليو/تموز 2018، أعلنت الإمارات وقف عملياتها الهجومية مؤقتًا لإتاحة المجال للوساطة، قبل التوصل إلى اتفاق ستوكهولم في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، والذي أوقف الهجوم على المدينة ضمن ترتيبات لخفض التصعيد.

وتظهر المخاطر الإنسانية مجددًا مع التصعيد الحالي، إذ أفادت منظمات إغاثية خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026 بأن المعارك الجديدة عرقلت وصول المساعدات إلى نحو 800 ألف شخص، وتسببت في نزوح أكثر من 200 ألف خلال الأسابيع السابقة، بينما واجهت المستشفيات في مناطق القتال نقصًا في الأدوية والإمدادات الأساسية.

مخيم للنازحين من معارك الساحل الغربي قرب عدن، سبتمبر/أيلول 2026 (رويترز)

أما عسكريًا، فتظهر الخطط السعودية الأخيرة حجم القوات المطلوبة لمحاولة استعادة المناطق الحوثية، إذ كشف تحقيق نشرته رويترز يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استنادًا إلى ستة مسؤولين ومصادر مطلعة من المنطقة والغرب، أن الرياض تدرس حملة برية تقودها قوات يمنية بدعم جوي واستخباراتي، مع احتمال حشد أكثر من 100 ألف مقاتل وفق نطاق الهجوم.

تضمنت الخيارات المطروحة عملية محدودة لاستعادة المناطق المحيطة بباب المندب والساحل الغربي، أو هجومًا أوسع على جبهات متزامنة في البيضاء ومأرب وتعز والجوف، في محاولة لتوزيع الضغط على القوات الحوثية واستعادة مواقع استراتيجية.

وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إطلاق عمليات عسكرية لاستعادة المناطق الخاضعة للحوثيين، لكن الجماعة واصلت تنفيذ هجمات في جبهات مختلفة، بينها تعز وعدن، حيث استهدفت قصر المعاشيق الرئاسي بالصواريخ والمسيّرات، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين.

تزامنت هذه التطورات مع بحث السعودية عن دعم عسكري خارجي لتعزيز دفاعاتها وقدرات القوات المتحالفة معها، إذ أفاد مسؤول غربي لرويترز أن الولايات المتحدة قدمت مساعدة استخباراتية واستشارية، بينما ساهمت باكستان وتركيا بمعدات وخبرات عسكرية.

وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول أعلنت مصر استعدادها لتقديم دعم عسكري دفاعي للمملكة، ودعا رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي إلى عقد جلسة برلمانية عاجلة للنظر في هذا الدعم.

إلى جانب متطلبات العمليات العسكرية، تواجه الرياض معضلة إدارة المناطق التي يمكن استعادتها، إذ تحتاج السيطرة على صنعاء وبقية المدن إلى مؤسسات حكومية وأمنية قادرة على ضبط السلاح ودفع الرواتب وتوفير الخدمات، فضلًا عن ترتيبات سياسية مع القبائل والفصائل المتنافسة بشأن توزيع السلطة والموارد ومستقبل العلاقة بين شمال اليمن وجنوبه.

وفي تحليلهما بمعهد تشاتام هاوس، اعتبرت سانام وكيل وفارع المسلمي أن استمرار الضغط العسكري دون استراتيجية سياسية متماسكة يحمل مخاطر إعادة إنتاج الظروف التي سمحت للحوثيين بتعزيز سيطرتهم، وأن نجاح أي تسوية مستدامة يرتبط بإصلاح مؤسسات الحكومة اليمنية والتوصل إلى تفاهم خليجي بشأن مستقبل البلاد.

وبعد أكثر من 11 عامًا على انطلاق عملية “عاصفة الحزم”، أصبح التحدي السعودي مرتبطًا بقدرة الرياض على تحقيق أهداف عسكرية وسياسية متزامنة، تشمل استعادة المناطق الخاضعة للحوثيين، وحماية أراضي المملكة ومنشآتها الاقتصادية، وبناء سلطة يمنية قادرة على إدارة المناطق المستعادة، فيما أظهرت سنوات الحرب أن امتلاك التفوق الناري وحده لم يكن كافيًا لتحقيق هذه الأهداف.

علاماتأزمة اليمن ، أسلحة اليمن ، أطراف الصراع اليمني ، التحالف السعودي الإماراتي ، التحالف السعودي في اليمن
مواضيعالأزمة في اليمن

قد يعجبك ايضا

سياسة

لماذا تحتاج السعودية إلى مصر في مواجهة الحوثيين؟

فريق التحرير١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

إسقاط نتنياهو بأصوات العرب.. الخيار الذي يقسم المعارضة

أحمد الطناني١٨ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

ماذا سيتغير إذا خسر نتنياهو الانتخابات؟

سندس بعيرات١٨ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑