Also available in English
أثارت التحركات المصرية الأخيرة بشأن بحث إمكانية تقديم دعم عسكري للسعودية في مواجهة الحوثيين، وما صاحبها من طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تفويضًا من البرلمان يتيح التحرك حال طلبت الرياض ذلك، حالة واسعة من الجدل في الأوساط المصرية والسعودية والعربية، وفتحت الباب أمام جملة من التساؤلات بشأن دلالات هذا التطور وحدود التحول المحتمل في المقاربة المصرية تجاه الأزمة اليمنية.
في المقابل تكشف التطورات الأخيرة أن المواجهة بين السعودية والحوثيين تجاوزت إلى حد بعيد إطارها الثنائي، كما لم يعد ممكنًا التعامل معها باعتبارها مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية الممتدة منذ عام 2015، خاصة بعد اتساع نطاق التهديد ليشمل العمق السعودي والبحر الأحمر وباب المندب، وتحول الممر البحري الاستراتيجي إلى إحدى أبرز أوراق الضغط التي يوظفها الحوثيون في صراعاتهم الإقليمية، وهو ما ينقل المواجهة إلى نطاق جغرافي يتقاطع بصورة مباشرة مع اعتبارات الأمن القومي المصري ومصالح القاهرة الحيوية المرتبطة بأمن البحر الأحمر وحركة الملاحة وقناة السويس.
تفرض مجموعة من التساؤلات نفسها في محاولة لفهم المشهد وتفكيك أبعاده: هل تحتاج السعودية بالفعل إلى مصر؟ وإلى أي مدى تبدو القاهرة مستعدة للانخراط العسكري؟ وهل يرتبط هذا الخيار بحماية الأمن القومي المصري وتأمين البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، أم أنه يعكس إعادة تعريف أوسع لطبيعة الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة والرياض؟
ثم السؤال الأكثر حضورًا على ألسنة المصريين: إلى أي مدى تستطيع مصر تحمل الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لمثل هذا الانخراط، خصوصًا إذا طال أمد المواجهة؟
هل تحتاج السعودية لمصر في مواجهة الحوثيين؟
كشفت المواجهة مع الحوثيين على مدار نحو 11 عامًا عن بعض أوجه القصور في قدرة الرياض على حسم تلك المعركة، وهي المعضلة التي برزت بصورة أكبر خلال جولة المواجهة الأخيرة الممتدة منذ أوائل سبتمبر/أيلول وحتى اليوم، فالمملكة، رغم ما تمتلكه من أسلحة متطورة وتكنولوجيا عسكرية حديثة، إلى جانب قوة جوية متقدمة ومنظومات دفاع جوي وصاروخي متعددة، لا تزال تواجه صعوبات كبيرة في احتواء الهجمات الحوثية والحد من قدرتها على الوصول إلى أهداف داخل الأراضي السعودية.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي تواجهها السعودية؛ فهي لا تتعلق بالضرورة بنقص السلاح أو العتاد، بقدر ارتباطها بهوية الخصم وطبيعة التهديد الذي يمثله، فالحوثيون ليسوا جيشًا نظاميًا يمكن مواجهته وفق قواعد واستراتيجيات القتال التقليدية، فضلًا عن أن التطور النوعي الذي شهدته ترسانتهم العسكرية خلال السنوات الماضية عزز بصورة كبيرة من قدراتهم الهجومية.
وفي ظل المساحة الجغرافية الشاسعة للسعودية، وامتلاك الحوثيين قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تستطيع الوصول إلى مناطق متباعدة داخل أراضيها، تصبح مهمة توفير مظلة دفاعية محكمة لهذه المساحة الممتدة من الدمام شرقًا إلى عسير جنوبًا، بكل ما تضمه من مدن ومطارات ومنشآت نفطية ومحطات للطاقة وموانئ وبنى تحتية حيوية، مهمة شديدة الصعوبة والكلفة.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا مع اعتماد الحوثيين على توزيع عملياتهم وهجماتهم جغرافيًا، بداية من المناطق الجنوبية في أبها وخميس مشيط ونجران وجيزان، مرورًا بالمدينة المنورة، ووصولًا إلى مطار الملك خالد في الرياض ومنشآت أرامكو، وحتى مطار الملك فهد في الدمام والمنشآت النفطية في المنطقة الشرقية، وهو اتساع جغرافي يفرض على الدفاعات السعودية التعامل مع مسرح عمليات مترامي الأطراف، ويتطلب قدرات كبيرة على الرصد والإنذار المبكر والاعتراض وحماية عدد ضخم من الأهداف الحيوية في وقت واحد.
ومما ضاعف من حجم الضغوط على الرياض انتقال التهديد إلى باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية الحيوية بالنسبة إلى المملكة، وتحوله إلى ورقة ضغط إضافية في أيدي الحوثيين يمكن توظيفها لتهديد الملاحة والمصالح السعودية.
تزداد حساسية هذه الورقة في ظل الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز، الشريان البحري الأهم لصادرات الطاقة الخليجية، بما يضع المملكة أمام معادلة استراتيجية شديدة التعقيد بين ممرين بحريين حيويين يمكن أن يتعرضا للضغط والاضطراب، بالتزامن مع استمرار احتمالات الاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة داخل الأراضي السعودية.
أمام هذا المشهد، تبدو السعودية في حاجة ماسة إلى دعم حلفائها وشركائها في مواجهة التهديد الحوثي، وهو ما تعززه التقارير التي تحدثت عن شعور سعودي بخيبة أمل إزاء محدودية مستوى المساندة التي تلقتها المملكة من بعض حلفائها، قياسًا بحجم التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجهها.
ما الذي تغير في حسابات القاهرة؟
منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، تبنت الدولة المصرية مقاربة اتسمت، في جانب كبير منها، بالحذر تجاه الانخراط في عمليات عسكرية خارج حدودها، وباستثناء المشاركة في حرب تحرير الكويت عام 1991، ظل الحضور القتالي المصري المباشر والمعلن خارج الأراضي المصرية محدودًا.
حتى الضربات الجوية النوعية التي نفذها الطيران المصري داخل ليبيا في سياق مواجهة التنظيمات المسلحة عام 2017، لا يمكن وضعها في الإطار ذاته لحرب خارجية ممتدة، كونها جاءت في صورة عمليات محدودة ومركزة، ارتبطت بالرد على هجمات استهدفت مواطنين مصريين ومصالح مرتبطة بالأمن القومي المباشر.
ومع انطلاق عملية “عاصفة الحزم” بقيادة السعودية عام 2015، اتخذت القاهرة موقفًا سياسيًا داعمًا للتحالف العربي، فيما ظلت مشاركتها العسكرية محكومة بسقف واضح، أقرب للرمزية منها للاصطفاف الكامل، وتركز جانب مهم منها في المهام البحرية المرتبطة بتأمين الملاحة والممرات الاستراتيجية، مع تجنب الانخراط في حرب برية واسعة داخل اليمن، وهو التحفظ الذي لم يتطابق آنذاك بصورة كاملة مع تطلعات الرياض بشأن مستوى المشاركة المصرية مما أثار حفيظتها آنذاك.
وهنا تساؤل يفرض نفسه: ما الذي تغير حتى أصبحت القاهرة تضع سيناريو الدعم العسكري للسعودية على طاولة البحث؟ ورغم أن المسألة لا تزال في طور الدراسة، في ظل غياب معلومات تفصيلية تحدد طبيعة المشاركة المحتملة وحجمها ومستواها وحدودها العملياتية، فإن مجرد طرح الملف بهذه الكيفية، ونقله إلى المؤسسة التشريعية للبت فيه، يمثل خطوة نوعية في المعادلة المصرية، ويعكس تحولًا لافتًا في المقاربة التقليدية تجاه الانخراط العسكري خارج الحدود، وهو تحول يصعب التعامل معه باعتباره مجرد إجراء سياسي عابر.
فالأسابيع الأخيرة شهدت تغيرات لافتة في المعادلة الإقليمية المرتبطة بالمشهد اليمني، فالحوثيون اليوم ليسوا كما كانوا في المراحل الأولى من الحرب؛ إذ باتوا يمتلكون نفوذًا أوسع وأجندة إقليمية أكثر وضوحًا، إلى جانب قدرات عسكرية وصاروخية متنامية، والأهم أن قدرتهم على تهديد باب المندب والملاحة في البحر الأحمر نقلت تأثير الأزمة اليمنية إلى نطاق يتقاطع بصورة مباشرة مع المصالح المصرية.
فقد انعكست اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر بصورة قاسية على حركة السفن العابرة لقناة السويس، وتحدثت القاهرة عن خسائر تجاوزت 10 مليار دولار، ما جعل التهديد في جنوب البحر الأحمر يتجاوز بالنسبة إلى مصر حدود الأزمة اليمنية ليقترب من أحد أهم شرايينها الاقتصادية ومصادر النقد الأجنبي، ومن هنا بدأت القاهرة تنظر بقدر أكبر من القلق إلى تنامي القدرات الحوثية، وما قد يترتب عليها من إعادة تشكيل لموازين النفوذ والأمن في البحر الأحمر.
إلى جانب الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية، يبرز بعد اقتصادي لا يمكن فصله عن أي تغير محتمل في المقاربة المصرية، فالعلاقات الاقتصادية بين القاهرة والرياض تمتد إلى شبكة واسعة من المصالح، بداية من الاستثمارات السعودية في السوق المصرية والودائع والمساندة المالية التي قدمتها المملكة خلال مراحل مختلفة، وصولًا إلى العمالة المصرية الكبيرة في السعودية، والتي تمثل تحويلاتها أحد روافد النقد الأجنبي المهمة للاقتصاد المصري، ومن ثم فإن استقرار المملكة لا ينفصل، من زاوية المصالح، عن حسابات اقتصادية مصرية مباشرة.
وهناك بعد سيادي وسياسي لا يمكن إغفاله كذلك، يتعلق بسعي القاهرة إلى الحفاظ على موقعها داخل معادلة إقليمية تتعرض لإعادة تشكيل متسارعة، في ظل تنافس قوى دولية وإقليمية متعددة على النفوذ وترتيبات الأمن في المنطقة.
ومع تزايد الحضور الأمريكي والتخوف من التنامي الإسرائيلي من جهة، والتحركات الروسية والصينية من جهة أخرى، فضلًا عن المصالح والحسابات الأوروبية، يصبح ترك مساحات استراتيجية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها البحر الأحمر، عرضة لتنافس تلك الأجندات أمرًا قد تراه القاهرة مهددًا لمصالحها وأمنها القومي ومكانتها الإقليمية.
لكن، وأمام كل تلك الحسابات المركبة والمتشابكة، تبقى طبيعة الانخراط العسكري المصري المحتمل دعمًا للسعودية هي البوصلة القادرة على تفسير حدود التحول في موقف القاهرة واتجاهاته، فالفارق كبير بين تقديم دعم دفاعي واستخباراتي وتأمين البحر الأحمر، وبين المشاركة في عمليات هجومية أو الانخراط في حرب برية مفتوحة داخل اليمن.
ومن هنا ينتقل السؤال من دوافع التحول المصري إلى مضمونه العملي: ما الذي تستطيع القاهرة أن تقدمه للرياض في هذه المرحلة، وما حدود الدور العسكري الذي يمكن أن تقبل به دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة؟
هذا ما تريده الرياض
تنظر الرياض إلى القاهرة باعتبارها داعمًا يمكن أن يضيف إلى قدراتها في هذه المواجهة عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول يتعلق بالجانب العسكري، حيث يمكن لمصر أن تسهم في توسيع نطاق التغطية الدفاعية في مواجهة الهجمات الحوثية التي تتوزع على مساحات واتجاهات مختلفة من المملكة، من الشرق إلى الغرب والجنوب، بما يخفف الضغط الواقع على منظومات الدفاع السعودية ويعزز قدرتها على حماية المنشآت والمواقع الحيوية.
كما يمكن للدور المصري أن يضيف عمقًا استراتيجيًا أوسع للمواجهة، خاصة في ظل الموقع الجغرافي لمصر، الذي يسمح لها بالعمل من الاتجاه الشمالي للبحر الأحمر، والمساهمة في تأمين خطوط الملاحة الممتدة باتجاه قناة السويس، فضلًا عن تقديم الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي وتعزيز قدرات الرصد والإنذار المبكر وتبادل المعلومات.
أما المسار الثاني فيتعلق بالجانب السياسي، إذ يمنح انخراط القاهرة إلى جانب الرياض الأخيرة فرصة لالتقاط الأنفاس ويوفر لها هامشًا أوسع للحركة والمناورة على المستويين الداخلي والخارجي، لا سيما بعد سنوات من تجربة التحالف العربي في اليمن وما رافقها من انتقادات دولية وتباينات وخلافات بين بعض أطرافه، انعكست في النهاية على قدرة التحالف على حسم المعركة رغم الفارق الكبير في الإمكانيات والقدرات العسكرية.
فيما يذهب المسار الثالث باتجاه الدعم اللوجستي والاستراتيجي الأوسع الذي من شأنه أن ينقل المواجهة من نطاقها السعودي-الحوثي الضيق إلى إطار أوسع يرتبط بالأمن العربي وأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة في ممراته الاستراتيجية، بما يعزز موقف المملكة ويساعدها على تقاسم أعباء المواجهة، خاصة في ظل محدودية مستوى الانخراط العسكري المباشر من جانب عدد من حلفائها الغربيين.
وتلك خيارات القاهرة
يمكن للقاهرة الاختيار من بين مستويات متدرجة من الدعم المحتمل الذي يمكن تقديمه للمملكة، أولها التعاون الاستخباراتي والاستطلاع وتبادل المعلومات بشأن تحركات المسيّرات والصواريخ والمنصات البحرية الحوثية.
ولعل الموقع الجغرافي المصري على البحر الأحمر يمنح القاهرة ميزة مهمة في هذا المسار، ويسمح لها بأداء دور في عمليات الرصد والمراقبة وتبادل المعلومات، وهو امتداد لأدوار أمنية وبحرية سبق أن اضطلعت بها مصر منذ انضمامها إلى التحالف العربي وعملية “عاصفة الحزم” عام 2015.
أما المستوى الثاني من الدعم فيتعلق بالمشاركة في الدفاع البحري وتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بما يشمل مراقبة الممرات البحرية، والمساهمة في حماية السفن والمنشآت الحيوية من الهجمات، وربما مرافقة السفن التجارية في المناطق الأكثر عرضة للتهديد.
ويعزز من فرص هذا السيناريو أن مصر عضو منذ أبريل/نيسان 2021 في القوات البحرية المشتركة (Combined Maritime Forces – CMF)، وهي شراكة بحرية متعددة الجنسيات تضم عشرات الدول وتعمل على تعزيز الأمن البحري وحرية الملاحة، كما سبق للبحرية المصرية، المتطورة نسبيًا، أن تولت قيادة قوة المهام المشتركة 153 المعنية بالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
ثم يأتي المستوى الثالث، وهو الأكثر تقدمًا وحساسية، ويتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا من الدولة المصرية، ويتعلق بالمشاركة في تعزيز الدفاع عن المنشآت والمواقع الحيوية داخل الأراضي السعودية، سواء عبر وسائل ومنظومات للدفاع الجوي أو من خلال عناصر فنية وعسكرية مساندة، وهو أمر ليس الأول من نوعه، إذ سبق وأن قدمت مصر هذا النوع من الدعم لدول خليجية منذ بداية الحرب الحالية، كالإمارات والبحرين.
فيما يبقى المستوى الرابع، وهو الأكثر خطورة وكلفة، والمتعلق بنشر قوات برية مصرية داخل اليمن والمشاركة بصورة مباشرة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين، ويبدو هذا السيناريو الأقل حظًا مقارنة بالخيارات السابقة، بالنظر إلى ما يحمله من حسابات سياسية وعسكرية واقتصادية شديدة التعقيد، فضلًا عن احتمالات تحوله إلى التزام طويل الأمد قد لا تكون القاهرة مستعدة لتحمل تبعاته في الوقت الراهن، ولدى القاهرة بالفعل ذاكرة تاريخية غير إيجابية فيما يتعلق بالانخراط العسكري المباشر في اليمن، تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
فالجغرافيا اليمنية المعقدة، وطبيعة القتال غير النظامي، وانتشار الجماعات المسلحة، وتشابك البنى السياسية والقبلية والعسكرية، تجعل أي تدخل بري واسع قابلًا للتحول سريعًا من عملية محدودة الأهداف والسقف الزمني إلى حرب استنزاف طويلة ومفتوحة، بل إن الكثير من هذه التعقيدات بات اليوم أكثر حدة مما كان عليه الوضع قبل أكثر من نصف قرن، في ظل تعدد الفاعلين المسلحين وتطور أدوات الحرب واتساع نطاق التدخلات الإقليمية والدولية في الساحة اليمنية.
لكن، ورغم تراجع حظوظ هذا الخيار مقارنة بمستويات الدعم الأخرى، فإنه وفق حسابات الاحتمالات يظل سيناريو قائمًا ضمن قائمة الخيارات، خاصة إذا شهدت المواجهة مزيدًا من التصعيد أو اتسعت دائرة التهديدات على نحو يفرض إعادة تقييم حدود المشاركة المصرية، وفي ظل سيولة المشهد وصعوبة التنبؤ بمساراته، يبقى السؤال الأكثر حساسية: ماذا لو أقدمت مصر بالفعل على خيار التدخل العسكري المباشر.. هل تستطيع تحمل كلفته؟
كلفة باهظة.. هل تتحملها مصر؟
أولى الكلف التي قد تدفعها القاهرة حال انخراطها بصورة مباشرة في المواجهة هي تحول مصر نفسها إلى طرف في الحرب، بما يعنيه ذلك من دخول أراضيها ومصالحها ومنشآتها الحيوية ضمن دائرة التهديد الحوثي، وهو سيناريو لا يمكن استبعاده بالنظر إلى التطور الذي شهدته القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة لدى الجماعة خلال السنوات الأخيرة، وما أظهرته من قدرة على استهداف مواقع تقع على مسافات بعيدة من مناطق سيطرتها.
تتراوح المسافة بين مسرح العمليات الذي يسيطر عليه الحوثيون على الساحل الغربي لليمن وأقرب النقاط المصرية المطلة على البحر الأحمر عند حلايب وشلاتين في حدود 1100 إلى 1200 كيلومتر تقريبًا، وهي مسافة تقع نظريًا ضمن مدى بعض القدرات الصاروخية التي أظهر الحوثيون امتلاكها، وتزداد هذه المخاوف في ضوء نجاح الجماعة في تنفيذ هجمات على أهداف تقع على مسافات أبعد، كان من أحدثها استهداف منطقة مطار الملك فهد في المنطقة الشرقية السعودية، التي تفصلها عن مناطق الإطلاق المحتملة في اليمن مسافات تتجاوز 1300 كيلومتر.
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه منظومة الدفاع الجوي المصرية تحديًا شديد التعقيد يتعلق باتساع رقعة المجال المطلوب تأمينه وتعدد اتجاهات التهديد، في ظل حدود غربية ممتدة مع ليبيا، وجبهة جنوبية مرتبطة بالتطورات في السودان، وحدود شمالية شرقية شديدة الحساسية مع قطاع غزة وإسرائيل، فضلًا عن السواحل الطويلة على البحرين الأحمر والمتوسط.
ومن ثم فإن إضافة تهديد جديد بالصواريخ والمسيّرات القادمة من اتجاه البحر الأحمر من شأنه أن يفرض أعباء إضافية على قدرات الرصد والإنذار المبكر والدفاع الجوي، كما أن أي اختراق ناجح يستهدف منشآت أو مناطق سياحية وحيوية قد تكون له انعكاسات اقتصادية وأمنية تتجاوز الأضرار المباشرة للهجوم، وفي مقدمتها التأثير المحتمل على قطاع السياحة وثقة الأسواق.
هذا بخلاف سيناريو آخر ربما يكون أسرع وأقل كلفة بالنسبة إلى الحوثيين، ويتمثل في تصعيد عملياتهم ضد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، بما يؤدي إلى مزيد من الاضطراب في حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.
مثل هذا السيناريو قد يمثل ورقة ضغط أكثر فاعلية على القاهرة من محاولة استهداف الأراضي المصرية بصورة مباشرة، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للقناة باعتبارها أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي، فضلًا عن أن أي تراجع جديد في حركة الملاحة من شأنه مضاعفة الضغوط الواقعة بالفعل على الاقتصاد المصري.
أما على المستوى السياسي، فإن الانتقال إلى المشاركة العسكرية المباشرة قد يعيد تموضع القاهرة داخل شبكة الصراعات الإقليمية، ويهدد التوازن الذي حاولت الحفاظ عليه في علاقاتها مع أطراف مختلفة، وفي مقدمتها إيران والقوى والفصائل المتحالفة معها في المنطقة، وقد تكون لذلك ارتدادات تتجاوز الساحة اليمنية نفسها، فضلًا عن أن المشاركة في عمليات عسكرية ممتدة قد تحمل مصر جزءًا من الكلفة السياسية والإنسانية المترتبة على الحرب، خصوصًا إذا اتسع نطاق العمليات أو سقط ضحايا مدنيون.
وقبل كل ذلك، تبقى الكلفة الاقتصادية أحد أهم القيود على أي قرار مصري بالانخراط المباشر، فالاقتصاد المصري، الذي يواجه بالفعل ضغوطًا والتزامات مالية كبيرة، قد لا يكون مهيأً لتحمل نفقات مواجهة عسكرية مفتوحة وغير محددة السقف الزمني، حتى مع افتراض وجود مساهمات أو تعويضات مالية من السعودية ودول الخليج، فالحروب الممتدة لا تقتصر تكلفتها على تشغيل القوات والأسلحة، وإنما تمتد إلى الإمداد والصيانة والذخائر وتأمين القوات والمنشآت، فضلًا عن التداعيات غير المباشرة على الاستثمار والسياحة والتجارة والملاحة.
تزداد خطورة هذا السيناريو إذا تحولت المشاركة المحدودة إلى مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد، بما قد يجعلها بابًا لاستنزاف موارد مصر الاقتصادية والعسكرية في وقت تحتاج فيه القاهرة إلى توجيه جانب كبير من قدراتها إلى تحدياتها الداخلية وحدودها المباشرة، كما أن لهذا البعد انعكاساته على المزاج الشعبي في الداخل، خاصة في ظل وجود قطاع من المصريين ينظر بتحفظ إلى الانخراط في حرب خارجية لا تزال مصر، حتى الآن، بعيدة عن ساحتها المباشرة.
ومن هنا فإن المعضلة أمام القاهرة لا تتعلق فقط بقدرتها العسكرية على المشاركة، وإنما بما إذا كانت المكاسب الاستراتيجية المتوقعة من هذا الانخراط تبرر كلفته ومخاطره المحتملة، فالفارق كبير بين تقديم دعم دفاعي محدود للسعودية وتأمين البحر الأحمر، وبين التحول إلى طرف مباشر في حرب مفتوحة مع الحوثيين؛ إذ إن قرار الدخول قد يكون أسهل كثيرًا من تحديد توقيت وشروط الخروج منها.
في المحصلة، وبعيدًا عما يمكن أن تؤول إليه التطورات بشأن طبيعة ومستوى الدعم العسكري المصري المحتمل للسعودية، فإن المشهد في مجمله يبدو متجهًا نحو محاولة مصرية لإعادة تعريف طبيعة الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، ونقلها من إطار يقوم بصورة أساسية على المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي المتبادل، إلى شراكة أمنية واستراتيجية أوسع تنظر إلى أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس باعتبارها حلقات مترابطة داخل مسرح أمني واحد، يصعب فصل أي منها عن الآخر.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي أمام القاهرة والرياض لا يكمن بالضرورة في قرار الانخراط في مواجهة مع الحوثيين بقدر ما يتمثل في كيفية إدارة هذه المواجهة وإنهائها، وتحديد سقفها السياسي والعسكري منذ البداية، ورسم الحدود الفاصلة بين الردع والدفاع من جهة، والانزلاق إلى حرب مفتوحة من جهة أخرى، فالتحدي الأكثر تعقيدًا لن يكون في قدرة البلدين على توظيف ما يمتلكانه من قوات وإمكانات، وإنما في ضبط حدود استخدام هذه القوة، وتحديد أهدافها وشروط الخروج منها، بما يحول دون تحول الدعم المحدود إلى التزام عسكري طويل الأمد يصعب التحكم في مساراته أو كلفته.