• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

السعودية والإمارات متهمتان برشوة كوشنر بملياري دولار.. ماذا كشف هاتفه المخترق؟

ماثيو كول٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

مقتطف حصري من كتاب “الأمراء واللصوص: المخطط السري لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط “، يتناول كيف كشفت الحسابات المصرفية عن روابط بين صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره السابق، من جهة، وإسرائيل والإمارات والسعودية، من جهة أخرى.

في أواخر ربيع عام 2020، اتصل بي مصدر موثوق ليروي لي قصة. كانت الحكومة الهولندية قد اخترقت هاتف جاريد كوشنر وراقبته أثناء دخوله إلى حساب مصرفي في دبي. وقال المصدر إنّ ما أثار الاستغراب هو أنّ الأموال الموجودة في الحساب، والبالغة مئات الملايين من الدولارات، جاءت من بنك في أذربيجان. والأهم من ذلك أن كوشنر بدا وكأنه حوّل مبالغ مالية كبيرة من الحساب في دبي إلى أشخاص آخرين، من بينهم أحد أمراء الحرب ومرتزق وقاتل مأجور سابق. قلت لمصدري إن القصة تبدو غير معقولة. ومع ذلك…!

بعد ستة أشهر، وجدت نفسي أتحدث مع شخص آخر عن حكومة الإمارات العربية المتحدة واستخدامها للمرتزقة في النزاعات الدائرة في الشرق الأوسط وأفريقيا. وخلال الحديث، سألته بشكل عفوي عما إذا كان يعرف شيئًا عن كوشنر والتحويلات المصرفية من حساب في الإمارات. ساد الصمت للحظة، ثم أجاب: “نعم”.

على مدى السنوات الأربع التالية، علمتُ أن جهاز الاستخبارات والأمن الدفاعي الهولندي (MIVD) توصّل، في أواخر عام 2017، إلى اكتشاف مذهل. فقد كان أحد عملاء جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي (GRU)، وهو قرصان إلكتروني متخصص في سرقة البيانات المصرفية عبر الشبكة المظلمة، متوجهًا إلى المملكة المتحدة في مهمة تجسس. فتواصل الجهاز مع الحكومة البريطانية للحصول على إذن باعتقاله فور وصوله، ووافقت الحكومة على ذلك.

وعندما وصل المواطن الروسي إلى إنجلترا، أبلغه الهولنديون بأنّ أمامه خيارين: إمّا أن يعمل لصالحهم ضد جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي، وإمّا أن تعتقله السلطات البريطانية. وبمجرد أن يصبح في عهدة السلطات البريطانية، ستوجَّه إليه تهمة التجسس، وإذا أُدين، فسيقضي سنوات في أحد السجون البريطانية. وهكذا، اختار الروسي تغيير الجهة التي يعمل لصالحها.

“الأمراء واللصوص: المخطط السري لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط” للكاتب ماثيو كول

في وقت لاحق من ذلك العام، مكّن العميل الروسي عناصر الاستخبارات الهولندية من الوصول إلى أحد أكثر الأصول حساسية لدى جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي. وكان فريق القرصنة والعمليات السيبرانية التابع للجهاز، والمتمركز في روستوف بروسيا، يدير خادمًا عن بُعد يخزّن عليه بعض البيانات التي استولى عليها. وأثناء فحص هذه الملفات السرية، عثر الهولنديون على شيء مذهل: لقطات شاشة من هاتف آيفون الخاص بجاريد كوشنر.

وفي لاهاي، حاول فريق الاختراق التابع لجهاز الاستخبارات والأمن الدفاعي الهولندي استخدام الهندسة العكسية لفهم كيفية اختراق الروس لهاتف كوشنر. كان كوشنر يمتلك أحدث طراز آنذاك، وهو هاتف “آيفون إكس”، الذي طُرح في نوفمبر 2017، وكان مزودًا بميزة التعرّف على الوجه (Face ID)، وهي خاصية أمنية متطورة للغاية روّجت لها شركة آبل عند إطلاق الهاتف.

كان الفريق الهولندي يحاول، مجازًا، العثور على طريقة لفتح الهاتف، حين خطر له أنّ الروس ربما وجدوا نافذة مفتوحة للدخول منها بدلًا من ذلك. وكانت فرضيتهم صحيحة؛ فبحلول أوائل عام 2018، اكتشف جهاز الاستخبارات والأمن الدفاعي الهولندي ثغرة أمنية في هاتف آيفون أتاحت له الوصول إليه.

لكن هذه الثغرة لم تكن تتيح تحكمًا كاملًا بالهاتف، فبعض البرمجيات الخبيثة تسمح للمخترق بتحويل هاتف الضحية إلى ميكروفون وكاميرا لتسجيل الصوت والصورة، والتحكم في تشغيل الهاتف وإيقافه، وسحب الملفات الموجودة عليه وإضافة ملفات جديدة. أما الحل الهولندي، فلم يوفّر هذا المستوى من التحكم، بل أتاح للفريق رؤية شاشة كوشنر أثناء استخدامه الهاتف فحسب.

وبعد وقت قصير جدًا من تمكنهم من اختراق الهاتف، بدأ جهاز الاستخبارات بالتقاط صور لكل ما يظهر على شاشة كوشنر أثناء استخدامه الجهاز، وحفظها تباعًا ضمن أرشيف المراقبة على خوادمه الداخلية.

وأثناء مراقبتهم لهاتف كوشنر، اكتشفوا أنه يستخدمه لتسجيل الدخول إلى حساب مصرفي في الإمارات. وبحلول الوقت الذي تمكن فيه الجواسيس الهولنديون من الاطلاع على شاشة الهاتف، كان الحساب قد تلقّى مئات الملايين من الدولارات من أحد البنوك في أذربيجان. وكان تقديرهم الأولي أنّ الحساب المصرفي مرتبط بالحكومة الأذربيجانية.

بالنسبة إلى قراصنة جهاز الاستخبارات والأمن الدفاعي الهولندي، أصبح الحساب المصرفي لغزًا استخباراتيًا يتعين عليهم فكّ خيوطه. واتسمت معظم الملفات التي عملوا عليها بشبهات تتعلق بمؤامرات روسية. وبعد ما يزيد قليلًا على عام من تولّي ترامب الرئاسة للمرة الأولى، وكما هي الحال مع عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والمدعين الفيدراليين في واشنطن العاملين على تحقيق روبرت مولر، لم يكن جهاز الاستخبارات والأمن الدفاعي الهولندي يملك سوى جزء من الصورة الكاملة.

تقاطعت مصالح كوشنر مع مصالح محمد بن زايد، حاكم الإمارات، ومحمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، في توقيت مثالي، إذ كان محمد بن سلمان يطمح إلى الوصول إلى ولاية العهد، بينما سعى محمد بن زايد إلى إفشال الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة أوباما، في حين أراد كوشنر أن يساعده الرجلان في إجبار الفلسطينيين على إبرام اتفاق تقبل به إسرائيل.

ورغم الانطباع الشائع عن ثروته الهائلة، لم يكن كوشنر مستقلًا ماليًا بالكامل عن والديه؛ إذ اقترب موعد استحقاق قرض بقيمة مليار دولار مرتبط بأحد أبرز عقارات شركة العائلة، “كوشنر كومبانيز”، وهو مبنى المكاتب رقم 666 في شارع فيفث أفينيو بمانهاتن، نيويورك.

في بداية الولاية الرئاسية الأولى لترامب، عرض محمد بن زايد ومحمد بن سلمان تمويل صندوق سري مخصص لمساعدة الإدارة الجديدة على تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية. وكان من بين الأمثلة على ذلك المساعدة في تمويل الجدار الذي وعد ترامب ببنائه على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، في مسعى لتأمين ولاية ثانية له في البيت الأبيض. وناقش الأميران مع كوشنر في البداية تخصيص أكثر من 10 مليارات دولار لهذا الغرض.

لكن الفكرة الأوسع نطاقًا، المتمثلة في إنشاء صندوق سري لتمويل أهداف السياسة الخارجية، تلاشت في غضون أشهر، مع ضغط محمد بن زايد على إدارة ترامب لدعم مساعي محمد بن سلمان للوصول إلى ولاية العهد، ومن ثم تولّي العرش مستقبلًا. وبدلًا من ذلك، أودع محمد بن زايد ومحمد بن سلمان في البداية، ثم محمد بن زايد وحده لاحقًا، ما لا يقل عن ملياري دولار في حسابين مصرفيين على الأقل لصالح كوشنر.

ولا يزال من غير الواضح كيف رتّب الأميران دفعاتهما المشتركة البالغة ملياري دولار، لكنهما تقاسما التكلفة فعليًا. ولتوضيح الأمر، من الأفضل فهم الجهة التي كانت تتحكم في كل حساب مصرفي وكيفية إدارتها له.

كان حساب “ألفا” لدى بنك أبوظبي الأول، أكبر بنوك الإمارات العربية المتحدة، تحت إشراف طحنون بن زايد، شقيق محمد بن زايد، الذي شغل منصب رئيس مجلس إدارة البنك. وابتداءً من عام 2017، حوّل السعوديون والإماراتيون نحو 750 مليون دولار إلى الحساب.

خُصص حساب “ألفا” لتمويل أهداف السياسة الخارجية، على أن يتولى كوشنر ومحمد بن زايد الإشراف على هذه الأموال وإدارة جزء منها. واعتقد الاثنان أنّ خريطة المنطقة بحاجة إلى إعادة رسم، في إطار مساعيهما للتوصل إلى تسوية كبرى تنهي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

قال مصدر مطّلع على الاتفاق بين الإمارات وكوشنر: “كان جاريد يبحث عن طرق مختصرة في الدبلوماسية”. وقد أجرى هذا المصدر مناقشات مع مسؤولين كبار في كل من الإمارات وإسرائيل حول الترتيب المالي السري بين كوشنر والإمارات، والسعودية أيضًا في المرحلة الأولى على الأقل.

وأضاف: “وعد جاريد محمد بن زايد بالعمل على تمرير أجندتهم لدى ترامب إذا ساهموا في تمويل الصندوق؛ إذ رغب في تحقيق التطبيع مع إسرائيل حتى تزدهر الأعمال التجارية”.

وأوضح المصدر أن الصناديق السرية — وهي أموال مجمّعة مخصصة لأهداف دبلوماسية لا تُسجَّل في الدفاتر الرسمية — تُعد شكلًا شائعًا من أشكال الفساد الحكومي في الخليج. وتابع: “يلجأ الإماراتيون والسعوديون إلى ذلك مرة كل عام. فمليار أو مليارا دولار لا يعنيان شيئًا بالنسبة إليهم، وإذا كان الإنفاق يحقق لهم غاياتهم، فهو في نظرهم مالٌ أُنفق في محلّه”

بدا حساب “ألفا” وكأنه مصدر تمويل لبرنامج حكومي إماراتي، يدفع محمد بن زايد من خلاله رواتب موظفيه الحكوميين أو يمول المدارس الحكومية. لكن طريقة تدفّق الأموال إلى الحساب والجهات التي مرّت عبرها كشفت أن الغرض كان إبقاءه سريًا، بما يجعله أقرب إلى مخطط سري وغير مشروع، لا سيّما أن مستشارًا رفيع المستوى للرئيس الأمريكي كان يتولى إدارة جزء من هذه الأموال.

لاحظ الجواسيس الهولنديون الذين راقبوا حساب “ألفا” أنّ الأموال بأكملها أُرسلت بالدولار الأمريكي عبر أحد البنوك في أذربيجان. وتؤدي أذربيجان دورًا فريدًا في عمليات غسل الأموال؛ إذ يحتفظ بنكها المركزي بمستويات مرتفعة من الدولار الأمريكي ضمن احتياطياته، دون أن يلتزم بأعلى معايير الشفافية المصرفية.

ونتيجة لذلك، تعتمد البنوك الأذربيجانية ممارسات راسخة — وإن كانت غير معلنة — تتمثل في العمل كمحطات عبور للتحويلات المالية الكبيرة، تُستبدل خلالها العملات الأجنبية بمبالغ معادلة بالدولار. ومقابل رسوم تتراوح بين 6 و7 في المئة تقريبًا من قيمة المعاملة، تقبل بعض هذه البنوك تحويلات من عملاء يرغبون في نقل مبالغ بالريال السعودي أو الدرهم الإماراتي تعادل مئات الملايين من الدولارات.

يرسل العميل السعودي أو الإماراتي الأموال إلى البنك الأذربيجاني، الذي يستخدم بدوره حسابًا مصرفيًا داخليًا آخر لتحويل ما يعادل المبلغ  بالدولار الأمريكي إلى الوجهة التي يحددها العميل. ويتعذر على مدققي الحسابات كشف هذه التعاملات المالية الخفية.

لم تكشف المراجعة المحدودة للمعلومات  — التي أجراها الهولنديون أثناء مراقبة هاتف كوشنر — سوى ما بدا أنه حساب مصرفي مرتبط بالحكومة الأذربيجانية، حوّل مئات الملايين من الدولارات إلى حساب في دبي. لكن حساب “ألفا” انطوى على جانب آخر لم يتمكن الهولنديون من رؤيته أو فهمه، وكشف هذا الجانب الغرض السري من هذه الأموال: فلم يكن كوشنر مالكًا للحساب المصرفي لدى بنك أبوظبي الأول، بل كان مفوّضًا بالتوقيع عليه، فيما تعود ملكية الحساب وإدارته إلى مؤسسة خيرية إماراتية.

عندما بدأ محمد بن زايد ومحمد بن سلمان ضخ الأموال في حساب “ألفا” عام 2017، كانت “مؤسسة وطني الإمارات” — وهي مؤسسة خيرية تمولها الحكومة الإماراتية — تحت إدارة ضرار بلهول الفلاسي. وكان بلهول تكنوقراطيًا وعضوًا في المجلس الوطني الاتحادي، كما كان صديقًا لأحد أقرب أصدقاء محمد بن زايد ومستشاريه.

ونتيجة لذلك، اضطلع الفلاسي ومؤسسة “وطني الإمارات” بمهمة ثانية؛ إذ استُخدمت المؤسسة غطاءً لتحويل الأموال دعمًا للعمليات العسكرية والاستخباراتية السرية التي تنفذها الدولة في الخارج.

وكشف مصدر مطّلع مباشرة على برنامج المؤسسة المتعلق بانتشار الأسلحة أنّ بلهول ساعد، تحت غطاء المؤسسة، في تسهيل برامج الإمارات السرية لشراء الأسلحة. وأضاف المصدر أن المسؤولين الإماراتيين اعتقدوا أن الصفة الخيرية للمؤسسة تجعل معاملاتها الدولية أقل عرضة للتدقيق، ما يجعلها غطاءً مناسبًا لتمويل الحروب السرية التي يخوضها محمد بن زايد وشقيقه.

جعل محمد بن زايد وطحنون بن زايد كوشنر مفوّضًا بالتوقيع على حساب “ألفا” المرتبط بمؤسسة “وطني الإمارات”. وبهذه الصفة، كان بوسع جاريد الوصول إلى الحساب وإجراء معاملات عبره نظريًا، لكنه لم يكن حسابه من الناحية الرسمية.

ويمكن فهم ما فعله كوشنر بحساب “ألفا” من خلال تخيّل أنه يشغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). فلو كان يدير الجهة الحكومية المسؤولة عن إدارة البرامج السرية في الخارج وتنفيذها، ويتولى الإشراف على الحساب — مرة أخرى — بموافقة الرئيس، مع الإفصاح عنه للكونغرس، لكانت تصرفاته داخلة ضمن نطاق مسؤوليات وظيفته.

لكنه لم يكن مديرًا لوكالة الاستخبارات المركزية، وهو منصب يتطلب تعيين شاغله موافقة مجلس الشيوخ، فيما تخضع عمليات الوكالة لإشراف الكونغرس ومساءلته. وبدلًا من ذلك، لم يكن كوشنر خاضعًا للإشراف سوى من والد زوجته [الرئيس]. وأفاد أربعة مسؤولين كبار في إدارة ترامب — اثنان من مستشاري الأمن القومي، ورئيس سابق لموظفي البيت الأبيض، ومدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية — بأنهم لم يكونوا على علم بأي تفويض رئاسي يتيح لكوشنر الوصول إلى حساب مصرفي تابع لحكومة أجنبية. (في المقابل، صرّح محامي كوشنر بأن موكله لم يُبرم أي اتفاقات أو ترتيبات مع قادة أو مسؤولين أجانب إلا بموافقة رئيس الولايات المتحدة وبما يحقق مصالح البلاد).

وبغض النظر عما إذا كان كوشنر مفوّضًا بالتوقيع على الحساب أم مالكًا له، فقد ألزمت اللوائح الحكومية الفيدرالية ومتطلبات مصلحة الضرائب الأمريكية جاريد بالإفصاح عن صلاحية وصوله إلى هذا الحساب. وما لم يُفصح عن ذلك للحكومة الأمريكية ويحصل على موافقتها، ويُدرج هذه الصلاحية ضمن إقراراته الضريبية، فقد يُعدّ وصول كوشنر إلى حساب “ألفا” انتهاكًا للقانون الأمريكي.

(في المقابل، نفى محامي كوشنر أن يكون موكله على علم بالفلاسي أو بمؤسسة “وطني الإمارات” الخيرية أو بأي حساب مصرفي في الإمارات العربية المتحدة، أو أن تكون له صلة بأيٍّ منها، مؤكدًا أنه امتثل لجميع المتطلبات القانونية عند تعامله مع الحكومات الأجنبية).

وبالإضافة إلى حساب “ألفا”، أودع محمد بن زايد أموالًا في حساب إضافي واحد على الأقل مخصص لكوشنر. وبحلول ربيع عام 2018، كان ولي العهد قد حوّل نحو مليار دولار إلى إسرائيل عبر أذربيجان لصالح كوشنر. وسنشير إلى هذا الحساب باسم “بيتا”.

وليس واضحًا كيف علم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمرة الأولى بالأموال التي خصصها محمد بن زايد لكوشنر، غير أن شخصًا أُطلع على تفاصيل حساب “بيتا” أخبرني أن نتنياهو شجّع كوشنر على إيداع تلك الأموال في البنك المركزي الإسرائيلي، لتبدو وكأنها مودعة في حساب حكومي.

كما لا يُعرف كيف استخدم كوشنر الأموال التي أودعتها الإمارات في حساب “بيتا” لصالحه، لكن وفقًا للشخص المطلع على هذه الأموال، فقد خُصصت لمنفعته الشخصية. وكما هو الحال مع حساب “ألفا”، ظهرت قرائن في طريقة إدارة حساب “بيتا”.

الرئيس دونالد ترامب مع جاريد كوشنر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عام 2017.

لا يدير البنك المركزي الإسرائيلي حسابات شخصية، بل يحتفظ بالأموال الحكومية ويجري التحويلات المتعلقة بها فقط. وتعتمد الحسابات الحكومية نظام “الموافقة المزدوجة “، الذي يشترط موافقة شخصين مخوّلين على أي تحويل من الحساب، بوصفه آلية رقابية. وقد اشترط نتنياهو على كوشنر إبلاغه قبل إجراء أي معاملات من حساب “بيتا”.

ولتحقيق ذلك، نقل كوشنر رسائله عبر السفير ديفيد فريدمان، الذي اعتاد لقاء نتنياهو بانتظام. ومع وجود تلك الأموال في البنك المركزي، كان من الصعب — إن لم يكن مستحيلًا — ربط الأموال التي دفعها محمد بن زايد بجاريد. وليس واضحًا ما إذا كان لدى أجهزة الاستخبارات الهولندية أي علم بوجود حساب “بيتا”. (في المقابل، نفى السفير فريدمان علمه بأي أموال إماراتية أُتيحت لكوشنر أو أي تورط له فيها، كما نفى نقله رسائل نيابةً عن كوشنر. وقال فريدمان: “لا أعرف شيئًا على الإطلاق عن أي من هذه الادعاءات، والادعاءات المحددة المتعلقة بي أو بتورطي المزعوم في هذا المخطط المزعوم كاذبة بنسبة 100%”. كذلك، صرّح محامي كوشنر بأن موكله “لا يعرف شيئًا” عن وجود مثل هذا الحساب، مؤكدًا أنه “لا توجد حسابات، ولم توجد قط”.)

على ما يبدو، واجه كوشنر تحديًا تمثّل في تحويل الأموال من حساب “بيتا” في إسرائيل إلى حسابات أخرى تتيح له الوصول إليها، مع تعذّر تتبّع مسارها. وقال أحد الأشخاص الذين عملوا مع كوشنر على تحويل الأموال إلى خارج إسرائيل إن جزءًا كبيرًا منها أُودع في حسابات مصرفية في قبرص، قبل تحويله إلى وجهات أخرى.

في إطار الترتيب المالي السري بين كوشنر ومحمد بن زايد، ساعد كوشنر في التفاوض على حساب ثالث مختلف تمامًا عن الحسابين السابقين. ففي سياق التقارب الدبلوماسي السري الذي شهدته العلاقات بين إسرائيل والإمارات آنذاك، ساعد كوشنر في التفاوض على اتفاق تتعهد إسرائيل بموجبه بمساعدة الإمارات على الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لهجوم عسكري إيراني واسع النطاق.

لكن الإمارات كانت بحاجة إلى تغطية تكاليف الدفاع في حالات الطوارئ، لذا حوّلت الحكومة الإماراتية سرًا مبلغًا آخر إلى البنك المركزي الإسرائيلي، ليكون بمثابة صندوق احتياطي للدفاع يُلجأ إليه عند الحاجة. وشكّلت الحسابات الثلاثة مجتمعةً إطارًا لسياسة خارجية سرية تفاوض عليها كوشنر مع قادة إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

ورغم أن كوشنر لم يتقاضَ أجرًا عن عمله بصفته كبير مستشاري الرئيس، فإنه كان موظفًا حكوميًا رسميًا. ولم تقتصر متطلبات منصبه على الإفصاح المالي بموجب لوائح الأخلاقيات؛ إذ كان يتعين عليه تقديم نموذجين للإفصاح المالي عن كل عام عمل فيه في البيت الأبيض، أحدهما علني والآخر سري. ويُعرف تقرير الإفصاح المالي العام لموظفي السلطة التنفيذية أيضًا باسم “إفصاح 278e”. ونظرًا إلى تمتع كوشنر بصلاحية الاطلاع على أسرار حكومية مصنّفة، فقد أُلزم بالإفصاح عن أي حساب مصرفي كان مفوّضًا بالتوقيع عليه أو مستفيدًا منه.

إلا أن ما بدا وكأنه خيانة من كوشنر للثقة العامة تجاوز بكثير مجرد إخفاقه في الإفصاح عن الحساب السري “ألفا” في الإمارات أو حساب “بيتا” في إسرائيل؛ فمن خلال إتاحة الوصول له إلى نحو ملياري دولار — بغض النظر عن كيفية استخدام تلك الأموال — كان محمد بن زايد ومحمد بن سلمان يشتريان نفوذه داخل الحكومة الأمريكية. وأي جهود يبذلها كوشنر للتأثير في السياسة الأمريكية انطلاقًا من أموال قدمتها له حكومة أجنبية كانت ستجعله بمثابة عميل لقوة أجنبية. ويُلزم القانون الأمريكي المواطنين الذين يمارسون الضغط نيابةً عن قوة أجنبية بإبلاغ وزارة العدل بصفتهم وبالدولة التي يعملون لصالحها.

وقال أحد المدعين العامين السابقين الذين شاركوا في تحقيق مولر إن كوشنر، إذا كان قد وعد محمد بن زايد ومحمد بن سلمان بأي شيء مقابل الأموال التي عرضاها عليه — حتى لو اقتصر الأمر على التحدث إلى والد زوجته — فربما يكون قد انتهك القوانين الفيدرالية المتعلقة بالرشوة، فضلًا عن قانون تسجيل الوكلاء الأجانب.(في المقابل، نفى محامي كوشنر أن يكون موكله قد انتهك أي قوانين خلال عمله في البيت الأبيض).

مقتبس من كتاب “الأمراء واللصوص: المخطط السري لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط”، بقلم ماثيو كول. حقوق النشر © 2026 محفوظة لماثيو كول. ومن المقرر أن يصدر الكتاب عن ون سيغنال بابليشرز/أتريا بوكس، إحدى العلامات التابعة لشركة “سايمون آند شوستر” ذات المسؤولية المحدودة.

المصدر: فانيتي فير

علاماتأطماع الإمارات في المنطقة ، أمراء السعودية ، استثمارات كوشنر ، الأجندات الإماراتية الخفية ، الأجندة الإماراتية
مواضيعالشأن الإماراتي ، سياسات الإمارات الخارجية

قد يعجبك ايضا

سياسة

من إهانة “القرد” إلى رئاسة الحكومة.. هل يكسر المزراحيون السقف الأشكنازي في “إسرائيل”؟

أحمد الطناني٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

بعد 7 سنوات من حكم قيس سعيّد.. أين تقف تونس إقليميًا؟

نجلاء بن صالح٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦
سياسة

أمير كابيري: الوجه الاقتصادي لشبكة النفوذ الإسرائيلي في البوسنة

خالد أصلان٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑