انقطع التيار الكهربائي عن كامل ولاية القضارف شرق السودان فجر الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول، بعد أن ضربت طائرات مسيّرة محطتي الحواتة والفاو التحويليتان، ضمن هجوم أوسع على محطات الشبكة الشرقية، وهذا ثالث هجوم بالمسيّرات على إقليم الشرق خلال ستة أسابيع، لكنه الأول الذي يحقق أثرًا واضحًا بعد هجومين سابقين تصدت لهما الدفاعات الأرضية للجيش السوداني.
ظلّ شرق السودان طوال الحرب التي اندلعت في 2023 منطقة آمنة نسبيًا وطريقًا رئيسيًا لإمداد الدولة من بورتسودان، وذلك تزامنًا مع حرب تشتعل على الضفة الأخرى من الحدود مع إثيوبيا وإريتريا المجاورتين، حيث تدور جولة جديدة من الصراع في إقليم تيغراي لتتقاطع حرب السودان مع خطوط حرب أخرى تدور رحاها على مثلث حدودي إستراتيجي.
ثلاث هجمات خلال ستة أسابيع
وقع الهجوم الأول في 15 سبتمبر/أيلول الماضي، حين ظهرت مسيّرات فوق سدي عطبرة وستيت وفوق منطقة الشواك في محلية خشم القربة، وسقطت اثنتان منها في منطقة غير مأهولة، فيما وقع الهجوم الثاني في صباح الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول، حيث دوّت المضادات الأرضية للجيش السوداني للتصدي لمُسيّرات في سماء مدينتي القضارف وخشم القربة، بعض تلك المسيرات استهدفت أهم المنشآت المائية والكهربائية في شرق السودان مجمع سدّي أعالي عطبرة وستيت، وخزان خشم القربة.
أما الهجوم الثالث فجاء بعد ثمانية أيام فقط، فقد أصابت مسيّرة محطة الحواتة في محلية الرهد وأخرجتها من الخدمة، وأتلفت أخرى أحد محولات محطة الفاو، فخرجت الشبكة الشرقية كلها عن العمل، دون خسائر في الأرواح.
ونقلت الجزيرة عن مصادر في إدارة توزيع الكهرباء بالقضارف أن المسيّرات استهدفت أيضًا محطات القضارف وسنجة ومصنعي سكر مشكور والجنيد، فيما قال مسؤول حكومي لوكالة الصحافة الفرنسية إن الهجوم شمل خمس محطات، منها اثنتان في ولاية الجزيرة، إلى جانب محطات في النيل الأبيض والقضارف.
الملاحظ أن الهجمات صارت أقرب إلى بعضها وأن أهدافها تغيرت، ففي المرتين الأوليين اقتربت المسيّرات من السدود نفسها، وهي مواقع تحظى بحماية جوية كثيفة وفي المرة الثالثة استهدفت المحطات التحويلية، وهي أقل حماية فتعطيل محول واحد فيها يكفي لقطع الكهرباء عن ولاية كاملة.
كما أن لهذه المنشآت وزن كبير في حياة سكان الإقليم، فمجمع أعالي عطبرة وستيت ينتج نحو 300 ميغاواط، ويروي مشروع حلفا الجديدة، ويوفر مياه الشرب في الشرق، وأي ضرر يصيبه أو يصيب الشبكة التي تنقل كهرباءه ينعكس مباشرة على الزراعة والمياه والمستشفيات، في منطقة تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين داخليا إضافة إلى السكان الأصليين.
تأتي هذه الهجمات وسط تصاعد كبير في استخدام المسيّرات في كل أنحاء السودان، فقد وثّقت الأمم المتحدة مقتل 306 شخصًا على الأقل بضربات المسيّرات خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، ونسبتها إلى مليشيا الدعم السريع والجيش معًا، وإن كانت الأولى تتحمل بطبيعة الحال النسبة الأكبر من الضحايا نظرًا لاستهدافها بشكل ممنهج ومتعمد الأعيان المدنية ومنشآت البنية التحتية.
لماذا الشرق والآن؟
لا يشهد شرق السودان معارك برية، وهذا بالضبط ما يجعل ضربه مؤثرًا، فولايتا القضارف وكسلا من آخر المناطق التي يلجأ إليها الفارون من الحرب، وتمر عبرهما طرق الإمداد والنزوح المتصلة بإثيوبيا وإريتريا وساحل البحر الأحمر، وضرب هذه المنطقة يرسل إلى الحكومة رسالة بأن عمقها ليس محميًا، ويجبر الجيش على توزيع دفاعاته الجوية المحدودة على منشآت بعيدة عن جبهات القتال.
يمكن استنتاج 3 أسباب لاستهداف شرق السودان:
السبب الأول ميداني، فالدعم السريع بدعم من إثيوبيا يضغط على جبهة النيل الأزرق، حيث يواصل مع الحركة الشعبية الهجوم على محور الكرمك، ووصل القتال إلى منطقة سالي، التي يستخدمها الجيش مقرًا متقدمًا لعملياته في جنوب الإقليم، وكلما انشغل الجيش بحماية الشرق خفّ الضغط عن هذه الجبهة.
السبب الثاني يتعلق بالمسيّرات نفسها، فمع تراجع مليشيا الدعم السريع على الأرض في معظم أنحاء السودان، أصبحت المسيّرات وسيلته الأساسية للضغط، بالتوازي مع خسائره البرية والتحول من ضرب المواقع العسكرية إلى ضرب البنية التحتية وخاصة الكهرباء يعني أن الهدف لم يعد الجيش بل السكان والاقتصاد في المناطق الخاضعة له.
ولم يكن الشرق بعيدًا عن هذا النوع من الهجمات من قبل، إذ تسبب هجوم على محطة الشواك مطلع 2025 في انقطاع شامل للكهرباء في القضارف وكسلا، لكن الجديد أن الضربات أصبحت متتالية ومنتظمة.
أما السبب الثالث فهو إقليمي ونرى أنه ربما يعد الأكثر أهمية، جاء الهجمات الأولى بالمسيرات الشهر الماضي على الشرق عندما كانت الحرب في شمال إثيوبيا تتحول من اشتباكات محدودة وضربات بالمسيرات إلى حرب واسعة، والهجومان الأخيران جاءا بعد أن حقق الجيش الإثيوبي تقدمًا في تيغراي باستيلائه على معظم المدن الكبرى في الإقليم.
لكن الحرب لا تزال مشتعلة بين الجيش الحكومي وقوات دفاع تيغراي، وخلال هذه الفترة تحولت الحدود الشرقية للسودان إلى موضوع اتهامات متبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا، ولهذا صار السؤال عن مصدر المسيرات سؤالًا سياسيًا بقدر ما هو عسكري.
من أين تنطلق المسيرات؟
لم تُنشر حتى الآن أدلة فنية تحدد مكان إطلاق المسيّرات التي تضرب الشرق، لكن الرواية السودانية ثابتة وتزداد حدة، ففي هجوم سبتمبر/أيلول الماضي قالت مصادر ميدانية إن المسيّرات انطلقت من داخل إثيوبيا، وفي هجوم 18 أكتوبر/تشرين الثاني الحالي قالت مصادر محلية إن المسيّرات التي استهدفت خشم القربة أُطلقت من الأراضي الإثيوبية، دون تحقق مستقل، وفي هجوم فجر الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول نقل رئيس تحرير صحيفة السوداني عن مصادر عسكرية رفيعة أن مسيرات إماراتية تعمل مع الدعم السريع انطلقت من إثيوبيا وضربت محطات الجنيد والحواتة والفاو.
لهذه الاتهامات سوابق منذ بداية العام، ففي فبراير/شباط توصل تحقيق استقصائي لرويترز إلى بناء إثيوبيا معسكرًا سريًا لتدريب مقاتلي مليشيا الدعم السريع، وذكر التحقيق أن يقع المعسكر تم تمويله بدعم إماراتي في منطقة مينجي بإقليم بني شنقول بالقرب من الحدود مع السودان وجنوب السودان ويبعد نحو 101 كيلومتر فقط عن سد النهضة الإثيوبي الكبير.
وفي مارس/آذار قالت الحكومة السودانية إن مسيّرات أُطلقت على أراضيها من إثيوبيا، وبعدها بشهرين استدعت سفيرها في أديس أبابا واتهمت إثيوبيا والإمارات بالوقوف وراء الهجوم على مطار الخرطوم، حيث قال المتحدث باسم الجيش إن المسيّرات انطلقت من مطار بحر دار الواقع في إقليم أمهرة الحدودي مع السودان.
تكررت الاتهامات في النيل الأزرق، وآخرها في 12 أكتوبر/اشرين الأول حين أعلن الجيش إسقاط مسيرة قرب ود الماحي قال إنه رصدها منذ عبورها الحدود من الجانب الإثيوبي، وعلى الأرض أفاد مصدر عسكري لموقع مدى مصر بأن الدعم السريع أعاد تجميع قواته في معسكرات بمدينة أصوصا الإثيوبية، وبأن هجومه على الكرمك رافقه قصف بالمسيّرات والمدفعية من داخل إثيوبيا، فيما تنفي أديس أبابا كل هذه الاتهامات وتؤكد احترامها سيادة السودان.
والجغرافيا تدعم الرواية السودانية في الهجومين الأولين، فمجمع أعالي عطبرة وستيت يقع في الفشقة قرب الحدود مباشرة والمسيرات الانتحارية الصغيرة مداها محدود في العادة، لكن الهجوم الأخير يجعل الصورة أقل وضوحًا، لأن بعض المحطات المستهدفة تقع في الجزيرة وسنار والنيل الأبيض، وهي أقرب إلى مناطق القتال في الوسط والغرب، ما يعني أن المسيرات ربما أُطلقت من أكثر من اتجاه.
الأرجح، بحسب المعطيات المتاحة أن الدعم السريع يستخدم مواقع إطلاق داخل إثيوبيا بعلم السلطات هناك على الأقل أو بتسهيل مباشر، إلى جانب مواقع أخرى داخل السودان، أما فكرة أن الجيش الإثيوبي ينفذ هذه الضربات بنفسه فلا يوجد ما يدعمها، كما أن استخدام طرف آخر يسمح لأديس أبابا بالإنكار.
تيغراي والحدود: هل تتسع الحرب؟
ما يحدث في القضارف مرتبط بما يحدث في غرب تيغراي على الجانب الآخر من الحدود، فالخرطوم تتهم أديس أبابا باستضافة الدعم السريع، وأديس أبابا تتهم الخرطوم باستضافة مقاتلين من تيغراي، وفي قلب هذا الاتهام الأخير ما يُعرف بـ”الجيش 70″، وهو تشكيل من مقاتلي تيغراي لجأوا إلى السودان خلال حرب 2020 2022، ويتخذون المناطق الحدودية مقرًا لهم.
وحين تجدد القتال في تيغراي مطلع أغسطس/آب الماضي، بدأ من الحدود السودانية حسب الرواية الإثيوبية، فوفقًا لإفادات مصدر عسكري إثيوبي تحدث لمنصة إعلامية مقربة من أديس أبابا بدأت المواجهات حين عبرت قوة من مقاتلي تيغراي المتمركزين في السودان إلى إثيوبيا قرب قرية اللكدي الحدودية مع حميرا الإثيوبية، بينما اتهمت حكومة إقليم تيغراي عناصر من الدعم السريع بالمشاركة في الهجوم الحكومي على شيريرينا، ووصلت آثار القتال إلى داخل السودان، إذ قُتل عدد من اللاجئين الإثيوبيين بقذائف سقطت على أحد المخيمات.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي اتهم قائد الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا السودان ومصر بدعم الجماعات المسلحة المعارضة، فنفى الجيش السوداني ذلك، واتهم إثيوبيا بدوره بتدريب الدعم السريع وإمداده وإطلاق المسيّرات من أراضيها.
ويرى معهد تشاتام هاوس أن أديس أبابا وتسعى إلى إقامة منطقة عازلة على حدودها مع السودان بعد أن قطعت علاقاتها مع إريتريا في الأول من الشهر، لخشيتها من دعم الجيش السوداني بالتعاون مع إريتريا، قوات دفاع تيغراي عبر الحدود وأن يؤدي ذلك إلى تكرار سيناريو 1991 عندما دعم البلدان النضال العسكري المسلح بقيادة جبهة تحرير تيغراي ضد نظام الديكتاتور منغستو هيلا مريام ما أدى إلى سقوطه في نهاية المطاف.
تزداد خطورة الوضع مع تغير موازين القتال داخل تيغراي، ففي بداية الشهر الحالي سيطرت القوات الحكومية على ميغلي العاصمة ووصلت إلى الحدود الإريترية عند زالمبسا ودخلت أكسوم وشيري، فيما تراجعت قوات تيغراي والقوات الإريترية نحو بادمي، ولكن في الأيام الماضية تمكنت قوات تيغراي من شن هجمات معاكسة ألحقت خسائر بالجيش الإثيوبي واستعادت خلالها عدة مناطق مرة أخرى منها حاوزين وشيرارو وعدي أوالا.
من الممكن أن يكون لإثيوبيا هواجس من أن يصبح الشريط الحدودي السوداني من حميرا إلى الفشقة منطقة خلفية لدعم قوات تيغراي التي تتمتع بعلاقات مميزة مع قوات الجيش السوداني الموجودة في ولايتي القضارف وكسلا، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الهجمات المتكررة على القضارف بوصفها ضغطًا إثيوبيًا على الخرطوم.
ويتشكل في الوقت نفسه اصطفاف إقليمي أوضح، ففي 4 أكتوبر/تشرين الأول استضافت مصر قمة جمعت قادة السودان وإريتريا والصومال، وهي ثلاث دول من أربع تتهمها إثيوبيا بدعم التحالف المعارض، وفي الخرطوم ارتفعت لهجة القادة العسكريين، إذ اتهم رئيس أركان القوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن ياسر العطا إثيوبيا بالتخطيط للسيطرة على منطقة الفشقة الزراعية الخصبة في ولاية القضارف، إضافة إلى مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق.
ومع ذلك، لا تبدو حرب مباشرة بين الجيشين وشيكة، فالجيش السوداني يقاتل على جبهات كردفان ودارفور والنيل الأزرق، والجيش الإثيوبي يقاتل في تيغراي وأمهرة وأوروميا، كما أبقت الخرطوم الباب مفتوحًا أمام الحوار، إذ أبلغ وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم المبعوث الفرنسي في 13 أكتوبر/تشرين الأول أن السودان مستعد للتفاوض مع إثيوبيا إذا أوقفت دعمها للدعم السريع.
لكن تطورات قد تغير هذا الوضع، الأول أن تتكرر الهجمات على الكهرباء أو تصيب السدود نفسها وتوقع ضحايا، وهو ما سيضع الحكومة تحت ضغط داخلي كبير، خاصة بعد أن بدأت مصادرها العسكرية تتهم الإمارات وإثيوبيا معًا، والثاني أن يتحول السودان بالتنسيق مع إريتريا إلى ممر لإعادة فتح جبهة غرب تيغراي لدعم قوات الإقليم.
حتى الآن، يبدو أن الطرفين يفضلان المواجهة غير المباشرة ممثلة في مسيرات تضرب العمق، واتهامات متبادلة مع استعداد مشروط للحوار غير أن تقارب الهجمات من شهر بين الأول والثاني إلى ثمانية أيام بين الثاني والثالث، وانتقالها من المواقع العسكرية إلى شبكة الكهرباء يدل على أن هذا الوضع قابل للانفجار. فوجود حربين أهليتين على حدود واحدة، مع تدخل الإمارات وإريتريا يجعل أي حادث كبير كافيًا لتحويل شرق السودان من منطقة آمنة إلى ساحة مواجهة.