ترجمة وتحرير: نون بوست
الأمر لا يقتصر على مجرد إخفاق في التكتيكات، بل يتجاوز ذلك إلى رؤية خاطئة تمامًا للعالم.
يعمل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف مبعوثين رئاسيين غير رسميين، اختارهما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا لتولي مفاوضات بالغة الأهمية بشأن أوكرانيا وغزة وإيران. ويمكن القول دون مجازفة إنّ اختيارهما لم يأتِ عقب بحث مطوّل وموسّع (كوشنر صهر ترامب، وويتكوف صديقه القديم ورفيقه في لعب الغولف)، لكن دعونا نحسن الظن ونفترض أنّهما كانا يسعيان بصدق إلى التوصل إلى اتفاقات تعزز المصالح الأمريكية. ويبقى السؤال: لماذا لم يحققا سوى القليل؟
انظر إلى الوقائع: فما يُسمّى اتفاق السلام بشأن غزة ليس سوى اتفاق زائف؛ إذ تواصل إسرائيل قصف غزة مع الإفلات التام من العقاب، وتوسّع سيطرتها على أراضي القطاع، وتُقيّد وصول المساعدات الإغاثية، بينما تتغاضى عن الحملة العنيفة التي يشنّها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية (إن لم تكن تدعمها فعليًا).
وربما لم يكن تحقيق السلام الحقيقي هدفًا فعليًا من الأساس، فكوشنر وويتكوف كلاهما من أشد الداعمين لإسرائيل، وكانا أقل استعدادًا لممارسة ضغوط جادة عليها حتى من الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن (وهو أمر له دلالته بحد ذاته). ووفقًا لهذا المنظور، لم يكن اتفاق غزة سوى “اتفاق سلام صوري” تمثّل هدفه الرئيسي في إطلاق سراح الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة حماس، وإزاحة الصراع عن الصفحات الأولى للأخبار، مع تقييد حرية إسرائيل في التصرف بأقل قدر ممكن. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يقرّ المرء بأنّهما حققا هدفهما؛ أما إن كان الهدف هو السلام، فقد فشلا.
وبالمثل، لم تُفضِ جهودهما للتوصل إلى اتفاق مع إيران قبل الحرب إلى أي نتيجة، ويعود ذلك جزئيًا إلى أنّ هذين الدبلوماسيين الهاويين لم يدركا، على ما يبدو، بعض التفاصيل الفنية الجوهرية التي تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، ويُعزى ذلك أيضًا إلى قرار ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شنّ حرب في الوقت الذي كانت فيه المحادثات لا تزال جارية. وكما هو الحال في غزة، ربما كانت المفاوضات أشبه بعملية صورية منذ البداية، إذ لم يكن الهدف منها التوصل إلى اتفاق دائم، بل كسب الوقت للاستعداد لجولة أخرى من الحرب.
ولا تزال الحرب الروسية في أوكرانيا مستعرة هي الأخرى، وهو ما يدحض مباشرةً تفاخر ترامب خلال حملته الانتخابية بقدرته على إنهاء الحرب في غضون 24 ساعة. وقد التقى ويتكوف وكوشنر بمسؤولين روس في مناسبات عدة، وقدّما حوافز سخية على نحو متزايد في الوقت الذي تواصل فيه الإدارة الضغط على كييف للتوصل إلى اتفاق. ولم تكن النتيجة السلام، بل تصاعد وتيرة الحرب بما في ذلك اتساع نطاق الهجمات على الأهداف المدنية في كل من أوكرانيا وروسيا.
باختصار، إذا ما قُيّم أداء كوشنر وويتكوف بناءً على مدى نجاح جهودهما في تحقيق السلام، فإنّهما لم يحققا أي نجاح في الملفات الثلاثة التي أُسندت إليهما مهمة التفاوض بشأنها. وللإنصاف، فإن التعامل مع هذه الصراعات الثلاثة في آنٍ واحد من شأنه أن يختبر قدرات دبلوماسيين بحجم أوتو فون بسمارك أو هنري كيسنجر، كما أن الاضطلاع بمهمة دبلوماسية معقدة وصعبة نيابة عن رئيس متقلب التصرفات، يهتم بالمظاهر أكثر من الإنجازات، يشكل تحديًا لأي مفاوض. لكن هذه العوائق لا تفسر إخفاقاتهما المتكررة بالكامل.
يمكن طرح عدة أسباب لفشل جهودهم، غير أن جانبًا كبيرًا من المشكلة يكمن في رؤيتهم الشاملة للعالم. فكوشنر وويتكوف وترامب جميعهم مطورون عقاريون مهووسون بجني المال؛ فهو الشيء الوحيد الذي يعنيهم حقًا، وهذا ما يفسر اهتمام ترامب الظاهر باستغلال الرئاسة لتحقيق الأرباح أكثر من اهتمامه الفعلي بإدارة الحكم. وربما لهذا السبب أيضًا تقاضى كوشنر مليارات الدولارات في صورة مدفوعات سرية من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية (وهو ما ينفيه كوشنر). فإذا افترضت أن الجميع يسعون وراء الكسب المادي، فإنّ السبيل للحصول على موافقتهم هو عرض صفقة مربحة تزيدهم ثراء. وفي هذا العالم، لكل امرئ ثمنه، و”السر” يكمن في معرفة ذلك الثمن ثم إقناع الطرف الآخر بأنك قادر على دفعه.
وقد تجلّت هذه النظرة الأحادية بوضوح خلال الولاية الأولى لترامب، ووقفت وراء قناعة كوشنر بأن مفتاح تحقيق السلام في الشرق الأوسط يكمن في تجاهل تطلعات الفلسطينيين إلى إقامة دولة أو نيل حقوق سياسية، والتركيز بدلًا من ذلك على تشجيع الصفقات التجارية بين إسرائيل وبعض دول الخليج الثرية، ثم المملكة العربية السعودية لاحقًا.
ووفقًا للمنطق نفسه، اعتقد ترامب أنه قادر على إقناع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالتخلي عن ترسانته النووية، عبر إغرائه بتصور لمشروعات سياحية فاخرة، تضم منتجعات راقية ومجمعات سكنية على شواطئ كوريا الشمالية، وهي الفكرة التي أُعيد توظيفها لاحقًا باعتبارها نموذجًا محتملًا لغزة.
ويبرز هذا المنطق بوضوح أيضًا في المحاولات الأخيرة لإقناع الكرملين بإنهاء حربه في أوكرانيا، من خلال تقديم حوافز اقتصادية لموسكو، تشمل شراء وقود الديزل الروسي، وإتاحة المجال أمام الشركات الروسية للمشاركة في تطوير حقول الغاز في ألاسكا، والترويج لصفقات تجارية مستقبلية مربحة، فضلًا عن إنهاء العزلة الاقتصادية الروسية عن الغرب.
يكمن الخلل الواضح في هذه النظرة إلى العالم في عجزها عن إدراك أنّ الأولوية القصوى للقادة السياسيين الأذكياء ليست المال أو الثروة، بل الأمن القومي فهو أكثر أهمية؛ إذ إن الثروة تصبح عرضة للخطر في غيابه، ولا جدوى من امتلاك أموال العالم كلها إذا كان بوسع طرف أقوى أن ينتزعها منك.
ولنتأمل ما حدث للكويت عام 1990، حين قرر الزعيم العراقي صدام حسين غزو الإمارة الثرية، ليتخلص بذلك من أحد دائنيه الرئيسيين، ويضع يده في الوقت نفسه على موارد من شأنها زيادة الناتج المحلي الإجمالي للعراق بنحو 40 في المئة. ولولا تدخل تحالف من قوى خارجية لإنقاذ الكويت، لكان مخططه قد نجح.
بالتأكيد، الثروة ليست عديمة الأهمية، والجشع قد يكون دافعًا قويًا أيضًا، ولا أشك في أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيرحب بالحصول على كل تلك العروض المغرية التي يواصل كوشنر وويتكوف التلويح بها في إطار اتفاق سلام محتمل بشأن أوكرانيا. بيد أنه لو كان المال هو كل ما يهمه، لما أقدم على غزو أوكرانيا من الأساس، ولما واصل خوض الحرب هناك رغم تكلفتها الاقتصادية والبشرية الباهظة. وما لم تُعالج المخاوف الأمنية التي دفعته إلى اتخاذ قرار الغزو، سواء أكانت مبالغًا فيها أم لا، فلن تنجح حزمة من المزايا الاقتصادية في وضع حد لهذه الحرب.
وينطبق الأمر ذاته على كييف بالطبع، فلو كان المال هو كل ما يهم، لكان التصرف الأذكى هو قبول خسارة شبه جزيرة القرم وإقليم دونباس، والإصرار في المقابل على الحصول على حزمة مساعدات ضخمة لإعادة بناء الاقتصاد الأوكراني الذي دمرته الحرب.
بيد أنّ الأوكرانيين لا يرغبون في التنازل عن أراض يعتبرونها حقًا لهم، مهما كان الثمن. والأهم من ذلك، أنهم لا يريدون العيش تحت وطأة الخوف من تهديدات روسية مستقبلية. ومن ثم، فإنّ أي اتفاق سلام مستقبلي يجب أن يراعي المخاوف الأمنية لكلا الطرفين، فضلًا عن تطلعاتهما الاقتصادية.
تهتم الأمم أيضًا بالحفاظ على هويتها واستقلالها الثقافي، وغالبًا ما يتوق الخاضعون لهيمنة أجنبية إلى حكم أنفسهم بأنفسهم. ونتيجة لذلك، تبذل هذه الجماعات أحيانًا تضحيات جسيمة في سبيل إقامة دولها المستقلة. الفلسطينيون على سبيل المثال لن يتخلوا عن هويتهم الوطنية ولا عن تطلعاتهم إلى نيل حقوقهم السياسية في مقابل حزمة اقتصادية مغرية (حتى بافتراض وجود عرض حقيقي من هذا القبيل)، ولن تفعل ذلك حركات وطنية عديدة أخرى تسعى إلى إقامة دولها.
كما يفسر هذا الإحساس نفسه بالفخر الوطني سبب أن قصف الدول الأخرى بهدف إسقاط أنظمتها أو إجبارها على الاستسلام نادرًا ما يجدي نفعًا، حتى وإن اقترن بوعود بمنافع اقتصادية مستقبلية. بل على العكس من ذلك، عادة ما تؤدي مثل هذه الممارسات إلى توحيد صفوف الشعب والتفافه حول قادة ربما كانوا يفتقرون في الأصل إلى تأييد شعبي واسع، مما يجعلهم أقل استعدادًا لتقديم تنازلات.
باختصار، لا تشبه السياسة الدولية مجال التطوير العقاري؛ فالعلاقات بين الدول تدور في ساحة تغيب عنها سلطة مركزية، وتمتلك فيها بعض الدول القدرة على استخدام العنف والإرادة اللازمة لذلك لتحقيق مآربها. وفي عالم كهذا، تكون لدى الدول دوافع قوية لتأمين أمنها أولًا، ثم التفكير في سبل تحقيق مزيد من الازدهار. صحيح أن فهم كيفية سير الأعمال التجارية والخبرة في التفاوض على صفقات معقدة قد يشكلان ميزة في العمل الدبلوماسي —كما أثبت وزيرا الخارجية الأمريكيان السابقان جورج شولتز وجيمس بيكر— لكن ذلك لا يتحقق إلا إذا أدرك المرء الفوارق الجوهرية بين هذين المجالين. ومما يبعث على الأسف أن كوشنر وويتكوف (وترامب أيضًا) لا يظهرون أي مؤشر على أنهم استوعبوا هذا التمييز أو تعلموا الكثير من تجاربهم حتى الآن. لكنهم، أو أفراد عائلاتهم، يجنون ثروات طائلة فيما تستعر هذه الصراعات؛ وربما كان ذلك هو الهدف الحقيقي منذ البداية.
المصدر: فورين بوليسي