في خضم ما يجري الآن في سوريا على الأرض وفي جنيف على طاولة المفاوضات، والتلاقي الروسي الأمريكي في كثير من النقاط  والرؤى حول مستقبل سوريا وضرورة الجلوس على طاولة المفاوضات من قِبل الجميع وخصوصًا المعارضة دون أي شروط.

تطرح عدة استفسارات عن هذه الحميمية في وجهات النظر بين الدولتين العظمتين بالرغم من الكثير من الخلافات التي بين البلدين حول العديد من القضايا، ولكن ما هو جلي وواضح أن الاثنتين متفقتين حول محور المصالحة السياسية بين جميع الأطراف لما يخدم مصالح البلدين.

ولكن ما سر هذا التقارب والتلاقي؟ وهل روسيا في سوريا جاءت من أجل مصالحها أم جاءت من أجل أن تحارب الإرهاب نيابة عن أوروبا؟

إن وجود روسيا الحالي هو الدفاع عن مصالحها بالدرجة الأولى، والحديث عما هو تلاقي مصالح مع أمريكا، فأمريكا تريد الاستفادة من التواجد الروسي في سوريا، الذي سيوفر عليها المشاركة بشكل أكبر وفاعل على الأرض من جهة والخلاص من داعش وإغراق روسيا أكثر في المستنقع السوري، سيما وأن أمريكا لها باع وتاريخ طويل في حروب العصابات وقد ذاقت مرارتها في فيتنام والعراق.

أما روسيا فهي لم تجد لها بدًا من أن تحمي مصالحها وقاعدتها الوحيدة على البحر المتوسط في طرطوس؛ فهي تعلم جيدًا أن نظام الأسد لا يمكن أن يصمد أكثر من ذلك بدون أن تقف إلى جانبه ولا يمكن لنظام الأسد بوضعه الحالي أن يؤمن لها مصالحها.

ولهذا فهي مضطرة للتدخل بجميع الأوجه مع العلم أن الخسارة واردة في الحسبان، والوضع الاقتصادي المتدهور أصلاً، فهي أيضًا محدودة الخيارات، وروسيا ليست بالدولة الغبية التي تغامر في حرب عصابات إذا ما تدخلت بريًا، وهي تعلم مآرب أمريكا وأوروبا من وراء تدخلها، ولكن روسيا لا تملك أي حيلة سوى التدخل كونها مرغومة بأن تدافع عن مصالحها.

ولهذا فإن السبيل الوحيد لها هو طاولة المفاوضات بين المعارضة والنظام والذي سيوفر عليها كثيرًا في التدخل العسكري ولا يجعلها وحيدة في الميدان، بل سيرغم الدول الأخرى إن اقتضى الأمر إلى تدخل عسكري مباشر في حال رفضت المعارضة الدخول في مفاوضات.

وعليه، فإن التلاقي الأمريكي الروسي في إجبار المعارضة على الدخول في مفاوضات مع النظام وتبني خيارات عديدة تجاهها هو ضرورة حقيقية لتلك الدول بما سيوفر عليها كثيرًا خوض غمار حرب برية، بل ويجعلها تستفيد من كافة الأطراف الموجودة إذا تمت المصالحة في تشكيل جيش أو قوة عسكرية تقف في وجه داعش ولن تتوانى في ضرب أي حركة أو أي فصيل معارض على الأرض لا يرغب في خوض غمار التسوية بل وسيقطعون أي إمدادات ممكنة يمكن أن تصل إليهم.

ولهذا فإن روسيا الآن تحارب دفاعًا عن مصالحها ونيابة عن الآخرين في نفس الوقت وتسعى حثيثًا إلى خيارين لا ثالث لهما إما التسوية السياسية ومحاربة داعش أو محاربة الفصائل جمعاء بمن فيهم داعش بتدخل أوروبي أمريكي.

وعليه فإن خيارات المعارضة أصبحت محدودة جدًا لديها إما مع أو ضد، وهذا سيجعل وضع المعارضة مأزوم جدًا لأن طاولة جنيف هي عبارة عن طاولة إملاءات وليست طاولة مفاوضات؛ وبالتالي الذاهبون إلى هناك سيتوقعون تلقائيًا أن مجال المناورة السياسية ليس مفتوحًا على مصراعيه لكي يطالبوا بما يريدون ولهذا سيحرص الجميع للوصول إلى حلول مرضية ليست لجميع الأطراف، ولكنها حلول مقبولة دوليًا تمثل الحل الوحيد للأزمة السورية ولسوريا الجديدة كما يعتقدون.