العميد أحمد العسيري مستشار وزير الدفاع السعودي

صرحت السعودية أنها تستعد لتدخل عسكري بري مباشر في سوريا في الأونة الأخيرة تحت مظلة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بعدما أعلن العميد السعودي أحمد العسيري مستشار وزير الدفاع السعودي أن طائرات حربية سعودية حطت رحالها في قاعدة إنجرليك العسكرية التركية تمهيدًا لإرسال قوات برية للتدخل في سوريا.

كذا الأمر نفسه بالنسبة للأتراك الذي قالوا أنهم مستعدين لدعم هذا التدخل البري السعودي وبالتأكيد مظلة هذا التدخل ستكون "محاربة داعش" ظاهريًا، ولكنه تدخل سيكون له أبعاد أخرى على الصعيد التركي والصعيد السعودي.

تركيا تريد إيقاف التمدد الكردي على حدودها، وتعتبر أمر دعم الأكراد من قبل الولايات المتحدة وروسيا لإقامة دولة كردية على الحدود الجنوبية لتركيا خط أحمر سيستلزم تدخل عسكري مباشر لإجهاض هذه المحاولة وقد بدأ بالفعل قصف مدفعي وجوي تركي على مناطق سيطرة الأكراد في نطاق حزام مدينة حلب.

أما السعودية فإنها مضطرة إلى تغيير تكتيك الحرب بالوكالة بعد أن تدخلت روسيا عسكريًا بطريقة مباشرة في سوريا، وقلبت الموازين إلى صالح نظام الأسد والمليشيات الإيرانية التي تقف بجانبه، في الوقت الذي أصبحت فيه فصائل المعارضة السورية المسلحة المدعومة من قبل السعودية على شفا الإنهيار والسحق جراء القصف الروسي العنيف الذي يستهدف آخر معاقلها وأكبرها في حلب.

هذه الدوافع التركية الرئيسية المتمثلة في توقيف الأكراد، والسعودية المتمثلة في إيقاف التمدد الإيراني وحلفائه في سوريا، هي التي تقف وراء قرار خوض السعودية حربًا تخشى أن تتحمل عواقبها وحدها، لذا اشترك السعوديون والأتراك في تحمل عبء إطلاق مثل هذه الحرب التي ربما تكون تكلفاتها باهظة للغاية بالنظر إلى وجود قوة كروسيا بجوار نظام الأسد.

حتى الآن لم تستطع السعودية أن تأخذ قرار الحرب منفردة، حيث تدفع في اتجاه شراكة تركية قطرية بالإضافة إلى تشكيل تحالف عربي إسلامي عسكري، لأن القيادة السعودية فيما يبدو لم تتعود حتى الآن على اتخاذ القرار بشكل منفرد، بعيدًا عن الحليف الأكبر واشنطن، الذي لم يعطي تأشيرة أو أي ضوء أخضر لهذا التدخل السعودي.

فيما يرى بعض المراقبين أنه لن يخرج العميد أحمد العسيري، تحت أي ظرفٍ كان، لإعلان انطلاق عملية برية تخترق الحدود السورية. لن يحصل ذلك في وجهة نظرهم، رغم أن حماوة الإعلانات السعودية مؤخرًا عن ذلك، كل هذا طالما تقع إدارة الولايات المتحدة تحت يد أوباما الذي ربما قرر تجميد الوضع السوري على حاله حتى رحيله.

السعودية حتى الآن تُحاول تأمين غطاء جوي لحملتها العسكرية في سوريا إما عن طريق مظلة التحالف الدولي ضد داعش وفي هذه الصورة يتوجب عليها أخذ الموافقة الأمريكية الكاملة، كما حاولت السعودية التدخل بغطاء من الناتو، وذلك بعد سفر ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى مقر الناتو في بروكسل، ليجري العديد من الاجتماعات الثنائية مع وزراء دفاع الحلف، أبرزها مع وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر، ونظيرَيه البريطاني والألماني لعرض خطة السعودية للتدخل البري.

العسيري حتى الآن ينتظر ربما طيران أمريكي أو طيران من حلف الناتو ليغطي إعلاناته عن التدخل العسكري البري في سوريا الذي لطالما أعلن أن السعودية مستعدة له، لكن ردود الأفعال الأمريكية غير مبشرة حتى اللحظة بالنسبة للسعوديين، بعدما وصلت الرسائل لهم بطريقة أو بأخرى أن طلبهم يعني دخول الولايات المتحدة في حرب غير مباشرة مع روسيا في سوريا، وهو الأمر نوه إليه رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف أيضًا.

لا زالت الولايات المتحدة تعتقد أن مسار هزيمة داعش ليس بإرسال قوات عربية برية إلى سوريا رغم طلب الأوروبيين ذلك صراحة أكثر من مرة، لكنها ترى أن تسليح أبناء المدن التي تسيطر عليها داعش هو الحل، أو في أقصى تقدير لهذا التدخل سيكون في إطار تدريب مجموعات المعارضة المسلحة الداخلية وليس المشاركة في القتال.

وفي هذا الإطار تستمر الولايات المتحدة في تخدير الوضع عبر الإشارة إلى أن الأولوية هزيمة داعش بجانب التوصل إلى حل سياسي مع النظام السوري، بينما ترى السعودية أن مسألة إسقاط بشار الأسد هي الأولوية التي ستمكنهم من القضاء على داعش بجانب عبثية المفاوضات مع الروس، لذا حدثت عملية تصادم في الرؤى بين السعودية والولايات المتحدة في هذه اللحظات، لجأت فيها الولايات المتحدة على التأكيد بأنها لا تريد التدخل في الحرب السورية إلا عبر بوابة قتال داعش، وليس الإنخراط كطرف مثلما فعل الروس.

كذلك تستمر الولايات المتحدة في الاعتماد على الطرف الكردي كشريك أساسي في قتال داعش في سوريا، كما يحظى نفس الطرف بالدعم الروسي، وهو الفصيل الوحيد في الحرب السورية الذي أجمع الروس والأمريكان على دعمه، وهو أمر له تبعاته في أنقرة التي استنكرت هذا الدعم مرارًا، ودفعها ذلك إلى الإعلان عن الاستعداد التركي لمشاركة السعودية في حملة برية على سوريا سيكون أحد أبرز أهدافها إجهاض محاولات الأكراد تطويق تركيا من ناحية الجنوب عبر السيطرة على المزيد من الأراضي السورية بغطاء من القصف الروسي والأمريكي.

الواضح أن واشنطن فضلت الفشل الدبلوماسي في سوريا عن الفشل العسكري، حيث تدرك واشنطن أن روسيا وإيران لن يوقفا دعمهما لنظام الأسد في حال نشوب حرب برية عبر غزو سعودي تركي، كما أن الرئيس باراك أوباما لن يوافق على خطط عسكرية يمكن أن تقلب التوازن العسكري وتدخل الولايات المتحدة في شبح حرب طويلة الأمد بالوكالة مع الروس في سوريا الذين يرون أن مصالحهم يجب الدفاع عنها حتى آخر لحظة هناك.

بينما لا زالت السعودية تناقش خططًا لنشر قوات برية مع حلفاء إقليميين، بينهم تركيا لاقامة منطقة آمنة في سوريا، في مسعى أخير لانقاذ المعارضة التي تواجه خطر الانهيار أمام الهجوم الذي تنفذه القوات السورية مدعومة بغارات روسية في حلب.

تسربت أخبار أن السعودية دخلت أيضًا في نقاشات بعيدة عن الأضواء مع الروس بشأن تحديد مسارح العمليات على الأرض في سوريا، تجنبًا للصدام المباشر مع القوات الروسية في سوريا الذي تخشاه الولايات المتحدة، لكنه سيناريو غير واقعي بالمرة، ولن تقتنع به الولايات المتحدة بسهولة، إذ أن تورط روسيا في توجيه ضربات للقوات التركية في حال الغزو البري سيحتم على الولايات المتحدة التدخل لصالح تركيا بصفتها أحد أعضاء حلف الناتو بما يعني أنه سيناريو حرب كارثية في المنطقة، لذا لا تريد الولايات المتحدة لهذا التدخل أن يحدث بأي صورة كانت.

في هذا الصدد تحاول أنقرة استخدام "سلاح" اللاجئين للضغط على الدول الغربية. ظهر ذلك أثناء موجة النزوح الجديدة لعشرات الآلاف من السوريين الفارين من القصف الروسي على مدينة حلب، وهو ما يُمثل بالنسبة لتركيا إعادة إحياء طلبها القديم بإقامة منطقة آمنة داخل سوريا أو أنها ستفقد السيطرة على الموجة الجديدة بما يجعلها تتجه صوب أوروبا.

التنسيق السعودي التركي في أوج حالاته هذه الأيام، ومحاولة إقناع الولايات المتحدة من قبل تركيا والسعودية تجري على قدم وساق، لكن الفيتو الأمريكي على هذه الحملة العسكرية لا زال قائمًا، لذا تسائل البعض هل يمكن أن يتجاوز الأتراك والسعوديين الخط الأمريكي في القضية السورية بإنشاء مربع جديد من القرارات خاص بهم؟.

البعض يرى أن ثمة تحولات في السياسة الخارجية للسعودية بالتحديد ستساعدهم على اتخاذ قرارات جريئة بالنسبة للموقف في سوريا تبعد قليلًا عن واشنطن، حيث يمكن اتخاذ قرارات مثل الحرب في اليمن وإعدام رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر مثالًا على نمو حالة جديدة لدى صانعي القرار السعودي ترى أن تأمين المملكة من الخطر الإيراني في المنطقة سيتلزم عدم التقيد بالحدود الأمريكية.

حيث لم تكن الولايات المتحدة راضية بشكل كامل عن شن الحرب في اليمن، كذلك رأت أن إعدام نمر باقر النمر المرجع الشيعي عملًا استفزازيًا ولو لم تصرح بذلك الإدارة الأمريكية، لكن السعودية قررت أن تمضي في هذا الاتجاه التصعيدي متباعدة إلى حد كبير مع واشنطن، وهو الأمر نفسه الذي يتوقعه البعض في القضية السورية التي ربما تخرج عن إطار التنسيق بين الولايات المتحدة والسعودية إذا ما تمسك الطرفان بموقفيهما دون الوصول إلى صيغة مشتركة.