( الفقر – الجهل – المرض) الثالوث المدمر لأي مجتمع مهما كانت إمكانياته، لذا فالدول الساعية إلى تحقيق الحدود الدنيا من الحياة الكريمة تستهدف في المقام الأول القضاء على هذا الثالوث المرعب، والقادر على إسقاط المواطن بالضربة القاضية ومن ثم انهيار المجتمع بكافة أركانه.

والدول التي لا تبالي لهذا المثلث الكارثي تكتب بأيديها شهادة وفاتها التاريخية، إذ أنها تبني بنفسها معاول الهدم، وتقدم للفشل هدية على طبق من ذهب، ليصول ويجول في مجتمع فقد شعبه هويته الثقافية بأمية تجاوزت نصف عدده، ويحيا ما يزيد عن 40% منه تحت مستوى خط الفقر العالمي، ويتصدر أفراده التصنيف الدولي في الإصابة بالإمراض والأوبئة.

"نون بوست" تسعى في هذا التقرير إلى إلقاء الضوء على أبرز ملامح الخريطة الصحية لمصر في الآونة الأخيرة، للوقوف على حجم الكارثة الحقيقية، وما ينتظر الملايين من هذا الشعب الذي وقع ضحية حكومات عقيمة وأنظمة رخوة تلاعبت بحياته من أجل تثبيت أركانها حتى وصل الوضع إلى ما هو عليه ألان.

جاء إعلان الدكتور أحمد عماد الدين، وزير الصحة الحالي، عن وجود الباعوضة الناقلة لفيروس "زيكا" بمحافظتي المنيا وأسيوط، بالرغم من البيانات الصادرة عن الوزارة مرارا وتكرارا والتي نفت وجود هذا المرض داخل مصر، ليضع الكثير من علامات الاستفهام حول المخاطر التي تهدد مستقبل المنظومة الصحية في مصر، لاسيما بعد حالة الرعب التي سادت بين المصريين عقب هذه التصريحات الوزارية.

الوضع الصحي في مصر " كارثة"

التقارير والإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بشأن الوضع الصحي في مصر أقل ما يقال عنها أنها " كارثية" إذ تحمل بين ثناياها أرقاما وبيانات تصيب الملايين من هذا الشعب بالذهول وتحمل في فحواها العشرات من البلاغات الرسمية التي يجب أن تقدم ضد من حكموا هذا البلد طيلة العقود الأخيرة، وأوصلوها إلى هذا الوضع الذي فاق الدول المستعمرة والقابعة في غياهب النسيان.

في أحدث تقرير لمنظمة الصحة العالمية كشف عن احتلال مصر للمركز الأول عالميا في الإصابة بمرض فيروس " سي " والفشل الكلوي، إذ هناك ما يقرب من 9ملايين مصري مريض بفيروس " سي " ، و2.6مليون مريض بالفشل الكلوي، إضافة إلى ما يزيد عن 5 ملايين مصاب بمرض السكري.

المقلق فيما كشفه التقرير أن نسبة الإصابة ببعض هذه الأمراض في زيادة مرعبة  تصل في بعضها إلى 22% سنويا كما هو الحال في فيروس " سي " بما يعني أن الفيروس يصيب نحو 165٫000 شخص في مصر كل عام، وهو ما أكد عليه الدكتور حلمى أباظة، أستاذ الجهاز الهضمي والكبد بجامعة الإسكندرية.

ملايين الضحايا في مصر مابين فتك الأوبئة والإلهاء السياسي

على مدار تاريحها الطويل تعرضت لمصر لهجمات شرسة من الأوبئة التي تسببت في وفاة الملايين من المصريين من بينهم أطفال ونساء وشيوخ نتيجة التقاعس عن إسعافهم أو توفير الأمصال الوقائية لهم.

ومابين 1347م وهو العام الذي شهد أول تلك الهجمات بمرض الطاعون على أهالي القرى المصرية وحتى عام 2016 م حيث ظهور فيروس " زيكا " مرورا بالعديد من الأوبئة الأخرى، عاش الشعب المصري إما فريسة فشل المنظومة الصحية أو ضحية إلهاءه عن قضاياه السياسية الهامة.

" نون بوست" يستعرض من خلال الجدول التالي أبرز الأمراض الوبائية التي تعرضت لها مصر خلال تاريخها، وما أسفرت عنه من خسائر في الأرواح والأموال.

 

خريطة الأمراض الوبائية في مصر

من يدقق النظر في المسوح التي تجريها وزارة الصحة المصرية للكشف عن ملامح خريطة المرض في مصر يصاب بالدهشة والذهول، إذ أن الدولة صاحبت الأرقام القياسية في الإصابة بالأمراض المختلفة، كان أخر مسحي صحي أجرته عام 2006م، وحتى ألان لم يصدر أي مسح جديد يحدد الأمراض الوبائية في مصر، وهو ما كشف عنه الدكتور علاء غنام، مدير برنامج الحق في الصحة، والذي أكد إن خريطة المرض في مصر تتغير باستمرار، مطالبًا وزارة الصحة بإصدار إحصائيات حديثة كل عامين بخريطة الأمراض.

وتبعا لأخر إحصائية لوزارة الصحة فإن أكثر الأمراض التي تسبب الوفاة في مصر هي، القلب، الأوعية الدموية، الجهاز الدوري، السكتات القلبية، أمراض الجهاز التنفسي، الفشل الكلوي، أمراض الكبد ومضاعفاته، وتوجد بصورة ملحوظة في معظم محافظات الجمهورية، بينما تظهر أنفلونزا الطيور بشكل واضح في محافظات الصعيد والمحافظات الحدودية والريف أكثر من الحضر.

المسح أشار إلى تفاوت نسب انتشار أمراض السرطان والقلب والجهاز التنفسي بكل المحافظات سواء في المحافظات الحدودية أو الحضرية أو الريفية أو الصعيد، كما أن مرض السكر يؤثر في 7% من المصريين وتنتشر أمراض القلب والأوعية الدموية على نطاق واسع.

التقرير الصادر عن الوزارة المعنية بشئون الصحة في مصر أشار إلى أن أبرز الأمراض القاتلة هو الإصابة بفيروس الكبد الوبائي (C)، وأن نسبة الإصابة به في المناطق الريفية وصلت إلى 92% بينما في المناطق الحضرية 81 %، وينتشر في محافظات الحدود بنسبة 79%.

انتشر في الآونة الأخيرة – كما يقول التقرير المسحي -  مرض الالتهاب الرئوي ومضاعفاته بصورة كبيرة بمحافظتي الدقهلية والقليوبية، في حين بلغ انتشار مرض أنفلونزا الخنازير في محافظات الدلتا 53% من نسبة الإصابات، والقاهرة الكبرى 34%، والصعيد 10% والمدن الحدودية 3%، من نسبة الإصابات به.

ومن الأمراض المعدية التي كشف عنها التقرير أيضا والتي تظهر بصورة موسمية «الغدة النكافية»، ودائمًا تظهر مع بداية الموسم الدراسي في محافظات الشرقية والقاهرة والغربية والجيزة والمنيا والقليوبية، فيما يأتي مرض حمى الوادي المتصدع الذي ينتقل من الحيوان للإنسان ويوجد في الأبقار والماشية والخنازير،كما دخل المرض مصر لأول مرة في أغسطس 1977 بأسوان، وحدث التفشي الوبائي من المرض خلال عامين بأسوان والشرقية والإسماعيلية وقنا والجيزة وبلغت الحالات المصابة به 18 ألف حالة.

كما ظهر مرض الجذام فجأة في مناطق بالصعيد، خصوصًا في مركزى قنا وإسنا، ثم امتد إلى نجع حمادي وأصاب ما يقرب من 529 مواطنًا، بعد أن أعلنت وزارة الصحة أن معدل انتشار المرض وصل إلى أقل من حالة واحدة من بين كل 10 آلاف شخص منذ عام 1994.

" النفي " سلاح الحكومة في محاربة الوباء

لم تنجح وزارة الصحية في مواجهة تلك الهجمات بالشكل المطلوب، إذ أكتفت باستخدام سلاح " النفي " فقط في مواجهة ما تردد بشأن الإصابة بهذه الأمراض، وهو ما اتضح بصورة جلية مع بداية ظهور مرض أنفلونزا الطيور بداية2006.

تصريحات وزير الصحة المصري وقتها الدكتور حاتم الجبلي نفت تماما ظهور هذا الفيروس في أي منطقة بربوع مصر المختلفة، لكن بعد أن انتشر الأمر وبدأ ظهور حالات متعددة، اعترفت الوزارة حينها بالمرض لكن بعد أن حصد أرواح المئات من المصريين.

 لكن من الواضح أن بعض المسئولين في مصر مصابون بذاكرة سمكية، تفقدهم قيمة الاستفادة من التجارب السابقة، وهو ما ظهر في طريقة تعامل نفس الوزير " الجبلي " مع بداية ظهور حالات مصابة بأنفلونزا الخنازير، حيث سارع إلى نفي وجود أي إصابة بهذا المرض، لكن سرعان ما تراجع كما فعل مع مرض أنفلونزا الطيور بعد انتشاره.

ومن باب أن التاريخ يعيد نفسه، يبدوا أن الذاكرة السمكية لم تكن من نصيب وزراء مبارك فقط، فهاهو الدكتور خالد مجاهد، المتحدث باسم وزارة الصحة، والذي نفى وجود أنفلونزا الخنازير بمصر خلال الفترة الحالية، يتعرض لموقف حرج أصاب مصداقيته في مقتل وذلك حين أعلن الدكتور علاء عثمان، وكيل وزارة الصحة بالبحيرة، عن وفاة 10 مواطنين بعد إصابتهم بالمرض الوبائي، مما أحدث حالة من الجدل وعدم المصداقية لدى المواطنين تجاه نفي “الصحة” انتشار فيروس زيكا، وسبب لهم رعبا؛ خاصة أن منظمة الصحة العالمية أعلنت عدم وجود علاج للفيروس حتى اليوم، كما أكدت أنه ينتقل بعدة طرق، أخطرها الاتصال الجنسي، الأمر الذي دفع العديد من البلدان إلى رفع حالة الطوارئ وإحكام السيطرة على الوافدين من الدول الأخرى بالمطارات؛ لتلافي انتشار الفيروس بأي صورة.

الأطباء: صحة المصريين في خطر ..والحكومة " محلك سر "

استنكر عدد كبير من الأطباء تراخي الحكومة في التعامل مع الأمراض الوبائية، محذرين من مغبة هذه السياسة الفاشلة والتي تهدد مستقبل صحة الملايين من الشعب المصري القابع معظمه في مستنقعات الفقر والجهل ومن ثم المرض.

الأطباء حذروا من أن استمرار الخريطة الوبائية في مصر بهذه الطريقة يعني دخولها مرحلة " الخطر" لاسيما في ظل تراجع الميزانية المخصصة للصحة فضلا عن تأخرها في جدول أولويات الحكومة.

الدكتور ماجد حسان، أستاذ الفيروسات، طالب وزارة الصحة باتخاذ جميع الإجراءات الوقائية التي تحول دون انتشار مثل هذه الأمراض الوبائية، والذي عبر عن استنكاره الشديد لتجاهل الحكومة لمثل هذه الإجراءات اللازمة لاسيما بعد إعلان وزير الصحة عن وجود الباعوضة الناقلة لمرض زيكا بمحافظتي المنيا وأسيوط.

حسان طالب بضرورة البحث عن سبل الوقاية من الفيروس؛ عن طريق منظمة الصحة العالمية، والعمل على توفير أمصال للوقاية من الفيروس الخطير، وغيرها من الفيروسات الوبائية الأخرى”، فضلا عن ضرورة الإسراع في ردم الترع والمصارف والتخلص من القمامة، حتى نتلافى انتشار الباعوضة الناقلة للمرض ، وحتى لا تتكرر كارثة انتشار “زيكا”، كما حدث مع الأمراض التي طرقت أبواب مصر كأنفلونزا الطيور والخنازير.

من جانبه حذر الدكتور علاء نوح، أستاذ أمراض الكبد من الاستهانة بوجود مثل هذه الأوبئة، سواء كانت طيور او خنازير ومؤخرا زيكا، مشيرا انه وإن كانت مصر لم تسجل حالة إصابة واحدة حتى ألان إلا أننا عرضة لانتشار هذا المرض في أي وقت.

نوح طالب الحكومة بالقيام بمسئولياتها تجاه المواطنين المعرضين لمزيد من الإصابة بالأوبئة والأمراض الفتاكة، مشيرا أن التراخي الذي يتلمسه المواطن من قبل المسئولين كفيل وحده أن يميت المئات منهم بالإحباط.