حوار خاص لنون بوست مع العالم المصري عصام حجّي

شهدت مدينة دبي في مطلع شهر ديسمبر الماضي حدثًا معرفيًا ضخمًا عُرف بـ "قمة المعرفة" بحضور وتحت رعاية وإشراف الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم إمارة دبي ونائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، جمعت القمة عقولًا عربية وأجنبية مؤثرة في المشهد المعرفي العربي والعالمي على حد سواء من هيئات دولية وإقليمية، مسؤولي دولة سابقين، علماء وباحثين من تخصصات عدة بالإضافة إلى إعلاميين، كتاب وأصحاب تأثير ذوي علاقة بمجالات المعرفة الإنسانية.

وقد كان لنا حضور في فعاليات القمة ضمن وفد شبابي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شباب طموح يبحث لنفسه ولأمته عن مستقبل مشرق لعالم عربي يعيش أحلك أيامه. لقد وجد هذا الشباب لنفسه مشكاة مضيئة، قدوة ناجحة كتلك التي يقرأ عنها في سير الأعلام، إنه الدكتور عصام حجي العالم المصري في وكالة الفضاء الدولية ناسا بالولايات المتحدة الأمريكية والذي صنفته الجامعة العربية ومجلة تايمز سنتبيتسبرج الأمريكية كواحد من أهم الشخصيات الفكرية في مصر والعالم العربي وهو في التاسعة والعشرين من عمره، واعتبرته الهافينغتون بوست عربي في مقال لها قبل أيام أحد عشرة عقول مصرية ساهمت في تطور البشرية.

على هامش القمة وفي تواضع العلماء منحنا الدكتور عصام حجي من وقته في جلسة طيبة دامت لأكثر من ساعة مع ثلاثة زملاء آخرين من الجزائر، سوريا والأردن، استمتعنا فيها بقصة نجاح عالِمنا التي نقدمها اليوم للقراء في مقال جوال يتوقف عند أبرز محطاتها بالإضافة إلى مواضيع أخرى مهمة ومواقف طريفة حدثنا عنها الدكتور لننهي مقالنا بنصائح ثمينة تُعبر عن رؤيته الوجودية، يقدمها الدكتور عصام لكل شاب يسعى في مهمة الإصلاح على الأرض.

جلال خشيب قابل د. عصام حجي في دبي في إطار "قمة المعرفة"

في البدء كانت الهمة

لم يكن الدكتور حجي يتوقع أبدًا أنه سيأتي يوم يكون فيه عضوًا فاعلًا في طاقم وكالة الفضاء الأمريكية الشهيرة (ناسا) ولا كان حلمه يتجه لذلك، وبالرغم من الظروف السيئة لبلده مصر إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة شغفه وولعه الشديد بعلوم الفضاء والفلك، لقد كان الرجل مقتنعًا أنه لن يكون له مكان شغل في بلده بشهادته الجامعية التي سيتخرج بها - لانتشار ظاهرة المحسوبية - فمن المرجح أنه لن يعمل في وظيفة تناسب مؤهله العلمي كما يحدث عادة في بلداننا؛ لذا قرر أن يتعلم الشيء الذي يحب وفقط وأقنع أهله بذلك بغض النظر عما يمكن أن توصله إليه شهادته من منصب عمل في المجتمع.

إلا أن إخلاصه لِما يُحب رغم كل ذلك أوصله إلى "ناسا" حلم كل شاب مولع باكتشاف عظمة الكون، دخل الدكتور عصام الناسا كمساعد باحث ثم باحث ثم باحث متميز ثم باحث رئيسي ثم رئيس مشروع للفضاء ثم ساهم في ست مركبات فضاء وبعضها لا تزال طور الإنجاز، سألنا الدكتور كيف حصل ذلك فكانت له فلسفة أخرى في التعاطي مع مثل هذا السؤال الذي سيطرحه حتمًا أي شاب عربي طموح يسعى للمجد، إن هذا السؤال - يقول الدكتور عصام - "ليس بالسؤال الذي يدور في ذهني الآن فلطالما كنتُ أتصور أن هذا الحلم سيتوقف يومًا ما، لما ذهبتُ لناسا كنتُ أتصور أني سأمكث هناك شهرين بعدما ذهبت لفرنسا في دورة لمدة ثلاث أشهر أين حضرتُ الماجستير والدكتوراة وعينتُ أستاذًا مساعدًا بالجامعة ثم أستاذًا محاضرًا، ثم مُنحتُ من الجامعة دورة تدريبية في الناسا لمدة 15 يومًا فقط فإذا بي أمكثُ 14 سنة كاملة هناك في ناسا، ما أريد أن أوصله للشباب أن ليس هناك وصفة نجاح مرسومة المعالم ولكن الأمر الأهم أن يبقى الإنسان في جهد دائم ومحاولة مستمرة سعيًا وراء أحلامه".

قصة مأساوية عاشها الدكتور

بعد إنهائه للدراسة بجامعة القاهرة، حصل الشاب عصام حجي على منحة من الحكومة الفرنسية للدراسة بفرنسا بجامعة باريس 6 سنة 1997، لذا اضطر ليقدم تأجيلاً للخدمة الوطنية لمدة سنة حتى يستفيد من المحنة هناك ثم يرجع لآداء الخدمة الوطنية لاحقًا، فتم رفض الطلب، لذا توجه بعدها للكشف الطبي في المقر المخصص للمجندين، وبما أن للدكتور تأتأةً في الكلام؛ فقد قام مسبقا بكتابة بياناته كلها على ورقة لتلافي أي اضطراب في الحديث قد يزيد الطين بله، فصب الضابط المسؤول جام غضبه عليه "ألا تحسنُ الحديث، ماهذا الذي كتبت، علمُ فلكٍ وفضاء، هل تمشي على السحاب؟" ليتم تحويله إلى لجنة نفسية عُليا ويكشف عنه عميد يطنب في سخريته أيضًا "هل تُكلم النجوم وتمشي على السحاب؟" ثم وضع سماعة الكشف على صدره وطلب منه قراءة الفاتحة حتى يعتبر به زملاؤه الذين يتظاهرون بالجنون ليتجنبوا الخدمة الوطنية، خرج الدكتور من هناك بشهادة طبية تعتبره متخلف عقليًا وكانت الحادثة سببًا في ضياع المنحة ليبتدئ عالِمُنا مسيرته مرة أخرى من الصفر.

لماذا يهتم الإنسان بدراسة عالم الفضاء الخارجي وهو غير قادر على معالجة مشاكل الأرض؟ وكيف سيهتم عالمنا العربي بعلوم الفضاء وهو الغارق إلى الأذنين في مشاكل الأرض؟

دراسة الفضاء تهتم أصلاً بدراسة كوكب الأرض الذي نعيش عليه، مصيره وعلاقته بالكون، هل تسمعون بالديناصورات؟ كائنات أقوى من الإنسان عمرت قديمًا لكنها انقرضت، لماذا؟ لأنها لم تكن لديها القدرة على التعايش مع ظروف وتغيرات المناخ على الأرض، فالأمر الذي يحمي الإنسان ويبقيه سالمًا على الأرض هو مدى فهمه لهذا الكون الذي يعيش فيه، فكيف نفهم ظواهر طبيعية كالتصحر والزلازل وما شابه دون هذا العلم؟ كيف نكتشف الأرض وثرواتها؟ إن الناس الذين يقولون بمثل هذا الكلام لا يفقهون شيئًا في هذه العلوم، ويشغلون العالم في قضايا أقل أهمية على أنها محور الكون كالحرب على الإرهاب وما شابه، فمِثلُ هذا الادعاء هو أكبر دعم يمكن أن يُقدم للإرهاب، فالذي يريد أن يحارب الإرهاب حرِي به أولاً أن يمنح الناس الرغبة في الحياة، خاصة في مجتمعات صارت تنتظر الموت من شدة القهر الذي تعيشه يوميًا لسبب وأسباب، فالرغبة في الحياة لن تتوفر إذا لم يتوفر العلم الذي يجلب الابتكار ويُحسن ظروف الإنسان.

لذا يؤكد حجي أن علم الفضاء علم أساسي وهو الذي يقف وراء تطور العلوم كالجبر والهندسة والفيزياء وقد كان العرب والمسلمون رواده يومًا ما، أناروا بها العالم أجمع فليس من المنصف أن يصيروا آخر الأقوام فيها اليوم بعدما اكتشف أجدادهم قوانينها الأولى، فهذا العلم هو الذي طور الصناعات والتكنولوجيات الجديدة.

لماذا لا نسمع بالموهوب العربي إلا بعدما يحقق نجاحًا في الخارج؟

يرى الدكتور حجي أن لذلك أسباب عدة أهمها عدم وجود منظومة ترعى الموهوبين في عالمنا العربي وأن السائد هو الإهمال، فأغلب الدول تستحضر علماءً لها من الخارج لتفتخر بهم أمام الملأ وتحقق مكاسب سياسية ما، لا لتستفيد من علمهم في نهضة الأوطان، فالغرب يزخر بعلماء عرب ومسلمين مهملون في أوطانهم، يوجد على سبيل المثال عالِمين اثنين حاصلين على جائزة نوبل من أصول جزائرية أحدهما اسمه كوهين تانوتجي فرنسي الجنسية مولود في الجزائر ومتحصل على نوبل في الفيزياء بجامعة باريس6، ولا يسمع به الجزائريون للأسف الشديد، هناك أمثلة كثيرة عن علماء ذوي أصول عربية حاصلين على جوائز عالمية مرموقة لكن مهملون في أوطانهم الأصلية، للأسف الشديد تستغل حكوماتنا صورة هؤلاء لا تكريمًا لهم ولكن لغاية التعتيم على الوضع المزري الذي وصل إليه حال التعليم والعلم عندنا.

لقد تحولت بلداننا بسبب هؤلاء إلى أسواق لا أوطان كما يضيف الدكتور عصام، أسواق رخيصة تستثمر فيه الشركات الأجنبية وتروج فيه لبضاعتها بالسعر الذي تريد مستغلةً ثرواتها، فبدلاً من أن تحول هذه الثروات إلى قدرات صناعية فهي تصدرها خامًا للغرب، الجزائر أحسن مثال، علماء الجزائر يملأون الجامعات الأوروبية والأمريكية ويستفيد من علمهم الأجانب بدلاً من أن تستثمر فيهم حكومتهم، أما وضع مصر فهو أكثر سوءًا يضيف الدكتور، فإذا كانت نسبة الأمية في الجزائر حوالي 3% فإنها في مصر تصل إلى 50% وهذا بسبب إهمال النظام السياسي للعلم والتعليم، في مقابل ذلك لا نكاد نجد مسؤولاً حكوميًا واحدًا يدرس ابنه في مدرسة حكومية، فجميع أبناء هؤلاء إما يتلقون تعليمهم في مدارس وجامعات خاصة وإما في الخارج أما الجامعات الحكومية فصارت تجمعات لأبناء الفقراء وحسب.

العرب، ناسا، وعلماء الفضاء

 يؤكد الدكتور عصام حجي أن نسبة العلماء العرب في الناسا تقل للأسف عن 1%، يأتي في مقدمة العلماء العرب من حيث الجنسية اللبنانيين، المصريين، الجزائريين (بما فيهم المولودين بالخارج من أصول جزائرية)، المغاربة، السوريين، الفلسطينيين، الأردنيين وكذا التوانسة، ويرى أن هناك مشروعات علمية في بعض الدول العربية كالإمارات العربية المتحدة التي تشرع في بناء محطة فضاء متطورة، ويأمل الدكتور عصام أن تقوم مثل هذه الدول بتجنيس العلماء العرب الذين يعملون فيها حتى تتلافى حدوث نزيف للعقول العربية نحو الخارج، فهذا ما هو متبع في أمريكا مثلاً لتحافظ على تلك العقول على أراضيها حتى تضمن تفوقها الدائم.

 بالنسبة للجزائر فهي أيضًا تعاني من نفس هذه الظاهرة، مشكلة نزيف العقول نحو الخارج تستنزفها حقًا، لا يرجع السبب إلى نقص الإمكانيات المالية للجزائر إطلاقًا، بل إن هؤلاء لا يجدون الرعاية الملائمة لهم، فضلاً أن هناك مواضيع معينة يمنع الاقتراب منها بتاتًا بغرض البحث والتنقيب كموضوع الطاقة والمياه وما شابه، ويذكر الدكتور عصام أن الجزائر وحدها بين الدول العربية من تملك قمرين صناعيين علميين ناجحين وفاعلين وهو أمر يبعث على التفاؤل، خاصة وأن أغلب الدول العربية لا تملك أقمارًا صناعية علمية مماثلة (باستثناء الجزائر، المغرب، مصر، السعودية، الإمارات)، بل هناك دولة عربية أرسلت قمريين صناعيين علميين فضاعا في الفضاء الخارجي، فضيحة مثيرة للضحك والأسف في نفس الوقت بعدما أنفقت عليها الحكومة 500 مليون جنيه ونحن نتحدث هنا عن مصر، فللأقمار العلمية دور مهم جدًا كما يؤكد الدكتور عصام مثل اكتشاف الموارد الطاقوية والمعدنية في هذه البلدان، ربما نلمح اهتمامًا عربيًا ببناء بنية تحتية في هذه الدول لكن ليس هناك اهتمام بالعلماء والاستثمار في الشباب المبدع الناجح، يبقى ضعيف جدًا.

شاهد أيضا:

">علماء عرب يصلون إلى العالمية

جزائريون في ناسا

يؤكد الدكتور عصام أن هناك جزائريون كثر يزاولون أبحاثهم هناك على غرار الباحث سعيد كاكي الذي يعمل في معمل الدفع الصاروخي بناسا وآخرون يدرسون بفرنسا ويَقدُمون أمريكا كباحثين زائرين للعمل في ناسا وهم ناجحون جدًا، هناك أيضًا رئيس معهد الصحة الوطنية بأمريكا الدكتور إلياس زرهوني، ويضيف الدكتور عصام أن هؤلاء العلماء يحظون بسمعة شخصية هناك لا باعتبارهم عربًا خلافًا لليابانيين مثلاً الذين يُعرفون هناك باعتبارهم علماء يابانيين والسبب لا يكمن في قلة عدد العلماء العرب هناك بل لأن دولهم لا تروج لهم باعتبارهم كذلك ولا ترسل لهم على الأقل طلبة وباحثين ناشئين بغرض تكوينهم على أيديهم كما تفعل فرنسا التي تمول طلبة وترسلهم لناسا للتكون على يد أمثال الدكتور عصام بل وتقيم ملتقيات على أراضيها وترسل دعوات مدفوعة التكاليف لعلماء ناسا لتبادل الخبرات.

هل يعاني العلماء العرب والمسلمين في وسطكم العلمي من نَزَعات عنصرية تجاههم؟

النظرة الدونية للعرب والمسلمين شيء غير ثابت، متقلب يخضع للظروف والأزمنة والأماكن كما يشرح الدكتور عصام، فقد أُوقف في مطارات دولية لمرات عدة، مُنع من السفر للخارج لأكثر من مرة، بل حتى من الدخول لمكان عمله أحيانًا، قد لا يجد المرء أحيانًا مكانًا للسكن لسبب أنه مسلم خاصة وأني مولود بليبيا التي تعيش أوضاعًا سيئة تخرج من قائمة إرهاب لتدخل أخرى، حتى حصول الواحد منا على الجنسية الأمريكية لا يغير شيئًا، لطالما تسود نظرة سوداوية بين الناس عن العالم العربي وينتشر دعاتها حتى من علماء الغرب الذين حظوا بفرص عمل لمدة أشهر أو سنوات في إحدى دول العالم العربي مروجين لأفكار تصوره على أنه عالم يقبع في الحضيض).

ويذكر الدكتور عصام أنه تصدى لأحدهم ذات مرة على طاولة حوار مخاطبًا مدير الناسا "إننا لا نتقاضى رواتب هنا حتى نقول كلامًا كهذا الذي يقوله ذاك الرجل، نحن هنا لنغير هذا الوضع مهما كان إلى الأفضل، كلنا نعلم ذلك ولكن الأمر الأكثر أهمية في الحياة أن يقرر المرء ألا يعيش لنفسه وأن يعمل شيئا أبعد من نفسه"، كما يضيف الدكتور أننا لا يجب أن نقف هنا كعلماء لننتظر دعوات من حكوماتنا لنطور بلداننا بل لا بد من المبادرة، الدعوة ليست هي الطريق الوحيد، فلا ينتظر الولد طلبًا من أمه حتى يقدم لها الرعاية والاهتمام الواجب والمطلوب، ويعترف أن هناك بعضًا من الدول العربية التي استدعته لتستثمر في خبرته وعلمه على غرار دول الخليج.

رسائل قيادية من عالِم الناسا لشبابنا العربي والمسلم

نتيجةً لإدراكه للدور الطلائعي الذي يلعبه الشباب المتعلم في نهضة الأمم والحضارات لم يبخل علينا الدكتور عصام حجي بنصائح ثمينة مستخلصة من تجربته الثرية كشاب عربي طموح خط طريق النجاح بقوة رغم الظروف الصعبة ليصل إلى أعلى مراتبه وهو في قمة شبابه الآن، فأول دعواته لشبابنا المنخرط في هموم العلم والمعرفة هي ضرورة إدراك أن المعركة مع الجهل معركة شرسة، (فلا ينبغي انتظار تقبل الناس لآرائكم وأفكاركم فقط لكونكم متعلمون)، فالجهل شرس جدًا، متغلغل ويضرب بجذوره في التاريخ وله صوت مسموع أكثر من العلم، ولمحاربته يجب معرفته بشكل جيد وإدراك جدية التحدي الذي ستُقبلون عليه.

كما يدعو الدكتور الشباب لعدم الاستهانة بقوة الكلمة؛ فالنقد الذي يمارسونه للحكومات والأوضاع المزرية بكافة أشكالها ومجالاتها لهو جزء من هذه المهمة الجليلة، مهمة لجم الجهل وأصحابه، فأول القرآن كلمة، والدخول إلى الإسلام يتم كلمة والزواج بتم أيضا بكلمة فلا يستهن المرء بقوة الكلمات، فالشباب في رأيه يبقى دومًا الطاقة المحورية للتغيير في العالم العربي ولا ينبغي التعويل على العلماء وحسب، فكثير من هؤلاء أنهوا مشوارهم العلمي الآن بعدما بزغ نجمهم وصارت لهم الأوطان مكانًا للذكريات لا مكانًا للمستقبل.

إن الإبداع لهو أولى سُبل النجاح، الوقت ثمين ولا يجب استغلاله إلا فيما هو منتج خاصة في مراحل الشباب الأولى، المطالعة الغزيرة وقود النجاح، السفر يمنح الخبرة، والمغامرة في طريق العلم جرأة تستحق الإقدام لاسيما بالنسبة للفتيات الشابات، ففي عالمنا العربي تجدهن مبرمجات يفكرن بمنطق أقل حدة من المجازفة والمخاطر، فيعجزن عن تقدير الأوليات ويرتبكن في حسابات الموازنة بين الحياة الشخصية والحياة العلمية.

كما يحث الدكتور على أن يتحلى الشباب بالجرأة في تخطي حاجز العادات والتقاليد البالية في مجتمعاتنا والتي تعوق بدورها كثيرًا التفكير الحر المبدع، فقد صار للشباب العربي مسار واحد متشابه: تعليم، جامعة، تخرج، البحث عن وظيفة، زواج، أولاد لينتهي العمر في فراغ، فمن يحمل راية التغيير إذن؟ يتساءل الدكتور عصام.

لقد صارت طاقات الشباب العربي للأسف مستنزفة مستغرقة في توفير ضرورات المعيشة وحسب، تصرف مجتمعاتنا أموالاً ضخمة في تقاليد بالية لأجل الزواج مثلاً في حين لا يحظى العلم والتعليم من هذه النفقات إلا بنصيب بخس دراهم معدودات، إنها مظاهر للجهل، إن العلم والجهل كالزيت والماء لا يختلط الواحد بالآخر كما يصف الدكتور عصام، فلطالما كانت عقول الشباب ممتلئة بمثل هذه الأشياء على أنها الغاية والمُراد فلا يمكن لهم أن يتقدموا قيد أنملة نحو الأمام.

إن تحقيق خطوات كبيرة نحو الأمام يتطلب منا تضحيات في حجمها من الكبر أيضًا حتى لا تنتج مجتمعاتنا نسخًا متشابهة من الشباب تطابق الآباء والأجداد، فديننا مبني على التطور ولنا في النبي - صلى الله عليه وسلم -وصحبه أحسن القدوات.

على الشباب المتعلم أيضًا أن يخالط كثيرًا أصناف البشر وأن يصاحب هؤلاء المختلف عنهم في الفكر والطباع، شيء آخر مهم على الإنسان أن يتعلم كيف يحب بعمق يضيف الدكتور، فالحب دافع للإنسان حتى يتغير للأفضل، فكم من مجرم أحب فتاة مهذبة فتهذب، كم من قليل علم أحب متعلمة فأراد التعلم، خاصة في مجتمعاتنا التي تتوجس خيفة من الحب، مجتمعات تخجل من الحب ولا تخجل من السوء والعنف، لذا لا نستغرب أبدًا ظهور العنف والإرهاب مادمنا نخجل من الحب فنحن نشجع العنف بل ونتسامح مع الكره أيضًا، ويضرب لنا الدكتور مثالاً عن مكانة الحب عن مشاهير الغرب، إذ يجد الواحد منا في قصص نجاحهم قصصُ حب هنا وهناك وبنفس الطريقة التي يحب بها فتاة يحب بها عمله أيضًا، نحن نقتل في الإنسان طموحه ثم نحطم مشاعره أيضًا بهذه الثقافة البالية المعيقة لكل تقدم، فتنشأ لدينا أجيال غير مكترثة بالعلم أصلاً.

لا ينبغي على الشاب أن يستسلم أيضًا للواقع بحجة أنه إنسان واقعي يتحرك ضمن ما هو موجود، فيكون مبتور الخيال عديم الإبداع، فالتاريخ لا يذكر أمثال هؤلاء، ويضرب لنا الدكتور مثالاً مما عايشه في رحلته العلمية حينما أطلق مع زملائه مشروع اكتشاف المريخ "كوريوزيتي روفر" فعارضه البعض وقالوا باستحالة المشروع ولكن التاريخ تذكر وسوف يتذكر الذين آمنوا بمشروعهم وأنزلوا مركبتهم على المريخ مثلما تذكر الذي مشى على القمر يومًا ما، فهؤلاء مدعو الواقعية والعقلانية ولغة الأرقام الحاسمة ما هم إلا ثلة من الفاشلين المحبطين عديمي الأفق والإبداع، فليس من اللائق الالتفات إليهم في سعينا نحو الأحلام.

إن فرص التغيير متاحة لشباب اليوم أكثر من أي وقت مضى، فلا مكانة للإحباط ومجال للاعتقاد أن صوت الشباب لن يكون مسموعًا، لقد كسرت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم احتكار القلم والصوت ولم تبق لصحف الأنظمة الرسمية قيمة تُذكر، قد يتجاهلك الناس اليوم لكن سيستمع إليك آخرون غدًا.

نجاح الإنسان لا يكمن في مدى قدرته على العمل مع من يكن له مشاعر الحب وإنما حينما ينجح مع من يكرهونه، كلمة موجهة بالأخص لأولئك الذين يتركون بلدانهم ويهاجرون إلى دول أخرى ذات ثقافات ومواقف وعقائد مختلفة، فالناجح له قدرة على التعامل مع كل هذه الثقافات، بل وتحويل العدو إلى صديق يدافع عن قضاياه، وهذا شيء من تربية النفس كما يقول الدكتور.

وينبه الدكتور عصام أخيرًا إلى صفة مهمة ينبغي أن يتحلى بها شبابنا الطموح، ألا وهي قبول التحديات فضلاً عن مواجهتها بقلوب صلبة شجاعة، ففي خِضم هذه الثورات انسحب كثيرٌ من المثقفين والباحثين واستقالوا من مسؤوليتهم التاريخية، معتقدين أن الوقت غير مناسب للعلم فظروفه سيئة، وكأنهم ينتظرون السجاد الأحمر لينطلقوا، فإذا لم نكن نحن من يحارب كل يوم - يؤكد الدكتور عصام - فلن يحصل التغيير أبدًا وسيبقى كل شيء على ما هو عليه، لذا فأكبر عدو ينبغي محاربته هو الخوف من المحيط الذي يكون فيه الإنسان الطموح المبدع لاسيما خوفه ممن يعرفهم كعادات الناس وتقاليدهم ومثبطات كلامهم.

يحكي لنا الدكتور عصام شيئًا عن التحديات التي خاضها أثناء تحصيله العلمي بفرنسا، في بيئة جديدة وبلغة جديدة لا يتقن أدبياتها بشكل مطلق آنذاك، فكانت علامات امتحانه ضعيفة ولا يؤهله للنجاح إلا أن يحصل على علامة جيدة جدًا في امتحانه الأخير ليعوض الضعف الكبير في الامتحانين السابقين، فالفارق كبير جدًا والمهمة أشبه بالمستحيل، فلم يكن أمامه إلا التحدي أو الاستسلام وبالفعل خاض دكتورنا التحدي وتغلب على تلك الذهنيات التي لا تريد له النجاح من أساتذة فشلة وعنصريين.

قصته مع رائد الفضاء الشهير نيل أرمسترونغ

يحكي لنا الدكتور حجي عن لقائه الأول بعالم الفضاء الشهير نيل أرمسترونغ، يوم طلب منه رئيس قسمه أن يشارك في مشروع تدريب رواد الفضاء سنة 2006 ضمن مشروع أكبر ألا وهو مشروع العودة للقمر، كان نيل أرمسترونغ ضمن طاقم المدربين كباحث متقاعد، فاغتنم الفرصة واقترب منه ليتعلم منه شيئًا، يذكر الدكتور حجي الظروف السياسية السيئة لتلك الفترة خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر وتبعاتها على المسلمين وعليه شخصيًا كعالم مسلم في ناسا، لتأتي نصائح أرمسترونغ يومها في وقتها تمامًا، يخبره الأخير عن فترة الستينات حينما كان يتدرب مع زملائه في الناسا استعدادًا لتلك الخطوة الهائلة في تاريخ البشرية، الصعود إلى القمر.

كان الناس يتظاهرون يوميًا أمام مبنى الناسا احتجاجًا على المشروع كونه غير ذي جدوى لا يهدر إلا المال العام ويرهق كاهل دافع الضرائب الأمريكي، بل وحتى ضد الدين وأخلاقياته أيضًا، لكن حينما تم الإنزال على القمر بعدها بنجاح اجتمع هؤلاء أمام المبنى احتفالاً بهذا النصر العظيم لأمريكا والبشرية.

الرسالة التي أراد إيصالها نيل أرمسترونغ للدكتور حجي كما يخبرنا الأخي: "إنك لا تعمل هنا لتسمع للرأي العام وإنما لكي تغيره"، ثم يحدثنا الدكتور عصام عن شيء من شخصية نيل أرمسترونغ المؤثرة في تاريخ البشرية فهي شخصية صامتة جدًا، قليلة الكلام جدًا، حتى إن حواراته الصحفية مقتضبة جدًا، إنسان سريع الملاحظة، كان يعمل طيارًا يختبر الطائرات الجديدة، لما جاء وقت الإنزال على القمر ولاحظ أن المكان المقرر للنزول فيه على سطح القمر كان مكانًا صخريًا، قام فورا بإيقاف النزول الأوتوماتيكي للمركبة ليُنزلها يدويًا، بمعنى أنه تجاوز القواعد والتعاليم المعطاة بشأن العملية، واجتهد فأصاب ولو لم يفعل ذلك لربما فشلت العملية ولكان للمركبة مصير آخر، والغريب أن أكثر إنسان صامت - كما يصفه الدكتور عصام - قام بأكبر خطوة عرفتها البشرية آنذاك، فقدرة الإنسان تكمن في سرعة بديهته، كان شخصًا يكره الطلعات الإعلامية والشهرة، فما طمح إليه بلغه وانتهى الأمر بعدما أدى وظيفته على الأحسن، فيجب على المرء أن يتعلم من أرمسترونغ متى يحارب ومتى يتوقف.

مبارة الجزائر - مصر ومعركة أم درمان... أين يقف خبير المريخ؟

في حادثة طريفة يحكي لنا الدكتور عصام حجي كيف تم استدعاؤه - وهو في الناسا - من قِبل إعلام الرئيس مبارك المخلوع لحصة على الهواء مباشرة ليُبدي رأيًا في تلك الأزمة السياسية التي حدثت بين الجزائر ومصر على إثر تصفيات كأس العالم لكرة القدم قبل حوالي سبع سنوات، حينما ادعى إعلام مبارك اعتداء مناصري الفريق الجزائري على مشجعين مصريين بالأسلحة البيضاء في أم درمان بالسودان، تم تقديم الدكتور عصام للجماهير على أنه خبير المريخ، ليس المريخ الكوكب الذي ساهم الدكتور عصام في اكتشاف أسراره مع علماء الناسا وإنما نادي المريخ السوداني لكرة القدم، يستفتونه في تداعيات المباراة وكرامة مصر المهدورة من قِبل مشجعين جزائريين مسلحين بالسكاكين يهددون الأمن القومي لمصر، موقف مضحك ومبكي في آن، ختمنا به مع الدكتور عصام حجي هذه الجلسة الفريدة مع ضحكات أمل شبابية بعثت في قلوبنا أولاً حب هذه الشخصية الناجحة العظيمة في علمها وتواضعها الجم، ورسخت ثانيًا في أرواحنا حب العلم والحياة في سبيل الله بالمعرفة ومحاربة الجهل مكمن خراب كل عُمران، حتى نحقق مقصد الله في كونه ألا وهو الإصلاح بمِنهاجه القويم على الأرض، أو لم يبدأ قرآنه الكريم بدعوة صريحة إلى العِلم؟ فما أنبل هذه الدعوة وما أعظم حامليها على مر الأزمان.