صورة تظهر المبعوث الأممي ولد الشيخ أثناء تكريمه من جماعة الحوثي

مرت فضيحة المبعوث الأممي السابق في ليبيا برناردينو ليون على الأوساط الدبلوماسية الدولية بصعوبة، لتترك أثرًا وجدلًا حول مدى نزاهة وشفافية البعثات الدولية لحل النزاعات في الشرق الأوسط.

وذلك بعد أن كشفت صحيفة الجارديان البريطانية عن اختراق دولة الإمارات العربية المتحدة لوسيط الأمم المتحدة في الأزمة الليبية الدبلوماسي الإسباني برناردينو ليون، وهو ما دفعه لاتخاذ مواقف وممارسات موالية لأحد طرفي النزاع في ليبيا وهو طرف برلمان طبرق المدعوم من دولة الإمارات.

حيث اطلعت الجارديان على وقائع عرض وظيفي من الإمارات موجهًا إلى ليون في رسائل إلكترونية تظهر كيف عرض منصب مدير عام للأكاديمية الدبلوماسية في الإمارات على المبعوث الأممي، وتبع هذا الأمر تفاوضًا حول زيادة الحصة المالية المخصصة للسكن، وما أن انتهى الاتفاق حتى أعلن ليون نيته السفر إلى أبوظبي للإقامة بعد ترك منصبه الأممي.

فبعد خمسة أشهر من تعيينه فى دوره وسيطًا فى ليبيا أرسل من حسابه الشخصى رسالة إلكترونية مؤرخة فى 31 ديسمبر عام 2014 إلى وزير الخارجية الإماراتى الشيخ عبد الله بن زايد، وأخبره فيها أنه بسبب بطء تقدم محادثات السلام تبحث الدول الأوروبية والولايات المتحدة عن خطة بديلة تتمثل في مؤتمر سلام كلاسيكي، وهو بحسب رأيه الشخصي، أسوأ من الحوار السياسي؛ لأنه يعامل طرفى النزاع على قدم المساواة.

وغير ذلك من الممارسات التي كشفتها صحيفة الجارديان في هذا التقرير الذي أثبت تورط ليون في عملية رشوة مقنعة من الإمارات لاتخاذ مواقف غير حيادية تتنافى مع طبيعة عمله كوسيط بين أطراف النزاع الليبي.

فضيحة أخرى في اليمن

وعلى ما يبدو أن المبعوث الأممي في اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد قرر أن يسير على خطى ليون بفضيحة جديدة للبعثات الدولية للأمم المتحدة، بعد أن تداول نشطاء يمنيون صورة لولد الشيخ وهو يتسلم درع تكريم من محمد على الحوثي، رئيس ما يسمى بـ "اللجنة الثورية العليا" التابعة لجماعة أنصار الله الحوثي.

هذه السقطة بكل تأكيد تخالف المادة الأولى من النظام الأساسي لموظفي الأمم المتحدة، الذي يؤكد على مسألة عدم قبول موظفي المنظمة الدولية أي تكريم أو وسام أو هدية من أي جهة غير حكومية دون الحصول أولًا على موافقة الأمين العام للأمم المتحدة.

حيث اعتبر البعض ذلك بمثابة خرق للقانون الدولي والأعراف الدبلوماسية حين يتم تكريم وسيط بين طرفي نزاع من قبل أحد الأطراف محل النزاع، وهو ما يضرب بشدة في مصداقية وحيادية المبعوث الأممي ولد الشيخ.

اتهم نشطاء مبعوثي الأمم المتحدة إلى اليمن بالتواطؤ دائمًا مع جماعة الحوثي، حيث استعاد البعض منهم ذكريات سقوط العاصمة اليمنية صنعاء في يد جماعة الحوثي، في الوقت الذي كان فيه المبعوث الأممي جالسًا في مدينة صعدة معقل جماعة الحوثي، واليوم يُكرم ولد الشيخ المبعوث الأممي من زعيم الحوثيين علنًا.

ولد الشيخ الذي فشل في جولته الأخيرة إلى اليمن بعد تعنت الموقف الحوثي الذي قوبل به أثناء لقائه الأخير بهم، والذين رفضوا خلاله فك الحصار عن مدينة تعز، كما رفضوا الإفراج عن المعتقلين السياسيين المختطفين منذ منتصف العام 2014، في ظل رفض تطبيق القرار الأممي 2216.

يُحاول الحوثيون إثبات سلطتهم كأمر واقع دوليًا بتكريم المبعوث الدولي وما إلى ذلك من التصرفات، لكن من المستهجن تماهي ولد الشيخ مع هذه المحاولات بقبوله تسلم مثل هذا الدرع، وهو يعلم جيدًا أن وظيفته الأممية وموقفه في الوساطة تمنع عليه ذلك الأمر.

يتخوف اليمنيون حاليًا من الذهاب إلى طاولة مفاوضات جديدة بدعم أممي دون وضوح للرؤية ودون وعي بما يحدث على الأرض في اليمن، حيث اتهموا المبعوث الدولي السابق إلى اليمن جمال بن عمر بالتواطؤ مع الحوثيين في السابق، واليوم يرون أن ولد الشيخ يسير على خطى بن عمر بعد تردد شائعات عن جولة جديدة من المفاوضات دون أن يقبل الحوثيون بالقرار الأممي من الأساس، فيما يسمى بحكومة الوفاق الوطني التي تراها بعض الفصائل اليمنية خدعة دولية جديدة لصالح الحوثيين.

ورغم نفي ولد الشيخ لشائعات الحكومة الوطنية إلا أن اليمنيين لا زالوا متخوفين من فكرة المفاوضات الجديدة على خلفية سيئة لجولتين فاشلتين من المفاوضات جرتا في مدينتي جنيف وبيل السويسريتين برعاية الأمم المتحدة.

كما يرى السياسيون اليمنيون المعارضون لسياسات جماعة أنصار الله الحوثي أن المبعوث الأممي ولد الشيخ دأب على ترويج مرونة الحوثيين واستعدادهم للحلول السياسية دون أي بوادر على ذلك.

فقد أعلنت جماعة الحوثي قبل ذلك عن موافقتهم المبدأية على إجراء عملية انسحاب من المناطق الحدودية مع السعودية، ولم تنفذ هذه الوعود على أرض الواقع، وكذلك ذكرت وكالة "أسوشيتد برس" للأنباء عن مسؤولين بجماعة أنصار الله الحوثي أنباء تفيد بالموافقة على الانسحاب من العاصمة صنعاء تطبيقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2216، إلا أن هذه الخطوة لم تظهر نتيجتها إلى الآن، وهو ما أدى إلى وجود نوع من عدم الثقة في جدية المفاوضات المزمع عقدها برعاية أممية في أبريل المقبل.

في الوقت الذي تؤكد فيه الصحافة اليمنية المعارضة لجماعة الحوثي أن الحوثيين يشعرون برضا كبير تجاه المبعوث الأممي، وقد ظهر ذلك جليًا خلال جولات المشاورات السابقة من خلال التساهل مع وفدي الحوثي وصالح خاصة مع عدم التزامهما بالأجندات الموضوعة لهم والمتفق عليها مسبقًا.

مما يعني أن هذا التكريم سينعكس بشكل مباشر على جولة المفاوضات القادمة في ظل اتهامات لولد الشيخ بغض الطرف عن المدن المحاصرة في اليمن، وهو ما يشكك بالتبعية في مصداقية وحيادية التقارير التي سيقدمها الرجل إلى الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.