منذ ما يقرب من ثلاثة سنوات، وبالتحديد حينما تأزم الموقف بسوريا وباتت قوى المعارضة المسلحة تهيمن على الأمور، وبدأت ملامح الانهيار تظهر للعيان على الجيش السوري، ومع دخول داعش طرفا في لعبة الشطرنج على الأراضي السورية المستباحة، بدأت روسيا في التفكير في بدائل لقاعدتها العسكرية الوحيدة بالشرق الأوسط، استعدادا لأي طارئ قد يجد سواء برحيل الأسد، أو دخول أطراف إقليمية ودولية أخرى بالأزمة، تجبر الجانب الروسي على سحب أو تجميد قاعدته الأهم بالشرق الأوسط.

بديل قوي

منذ ذلك الحين بدأت موسكو في التفكير في البديل الإفريقي، وتحديدا منطقة القرن الإفريقي التي تطل على المحيط الهندي، والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، أهم طريق ملاحي واقتصادي وعسكري في المنطقة الملتهبة.

تاريخيا، كان القرن الإفريقي في فترة الحرب الباردة واحدا من أشد مناطق العالم التهابا واشتعالا، فتواجدت روسيا في الصومال في عهد زياد بري، ومع مجيئ الجنرال "أمان عندوم"، ثم "منجستو هيلي ماريم"، ترك السوفيت مقديشو إلى أديس أبابا، بعد عزل "هيلا سيلاسي"، الذي كان مواليا للولايات المتحدة، وبدأ الاتحاد السوفيتي وقتها في دعم النظام الماركسي بالعتاد عسكري، والخبرة الأمنية، لإخماد التمرد في إريتريا، ومع هزيمة الصومال في حرب أوجاديين بنهاية السبعينيات، وانهيار نظامه السياسي بعد الإطاحة بزياد بري في انقلاب 1989م، هيمن السوفيت على المنطقة، لتظهر للعيان تسمية المنطقة بـ "كوبا إفريقيا"، لكن سرعان ما انهار نظام منجستو الاشتراكي عام 1991م، بانهيار الاتحاد السوفيتي، خلال فترة "ميخائيل جورباتشوف"، وخلفاءه، لتستعيد أمريكا المنطقة بالكامل من جديد، وهنا تظهر أهمية المنطقة حاليا لموسكو، كنوع من رد الصفعة للأمريكيين، وعودة هيبتها بعد أن استعادت جانب كبير من قوتها خلال فترة حكم بوتين.

سيناريو تاريخي

بقراءة تاريخية وجيوبولوتوكية لما سبق، يرى المحللين أن الاهتمام الروسي بالقرن الإفريقي بدأ برغبة ملحة في استعادة علاقات السبعينيات مع دول كانت قد فقدتها بعد الحرب الباردة مع الولايات المتحدة، خصوصا إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتيريا، واستجد معهم جنوب السودان وبترولها، فسارعت بتعيين سفراء جدد لها بجيبوتي وجنوب السودان، والتدخل لحلحلة أزمات سياسية في بعض الدول الجنوبية، وتحسين علاقتها بالصومال حليفها الاستراتيجي في السبعينيات، وإثيوبيا لاستعادة علاقتهما الجيدة إبان فترة حكم "منجستو" الاشتراكية، ما يعني أن التحركات الروسية الأخيرة بالمنطقة تحمل رسائل عن رغبتها في العودة بقوة إلى المنطقة من جديد، للتخفيف من وطأة أزمتيها في سوريا وأوكرانيا على حد السواء.

للوهلة الأولى يعتقد الخبراء والسياسيون أن العودة الروسية تأتي رغبة من موسكو في حماية تجارتها الدولية بمنطقة إستراتيجية بحركة الملاحة الدولية، بجانب الموقف السياسي بالمنطقة، خصوصا وأن تلك المنطقة تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية، لتتحكم في طريق التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط العالمية.

تواجد عسكري

نقطة أخرى تدعم الرأي السابق وهي أن تلك البقعة الاستراتيجية، تحمي القاعدة العسكرية الروسية بالمحيط الهادي، وتعتبر ممرا مهما لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة باتجاه منطقة الخليج العربي، والسيطرة عليها تعني السيطرة على ممرات مائية وبحرية حيوية واستراتيجية، توقف تلك الإمدادات وتطيل من فترة تواجد .

والآن.. لا يخفى على أي من المحللين والمتابعين لتطورات الأحداث بالشرق الأوسط، أن اعتماد روسيا سفيرا لها في جيبوتي والصومال، هو مؤشرا قوي على اهتمامها المتزايد بالمنطقة، وهو تطور هام يعكس بما لا يدع مجالا للشك التنافس المحتدم بينها وبين واشنطن في الشرق الأوسط، بشأن الملفات السابق الإشارة لها.

في نهاية العام الماضي 2015 وتحديدا في شهر سبتمبر، نجحت الدبلوماسية الروسية في استضافة اجتماع في موسكو لوزير خارجية السودان إبراهيم غندور ووزير خارجية دولة جنوب السودان رنابا ماريال بنجامين، وتم الاتفاق بشكل ضمني على إقامة منتدى تعاون أفريقي روسي، لحشد التأييد الأفريقي لصالح موقفها في الأزمتين الأوكرانية والسورية، بل أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، توصل خلال زيارته الأخيرة لمقر الاتحاد الأفريقي إلى تفاهمات مع رئيسة مفوضية الاتحاد "نكوسازانا دلاميني زوما"، لدعم مواقف موسكو الاتحاد في الأمم المتحدة، مقابل دعم الاتحاد الأفريقي موسكو بالتصويت ضد أي مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة تدخلها بأوكرانيا.

لكن ماذا يمكن أن تقدم روسيا تنمويا لتلك المنطقة غير قوتها العسكرية، خصوصا بعدما تغلغلت فيها الهند والبرازيل وتركيا، التي بات لها نفوذ اقتصادي قوي بالقارة السمراء، والصين التي باتت الدولة الأولى في التمويل الدولي للقارة؟

تراجع وملء فراغ

هنا، يرى الخبراء أن التراجع غير المبرر للأدوار الخليجية والعربية بتلك القارة، يسمح للتمدد الروسي بها، وبإمكان موسكو أن تقدم خدمات متنوعة لإفريقيا لن تقتصر على صفقات التسليح فقط، بل تشمل التكنولوجيا النووية، والتعاون الأمني وتكثيف المبادلات التجارية، ودعمها بقروض تنموية ومنح؛ لاستخراج وتحليل المياه، وإقامة السدود مثل الحالة الإثيوبية، ومشروعات الطاقة، فضلا عن المساعدة على حل الأزمات بها، من خلال موقعها بمجلس الأمن الدولي.

كما انتقلت موسكو من منطقة القرن الإفريقي لعمقها الجنوبي، وأبرمت اتفاقا مع جنوب إفريقيا لتزويدها بثمانية مفاعلات نووية بحلول 2023 في إطار شراكة استراتيجية موقعة بين البلدين، ما يسمح بتشغيل أول محطة نووية تعتمد على التكنولوجيا الروسية في القارة الإفريقية، وعززت كذلك علاقتها العسكرية بالخرطوم عاصمة السودان الشمالية، والتقى لافروف نظيره السوداني "علي كرتي"، خلال منتدى التعاون العربي الروسي الذي عقد بالخرطوم مؤخرا، لتطوير تعاون البلدين عسكريا واقتصاديا وتنمويا.

البوابة الشمالية

التحركات الروسية لم تتوقف على المنطقة الجنوبية بإفريقيا، لكنها بدأت مع العام 2013 خصوصا بعد سقوط حكم جماعة الإخوان في مصر، بالتغلغل بالمنطقة الشمالية للقارة السمراء، في ظل غياب أمريكي بدأ بتوتر العلاقات بينها وبين القاهرة بعد ثورة 30 يونيو، وعملت موسكو على توقيع اتفاقيات عديدة مع مصر، بدأت بمنح القاهرة أنظمة دفاع جوي حديثة، قبل أن ترد عليها مصر بمنح السفن الروسية الأولوية في عبور قناة السويس، واستخدام مجالها الجوي.

وبعد مصر كثفت روسيا زياراتها الدبلوماسية للجزائر والمغرب، مستغلة الدول الثلاث وخصوصا مصر كبوابة استراتيجية، ومدخل هام للقارة السمراء، والجزائر والمغرب كمدخل آخر لمنطقة جنوب الصحراء، حيث اليورانيوم والذهب والنفط، وأبرمت مع الجزائر صفقة لإمدادها بسرب من المطاردات من طراز سوخوي سو 32 وميغ 29 وفرقاطة حاملة للمروحيات، إضافة إلى دبابات من طراز ت90 وصواريخ أرض – جو من نوع "بانتسير"، لمواجهة خطر داعش بمنطقة الغرب الإفريقي، مقابل إسقاط ديون قديمة عليها تقارب 5 بليون دولار، لتضمن بذلك موسكو الهيمنة على القارة بالكامل من شمالها لجنوبها، ما يسمح لها بتغيير ميزان القوى بها، وإقلاق الهيمنة الأمريكية، فهل تصمت أمريكا على المحاولات الروسية لخلق "كوبا إفريقيا" من جديد؟.