كتاب قليل الحجم عظيم الفائدة، كتبه قاض جليل ومفكر رصين مهموم بقضايا أمته وشواغل وطنه، يؤرخ الحكيم البشري في هذا الكتاب لمحمد علي وعصره ونظام حكمه والقوى التي شاهدت زمانه وصعوده.

مضمون الكتاب أوسع كثيرًا من عنوانه، يحدثنا العنوان عن محمد علي ونظام حكمه، لكن المضمون يحدثنا عن الحملة الفرنسية وتقييمها في التاريخ، ونظام الحكم والإدارة في مصر، وعن الجغرافيا في الاستراتيجيا، وعبر الحاضر من الماضي للمستقبل، وفقه التغيير دون الانخلاع عن الجذور، وعن الثقافة ودورها، والمرجعية وحكمها وحتميتها، وعن العصر وظروفه ومسموحاته وممكناته، البشري مؤرخًا مفكرًا في ظلال محمد علي ونظام حكمه قال كلامًا كثيرًا لزماننا ولحظتنا ولمستقبلنا.

عندما يحول امتلاك الجغرافيا، التاريخ

ينطلق البشري من نقطة اكتشاف رأس الرجاء الصالح باعتبارها لحظة فارقة في تاريخ العالم؛ فعبر امتلاك القوة البحرية تمكنت أوروبا الصاعدة من السيطرة على أقصى الجنوب الإفريقي، ووصل الحد الأقصى الغربي للعالم القديم (أوروبا) إلى أقصى شرق العالم القديم عبر البحار (التي هي طرق تجارة وسيطرة في ذات الوقت)، مجتازًا عقبة المرور عبر أراضي المسلمين.

فاحتلت بريطانيا الهند، واحتلت هولندا جزر الهند الشرقية، ليبدأ تطويق العالم الإسلامي (وسط وغرب آسيا وشمال إفريقيا، وفي ذات القرن، وعن طريق القوة البحرية عبر الغرب الأوروبي المحيط الأطلنطي، اكتشفت الأمريكتان، وبهذا الاكتشاف تحول غرب أوروبا من أن يكون الحد الأقصى للعالم (القديم) إلى أن يصير وسط العالم (الجديد)، لأن أمريكا صارت إلى الغرب منه، ليتسع العالم ويتكور في الوعي الإنساني، وفي النظر السياسي أيضًا.

وفي هذه المرحلة ذاتها حدثت في شمال الأرض أحداث لا تقل أهمية بالنسبة لعالم المسلمين على وجه الخصوص، فالدولة الروسية التي ظهرت في الشمال الأوروبي في القرنين التاسع والعاشر، عرفت أنها لا تستطيع النمو جنوبُا ولا غربُا لوجود الممالك الأوروبية الأخرى، فخطت لنفسها طريق التوسع إلى الشرق في الشمال الأقصى للكرة الأرضية،على حساب أراضي الدول المسلمة، ومع سيطرة دول البحار على المحيطات بدأ يأفل نجم الدول القارية بعامة، سواء الدولة العثمانية الإسلامية، أو ما شابهها مثل دولة النمسا والمجر المسيحية والتي كانت من أهم الإمبراطوريات الأوروبية، اضمحل كل منها وضعفت وأزيلت تمامُا مع نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

عوالم تصعد لتهبط أخرى

تبدأ عبر القرون من الخامس عشر إلى الثامن عشر عملية طويلة لصعود أوروبا الغربية التي كانت في أقصى الغرب من العالم، فسارت عبر المحيط الأطلنطي جنوبًا إلى المحيط الهندي شرقًا، وبلغت الهند وجزر الهند الشرقية في أقصى الجنوب الشرقي من المعمورة وبدأت تحتل الأراضي الإسلامية، وتصعد بريطانيا عبر الهند شمالاً إلى أراضي الدول الإسلامية، ليحاصرالعالم الإسلامي المشتمل على الدول والشعوب الإسلامية من أقصى الشمال من روسيا وهي تتجه جنوبًا على حسابه، كما حوصر من أقصى الجنوب البحري من آسيا وإفريقيا عن طريق دول البحار الأوروبية مثل بريطانيا وهولندا، وكانت بريطانيا تصعد من الجنوب الآسيوي من الهند شمالاً إلى دول المسلمين وتتحارب معهم.

ومع نهايات القرن الثامن عشر كان الطوق الأوروبي الغربي قد أحكم على عالم الدول الإسلامية، وبقيت الدولة العثمانية وفيها رمق، لذلك أسماها الساسة الأوروبيون بـ "الرجل المريض"، وقد بقي الرجل المريض مريضًا زهاء مائة وخمسين سنة حتى أنهته الحرب العالمية الأولى، وكان الخلاف على اقتسام تركته من أسباب هذه الحرب الضروس.

الحملة الفرنسية في ميزان البشري

يؤكد المؤلف أن النظر إلى التاريخ المصري في نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، يتعين أن يكون في هذا الإطار التاريخي وتحولاته، إذ وقعت مصر بطبيعة الحال في مجال السعي لاحتواء الشرق الأوسط الإسلامي كله، الممتد من أواسط آسيا حتى أقصى غرب إفريقيا الشمالي.

ومن زاوية النظر هذه ينظر البشري للحملة الفرنسية على مصر؛ فيؤكد أن فرنسا في سعيها للسيطرة على دول جنوب البحر الأبيض المتوسط كانت ترنو دائمًا إلى مصر، فالفكرة ممتدة عبر حكام فرنسا المتتاليين قبل الثورة الفرنسية وبعدها، وعلى امتداد ما يقرب من مائة وعشرين سنة، وهي جزء من مخطط السيطرة الغربية على الشرق، وجزء من تنافس الدول الغربية بين بعضها البعض للحصول على أهم وأكبر ما يمكن الحصول عليه من بلاد الشرق.

حملة وليست احتلالاً ولا استعمارًا ولا تنويرًا

ينظر البشري لمحاولة استيلاء فرنسا على مصر باعتبارها مجرد "حملة فرنسية" على مصر، لم تبلغ مبلغ الاحتلال ولا الاستعمار، لأنها كانت أقصر وأوجز مدة من أن تصنع نظامًا في مصر أو أن تذكر بوصفها مرحلة تاريخية، إنها كانت حدثًا تاريخيًا فقط، وليس معنى هذا أنها كانت بغير أثر، فالحقيقة أنها تركت آثارًا مهمة في سياق التاريخ المصري، ولكنها آثار ليست من صنعها إنما نتجت عن تداعي الأحداث التالية، وإن من أحداث التاريخ ما يأخذ أهميته لا من ذاته وأهميته الخاصة، ولكن مما تداعى عليه من آثار ليست من صنعه ولا من تصميم من أحدثوه، كما أنه قد يصير علامة على هذه الأحداث دون أن تكون نتيجة له.

جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر كالعاصفة أو الإعصار العنيف، الذي هدم مباني كانت آيلة للسقوط فعجل من سقوطها، وحرك قوى هي موجودة ولكنها كانت تحتاج إلى من يحركها ويكسبها النشاط والفاعلية، وحركت أوضاعًا آسنة لتتخذ في حركتها أشكالاً جديدة وتنشئ فيما بين بعضها البعض علاقات جديدة.

لقد كانت مصر ولاية عثمانية وجاءت الحملة الفرنسية وذهبت بعد ثلاث سنوات، وبقيت مصر ولاية عثمانية، ولكنها صارت إلى قدر من التميز والذاتية أكبر كثيرًا مما كان لها من قبل، وهذا التميز والذاتية هو ما تطور بعد ذلك إلى ما يمكن أن نسميه "تمصير إدارة الدولة في مصر" أو تمصير الحكم فيها، و يصعب القول بأن الحملة الفرنسية هي ما سببت ذلك، ولكنها حركت في مقاومتها من المصريين عناصر كانت كامنة فيهم، وكانت تظهر وتخبو وتنمو ببطء شديد، فقويت ونمت واكتسبت حيويتها لا من الحملة الفرنسية ولكن من مقاومة الحملة الفرنسية.

وأهم أثر للحملة الفرنسية في نظر المؤلف، أنها بدأت تاريخيًا ما يمكن أن نسميه في السياسة الدولية "المسألة المصرية" وهي وضع خاص اتخذ في إطار المسألة الشرقية، يتعلق بتنافس الدول الأوروبية الكبرى على الاستيلاء على مصر بوجه خاص لأهميتها في المنطقة العربية الإسلامية ولأهميتها في طريق التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا.

كما أن من أهم الآثار السياسية للحملة الفرنسية، أن مصر كانت تحكم قبلها بنوع من التوازن بين الهيمنة العثمانية وتبعية مصر لدولة الخلافة، وسيطرة العثمانيين عليها، وبين "التشخيص المصري" المتمثل في بكوات المماليك فكان ثمة توازن بين السلطة المركزية للدولة العثمانية في حكم مصر، وبين المشاركة المحلية في حكم مصر من جانب القوة السياسية الاجتماعية المحلية للمماليك المصريين المقيمين بمصر، والذين تتكون منهم قوة عسكرية تدعم الحكم وتشارك في السلطة إصدار القرارات السياسية المحلية، والحاصل أن الحملة الفرنسية هزمت قوة المماليك ونجحت في تشتيتتها، مما أضعف وجودها العددي، ومما أضعف من وجودها السياسي والاجتماعي في مصر.

مقدمات تولي محمد علي الحكم في مصر

كان حكم مصر قبل الحملة الفرنسية يتصف بنوع من المشاركة بين السلطة المركزية للدولة العثمانية ويمثلها الوالي الآتي من الآستانة، مع فرقة الجيش العثماني التي تحمي إدارته السياسية في مصر، وبين نخبة من المماليك المستقرين في مصر من قرون سابقة، ويمثلون العنصر المحلي في إدارة الشأن المحلي المصري تحت الهيمنة العثمانية، وهم مع الوقت ازدادوا ضعفًا لأن المورد الذي كان يأتي منه المماليك من وسط آسيا انغلق تدريجيًا مع توالي السنين، ومع ضعف هذا الوارد المملوكي بدأت تظهر قوة أخرى من نخب المصريين يردون من علماء الأزهر الممثلين للنخبة الثقافية السائدة ومن الأعيان الممثلين لنخبة رجال الأعمال.

ومع نجاح الفرنسيين في هزيمة المماليك واحتلال مصر، ظهر للمصريين أن القوة المملوكية توزعت بين الفشل في الدفاع عن بلادهم وبين التخلي عن الدفاع والفرار، وهذان الأمران من شأنهما أن ينهيا دور أي نخبة في حكم أي بلد، لأن أول واجبات من يتأهل للحكم ويبقى فيه هو قدرته على الدفاع عن هذا البلد ضد مخاطر الخارج.

وأدى الأثر المترتب على الانهيار الحادث في أجهزة السلطة المركزية، إلى جعل التكوين المستقر لأجهزة الدولة غير قائم بالفاعلية المطلوبة لإقرار الأوضاع وحفظ الحقوق الجارية، مما أنتج عدم وجود مالية مستقرة للدولة لأداء الرواتب والأجور، والجند يحتاجون إلى رواتبهم وأجورهم ليعملوا في ضبط الأمن، فإن لم تصرف لهم أضربوا أو أعلنوا العصيان، وتوفير المال لصرف الرواتب يأتي من الضرائب، وجمع الضرائب من الأهالي في الظروف الصعبة القائمة تثير الأهالي وتدفعهم للعصيان والتظاهر وهو سبب سقوط كل القائمين على الحكم خلال هذه الفترة.

لم يعد للحملة دور بعد خروجها من مصر والإنجليز كانت لهم قوة عسكرية خرجت أيضًا بضغوط الفرنسيين والعثمانيين، لكن بقي لهم نفوذ دعموا به قوة المماليك، أما المماليك فكانوا ضعفاء جدًا وآخذين في الأفول، أما العثمانيون فكان هدفهم الأول إخراج الفرنسيين ليستأثروا بمصر بغير مشارك، وورثت الحركة المصرية الدور المحلي الذي كان يشغله المماليك مشاركين العثمانيين في إدارة الشؤون المصرية وصاروا قوة سياسية منظمة فيما تلى خروج الفرنسيين حتى ولاية محمد علي، وما تلى ذلك من أعوام قليلة.

عندما صار المصريون قوة سياسية

يرى المؤلف أن من الصواب تسمية هذه الفترة ما بين غزو الفرنسيين لمصر وتولي محمد علي الحكم بأنها الثورة الأولى التي عرفتها مصر في تاريخها البادئ مع القرن التاسع عشر، قد أدت هذه الحالة الثورية إلى بلوغ محمد علي حكم مصر واليًا عليها من قِبل السلطة العثمانية، ولكن باختيار من الشعب المصري ذاته، ودعم ذلك أن عامة المصريين صاروا قوة سياسية حلت محل قوة المماليك، أو نمت على حسابها، والعامة هم دافعو الضرائب، ورد فعلهم بعد أن صاروا قوة سياسية صار أسرع استجابة، فقد انهارت صيغة النظام التي كانت حاكمة لمصر في خضم هذا الحراك الشعبي والسياسي الذي شارك فيه المصريون بنهوضهم الثوري، وشاركت فيه القوة العثمانية، وترك هذا الانهيار فراغًا سياسيًا وتنظيميًا على مدى السنوات الأربع التالية، وهي حالة عرفتها كل الثورات، عندما تنهار أسس وصياغات وعلاقات الحكم القائمة، وتبدأ أسس وصياغات وعلاقات جديدة تتشكل وتنتظم علاقاتها على نحو آخر.

وكانت العوايد تجري من السابق، بأن للأهالي أو للعنصر المحلي دور في الشؤون الإقليمية، وكانت لهم في تعيين الوالي إرادة مرعية بقدر ما يزيد وينقص لكنه موجود، وفي تغييرهم أيضًا، وفي اختيار بديل عن أي منهم، والحاصل أن المصريين في هذا النطاق ساعدوا محمد علي كثيرًا وتحركوا لتثبيت حكمه، وفتحوا الطريق لمحمد علي لقيادة الجند الألبان في طريقه لحكم مصر.

محمد علي يحكم

فطن محمد علي إلى طبيعة الصراع الدائر في مصر ومقدار كل قوة من القوى المتصارعة على الحكم وأدرك بفطنته أن الفرصة سانحة لمن يحسن تحريك قواعد القوة في اتجاهه، ولعل نجاحه جاء من فطنته تلك، وإدراكه حلول المصريين محل المماليك في السياسات المحلية، وبآلية عجز الرواتب وعبء الضرائب، بوصفها آلية إسقاط الحكام وقتها، ثم كما يقول المؤلف جاء أمر آخر محصلة هذه الأوضاع وهو أن القوى المتصارعة في ظروف تكاد تتعادل فيها موازين هذه القوى ضد بعضها البعض، ومن شأن ذلك أن يفقد القوى المتصارعة الغالب من قواها، وهذا مما يمكن القوى الصغرى من الترجيح والظهور، ومع إدارة رشيدة للصراع يمكن لها أن تسيطر.

وهكذا أمكن لمحمد علي بقوة ألبانية مرجوحة وبتأييد شعبي ناشئ أن يصنع أمرًا ذا تأثير تاريخي كبير جدًا، فقد كان لمرونة محمد علي داخل القوة العثمانية، ما أفاده في المراحل الأولى، لأنه كان من رجال الصفوف التالية للقيادات، بما مكنه من مراقبة الأحداث من داخلها بغير أن يتورط في مسؤولية مباشرة لأي من التصرفات التي لا يتحمل عبئها إلا القيادات، ومما لا يجعله مضطرًا لإعلان الدفاع عن موقف يتخذ ولا الهجوم المباشر على فريق ما.

وأدرك محمد علي من موقعه هذا ضعف المماليك، وأن القوة السياسية المحلية آلت لغيرهم من عامة المصريين، الذين يتحركون حركة سياسية ويشاركون في الأحداث تحت قياداتهم من الأزهريين والأعيان، ولم يكن من المنشغلين بالشؤون المصرية في قمة القوى العاملة من فطن إلى هذا التغيير، ولا من فهم هذا الأمر وأدرك أبعاده وعمل على توظيفه، لكن محمد علي أدرك ذلك تمامًا ووظفه في تثبيت دعائم حكمه.

كانت القوى الاجتماعية والنخبوية الموجودة في بداية حكم محمد علي هي: العثمانيون الأتراك، والمماليك، والشيوخ المصريون، والأقباط والبدو، وهو قد بدأ سنة 1805 يقيم ولايته العثمانية بالتعامل مع هذه"الموجودات" بروح المقاومة لما يشذ منها عنه، والتوظيف لما يقبل أن يندرج منها في نظامه.

مشكلة النخبة التركية

كان لمعظمهم وجوه تبعية وأواصر اتصال بعاصمة الدولة العثمانية، ولهم علاقات يمكن أن تنشأ أو تقوى مع الباب العالي، مما يجعلهم منافسين محتملين له في ولايته لمصر، أو مصدر أخبار عنه، كما أنهم كانوا قرناء لمحمد علي أو قريبين منه من موقعه زمالة وندية، ومن عادة الحاكم الفرد في أي مجال أن يتخلص من القرناء أو الأنداد أو القريبين من مستواه، باعتبار ذلك مهيئًا ومسوغًا لفرض الهيمنة وإسلاس علاقات الآمر بالمأمورين، فتخلص منهم عبر حروبه، وعبر المزاوجة بين النخبتين العثمانية والمملوكية، وجعل للمماليك وجودًا وثقلاً يوازن به ثقل العثمانيين.

المماليك

كان لديهم تقاليد ثقافية وأنظمة للولاء، تجعل المملوك على ولاء لمن استقدمه، كان هذا الولاء ينتقل من القائد المهزوم إلى القائد الجديد، لذلك لم تكن لمحمد علي مشكلة جادة مع المماليك الأتباع بعد أن قضى على كبرائهم فاعتمد عليهم في جيشه الجديد.

المصريون الذين حملوه إلى سدة الحكم

هادن محمد علي النخب المصرية الجديدة من علماء الأزهر والصوفية والأشراف والأعيان والتجار والحرفيين حتى جاءته الفرصة للتخلص منهم، فمن عادة الحاكم الفرد ألا يبقي من ولاه أو ساهم في ذلك ممن يستطيع إبعادهم، فلما نجح في الفوز بحكم مصر منفردًا بعد طرد الإنجليز بفضل مقاومة المصريين، كانت لحظته الحاسمة لفض شراكة الحكم معهم، فلما تكلم معه المصريون في كيفية تأمين مصر قال لهم ما نقله الجبرتي: "ليس على رعية البلد الخروج، وإنما عليهم المساعدة بالمال لعلائف العسكر" ليحسم أمره مع المصريين، ثم سيطر بعد ذلك على الأوقاف لتركيز حركة التمويل الاجتماعي في يديه تحقيقًا لما يراه من تنظيمات ومشروعات نهوض وتعبئة، وبذلك ضعفت قوة الشيوخ والأعيان والتجار ونفي عمر مكرم لتخلو له العاصمة.

الأقباط

كان الأقباط يتوارثون فنون مساحة الأراضي وتقدير ما عليها من ضرائب وخراج فأبقاهم محمد علي في هذه الوظائف، وعين منهم المساعدين في هذه الأعمال فكانوا هم المختصين بالشؤون المالية.

قبائل البدو

كانت قبائل البدو ذات أوضاع خاصة على نوعين: الرعاة والبدو الرحل الذين قلص محمد علي من قوتهم بمطاردتهم وعقد معهم العقود وأقطعهم الأراضي الصالحة للزراعة في مناطق الاتصال بين الوادي المزروع وبين الصحاري، بينما جند الأولين الرعاة في جيشه.

محمد علي وجيشه وحروبه

عزز محمد علي مكانته كوالٍ عثماني بحروبه في الجزيرة العربية عام 1813، ثم بدأ تجاربه لإصلاح الجيش سنة 1815 من بقايا الإنكشارية والولاة من شباب المماليك، بعثهم لأسوان للتدريب على يد سليمان الفرنساوي ثم استقدم عشرين ألف سوداني لكن لم تنجح التجربة.

في عام 1822 بدأت تجربة تجنيد المصريين، واستطاع التغلب على صعوبة الجمع بين الخدمة العسكرية والتفرغ لها، وبين مهام الإنتاج الزراعي والحرفي المطلوب، فضلا عن التهيب من تجنيد المحكومين وإدخالهم في جهاز الدولة وهم مندمجون في مجتمعاتهم بممارسة الإنتاج والانتماء الأسري الإقليمي، ليدخل المصريون إلى جهاز الدولة عبر سياسات فاعلة في التعامل مع الجند المصريين وحسن اختيارهم وتوصىة عماله بالجند ومراعاة أحوالهم ومعاقبة من تطاول من ذوي الأصول التركية على الفلاحين بالجيش .

الجيش قاطرة التنمية

كانت قاطرة التنمية في هذا العصر هي الجيش، ويقصد بالقاطرة هنا، مجال الاهتمام السياسي، فهو يشد كافة المجالات الأخرى فتقوى به سائر مرافق الحياة، وتقوى أهمية مصر بحسبانها قاعدة الحكم التي أوجدت هذا الجيش، وتقوى سلطة الخلافة في مواجهة ثورات الداخل ومخاطر الخارج المحدقة بها، ومن خلال هذه النظرة يمكن فهم الإطار السياسي لحروب محمد علي، فحروبه ضد الوهابية هي عثمانية من بدئها إلى نهايتها، ثم حرب السودان الذي جاء تاليًا للحرب الوهابية دفاعًا عن أمن الدولة الإسلامية، ثم الحرب الثالثة حرب اليونان بتكليف من السلطان بهدف قمع الثورة اليونانية القائمة ضد هذه الدولة، ومحمد علي في خوض هذه الحروب إنما يتحرك بقواته لتنفيذ سياسات عثمانية.

لكن ماذا عن رابعة الحروب وخامستها ضد السلطان العثماني نفسه، وهنا يثور السؤال عن كيف يتأتى أن تكون الحرب ضد السلطان هي في إطار الدولة العثمانية؟

يستعرض المؤلف تحليلات المؤرخين لهاتين الحربين باعتبارهما طموحًا للاستقلال والتوسع الذي حلم به محمد علي لكنه يرى غير ذلك، فهو يفسر هاتين الحربين بأن محمد علي كان يستشرف الغدر من الباب العالي بعد أن صارت قوته أقوى من جيش السلطان - خاصة أن السلطان قتل جنوده من قبل -، لقد كان صنيع محمد علي هذا وحروبه تلك، عملاً من أعمال الفتنة والتمرد، فهو لم يفكر أن يستقل بمصر في ذلك الوقت 1830 وإن كان يستطيع، لقد كان عمله دليل على أنه يقوم بعمل من أعمال العصيان والتمرد العسكري ضد سلطة الدولة المركزية في النطاق العثماني ليس إلا.