لا زلتُ في الخامسة والعشرين، ولم أتزوج بعد، لكنني أرغب أن أكتب هذا الميثاق لأبنائي في المستقبل إن كتب الله لي ذلك، سأعدهم في هذا الميثاق بأن أفعل كل الأمور التي كان يروق لي أن يفعلها الوالدين، وألا أفعل الكثير من الذي فعلوه، في باطن هذا الميثاق رسالةٌ مبطنة مني للأهل جميعًا لعل كلماتي تغير شيئًا أو تحدث فرقًا قبل فوات الأوان، وفي ظاهره مرجع لكل ما أتعهد به الآن لأبنائي في المستقبل.

بدايةً أعدكم أن والدكم سيكون مصدر فخرٍ لكم، لن يكون طبيبًا أو مهندسًا، لن يكون منفتحًا أو مغلقًا، لن يكون غنيًا أو متوسط الحال، لن أحدده بأي من تلك الصفات، لكنه سيكون والدًا يؤمن بالحوار "ويأخذ ويعطي" ويتقبل الآخر ويحترم مساحته الخاصة.

أظنني بهذا أكفل لكم حياتكم بالنمط الخاص بكم، أكفلُ لكم والدًا حريصًا نصوحًا مربيًا مرشدًا، لكنه في نهاية الأمر لن يجبركم على شيء لستم على قناعة به، لن يختار عوضًا عنكم، ولن يقرر نيابةً عنكم، ولن يمنعكم من شيء أردتموه ولم نرده نحن، اتفقنا؟!

بعد ذلك أعدكم بأن أكون صديقةً قبل أن أكون أمًا ومربية ومعلمة، سأستمع للتفاهات قبل الأمور المهمة، في السنوات الأولى من عمركم سأقول: لا بأس، لا عليكم لو كسرتم شيئًا، لو أفسدتم حاجة ثمينة، لو نزعتم طقم القهوة المفضل لدي، وحين تنضجون وتأتونني بالحماقات سأقول: لا بأس، استمروا، شريطةً أن نخرج سويًا بدرس مستفاد بعد كل حماقة، شريطة ألا تتكرر ذات الحماقة مرتين إلا بلونٍ وشكلِ وطابع مختلف، فأنا على ثقة تمامًا أن لا أحد يتعلم من تجربة أحد، كلنا يريد أن يجرب حظه.

لن أخاف عليكم، حسنا ربما أنا أبالغ قليلاً، لا زلت لا أملك مشاعر الأمومة ولا أحمل قلب أم بين ضلوعي، لذا أقول لكم بأنني سأخاف عليكم، لكنني على الأقل لن أمنعكم من مغامرة ما أو تجربة جديدة أو خسارة محتمة قد تأتي بالمسرات بعدها.

فلنعقد اتفاقًا، ستمنحونني حق أن أخاف عليكم، وسأمنحكم حق ألا أمنعكم، سنتحاور ونتفاوض، على الأقل لن أعلبكم في برطمان محكم الغلق مثل "مخلل الخيار أو الباذنجان"، سأقرأ عليكم آيات الحفظ وأستودعكم الحافظ المانع، فيد القدر لا يمنعها عنكم حرصٌ ولا أسوار، بل يمنعها صانع الأقدار ذاته.

أمكم نفسها آمنت بمقولة "الحياة إما مغامرةٌ جريئة أو لا شيء"، لا تخرجوا من رحمي إذا أردتم حياةً روتينية نمطية، لا تتصوروا ذلك إطلاقًا، أمكم التي تكتب لكم الآن لم تحقق شيئًا بعد لكنها لا زالت تسعى بالأربع، وطالما لم يباغتها الموت ستظل تسعى وتحارب، فلا تتخيلوا أنني سأنجب أرقامًا وطنية أخرى أو كائنات تأكل وتأكل وتأكل دون جدوى.

قلت لكم بأنني وأنا أكتب لكم هذا الميثاق لا زلتُ في الخامسة والعشرين، وبعد 3 شهور سينقضى الربع الأول من عمري، في حال كان مقدرًا لي أن أعيش حتى المائة، وأخبرتكم بأنني حتى اللحظة لم أنجز الكثير ولم أحقق الشيء الكثير مما يلهب دواخلي باستمرار، بعض رفيقات أمكم سبقنها باعًا طويلاً، سأعرفكم عليهن إذا ما شاء الله، ربما اختلفت الظروف كثيرًا لذا أحرص أن أصنع لكم ظروفًا غير التي مررتُ بها.

وعليه فإن أول الوعود التي يجب الوفاء بها، وقبل أن أختار لكم والدًا وأبًا ومغامرًا مجنونًا، فإنني أعدكم أن أكون مصدر فخر لكم، كيف؟! وكل أم هي مصدر فخرٍ لأبنائها؟ أجل لكنني أريدُ أن أصنع لكم فخرًا آخر.

جعل الخالق كل أم مصدر فخر لأبنائها فطرةً، إذ عانت وكافحت منذ نفخ الله في روحها من روحه نفحةً أخرى، الحمل والرضاعة والولادة وعبء التربية وسهر الليالي وسكب الدموع، كلها تيجان فخرٍ ألبسها الله لكل أم في نظر أبنائها رغم أنه واجبها الفطري الذي لا تمن به عليهم، لكنني لا أريد أن أكتفي بما وهبته فطرةً، أريد أن أتمنن عليكم ذات يوم وأقول لقد صنعتُ نفسي من أجلكم.

غير الهبة الربانية لأن أكون أم، سأكون مؤهلةً عقليًا وجسديًا وفكريًا وعاطفيًا، قلبًا وقالبًا، لأن أكون أمًا لكم، وهذا قد بدأ بالفعل ولن ينتهي حتى يوارى جسدي التراب وتظل روحي تحيا بجميل ذكركم لها.

أمكم فاتها الكثير في الحياة، ولا تدري إن كانت ستعوض ما فاتها بعضه أو كله أو لا شيء منه، لكنها تعدكم ألا تعوض ما فاتها فيكم، لون جدار الغرفة خاصتكم لن يكون كما أحببت أن يكون لون جدار غرفتي، تخصص الجامعة لا شأن لي فيه، في الأمور المفصلية سأخبركم رأيي وهو ليس بملزمٍ أبدا، "لن أسألكِ مرتين ما رأيك بالعريس، ولن أزيد على قولي "أنت ما رأيك بها" حين تخبرني عن عروسك يا حبيبي".

سنفعل معًا كل ما هو مقنع لنا، لن نفعل الصواب لأن الناس تفعله، بل لأنه مقنع، ولن نترك الخطأ لأن الناس لا تفعله، لن تذكر جملة "شو بقولوا علينا الناس" ولا جملة "هيك كل الناس" في بيتنا، هذه من المحرمات وإنني أحذركم من الآن، فالناس في السر غير الناس في العلن، نحن بدعًا من الناس، أجل لسنا مثل الناس، نحن "طفرة"!

سنضع نصب أعيننا الله فقط، سيكون حاضرًا في نظرات العيون وهمسات الشفاه وخفقات القلوب، سيكون حاضرًا في الحركة والسكون، في القوة والضعف، في الغنى والفقر، سنحبه كثيرًا لأنه يحبنا، سنعبده حبًا لا خوفًا، سنخطأ ونعتذر، سنبتعد ونعود، سنذنب ونتوب، سنقصر كثيرًا لكننا سنظل نحبه لأنه يحبنا.

جزءٌ مني أنتم، بعضٌ من كل شي في، لكنكم فور خروجكم من رحمي "كينونة" أخرى مستقلة بذاتها، أمكم "كينونة" ووالدكم "كينونة"، أختكَ وأخيكِ كل واحدٍ منهما "كينونة"، غير مسموح أن تتعدى كينونة على الأخرى، ولكل كينونة مساحتها الخاصة التي تحترم، ومساحة مشتركة تضفي للحياة الأسرية رونقًا وسحرًا، نحب بعضنا ونحترم كلنا.