نشرت صحيفة النيويورك تايمز مقالة رأي حول الممارسات القمعية للحكومة الماليزية التي تعيث فسادًا في نجاح مجتمعها الحديث تحت عنوان "تكميم العقل الماليزي".

ابتدر الكاتب، جاهابار صادق، مقالته بالإشارة إلى رفض المحكمة العليا الماليزية يوم الخميس المنصرم لطعن آخر ضد قانون التحريض على الفتنة، الأمر الذي سيمهد الطريق أمام الحكومة الماليزية للاستمرار بقضيتها ضد رسام الكاريكاتير السياسي، ذو الكفل أنور حق، المعروف باسم زونار، والذي يواجه عقوبة حبس تصل إلى 43 عامًا بعد اتهامه بتسع تهم بالتحريض على الفتنة، وهو أكبر عدد من الاتهامات يوجه لأي شخص ماليزي، حسبما جاء في المقال.

توضح الصحيفة بأن الجرم الذي ارتكبه زونار هو نشر تعليقات ورسوم على وسائل الإعلام الاجتماعية تنتقد قرار المحكمة الصادر في العام الماضي الذي صدّق حكم إدانة زعيم المعارضة، أنور إبراهيم، بتهمة اللواط.

كما تشير الصحيفة بأنه وفي حادثة مشابهة أخرى، ألقت الشرطة الماليزية، في فبراير الماضي، القبض على رسام كاريكاتير آخر، فهمي رضا، لرسمه رئيس الوزراء، نجيب عبد الرزاق، كمهرج، لتطلق سراحه بعد فترة الاحتجاز، وفي حادثة أخرى اُستدعي ثلاثة محامين لطلبهم من نقابة المحامين في ماليزيا إقالة النائب العام، محمد أباندي علي، من منصبه لرفضه محاكمة نجيب على خلفية مخالفات مالية مزعومة، حيث تم اعتبار طلبهم مثيرًا للفتنة لأن النائب العام يتم تعيينه من قِبل الملك، والاعتراض عليه يعد اعتراضًا على الملك ذاته.

يقتبس المقال عن إحصائيات منظمة العفو الدولية التي أشارت إلى أنه وفي عام 2015 وحده، قامت السلطات الماليزية بإلقاء القبض، اتهام، أو التحقيق مع 91 شخصًا بموجب تهم تتعلق بقانون التحريض على الفتنة الصادر عام 1948، وأوضحت الصحيفة بأن هذا الرقم يبلغ خمسة أضعاف الرقم المسجل خلال الـ50 سنة الأولى من نفاذ القانون.

يوضح الكاتب بأن قانون التحريض على الفتنة، والذي تم تعديله بعد أعمال شغب عرقية في عام 1969، يحظر أي عمل من شأنه "زيادة الاستياء أو السخط" بين الماليزيين، حيث صدر القانون في فترة حكم السلطات الاستعمارية البريطانية لأسباب تعود بمعظمها لإخماد انتقادات الشيوعيين، ولكن إدارة نجيب، وعلى الرغم من تعهدها بإلغاء القانون القديم، أشهرت سلاح هذا القانون لإسكات أي شخص يشكك بالدولة، أو حتى بالوضع السياسي الراهن، الأمر الذي يشكّل، وفقًا لوجهة نظر الكاتب، هجومًا غير مسبوق ضد حرية التعبير في ماليزيا، ومحاولة لتكميم أفواه جميع السكان.

يشير الكاتب صادق بأن ممارسات الحكومة الماليزية استهدفته العام الماضي جنبًا إلى جنب مع 4 صحفيين آخرين يعملون معه في صحيفة ماليزيان إنسايدر (The Malaysian Insider)، وهي منصة أخبار إلكترونية، حيث ذكر بأن السلطات الماليزية قامت باعتقالهم على خلفية إصدارهم لتقرير حول قيام مؤتمر الحكام، وهو تجمع لتسعة سلاطين من الوراثين، بإيقاف الجهود التي تبذلها بعض الجماعات الدينية لتعزيز تطبيق القانون الجنائي الإسلامي في جميع أنحاء البلاد، موضحًا بأنه تم إطلاق سراحهم خلال 24 ساعة.

سياسة الترهيب لم تتوقف عند هذا الحد، حيث أشار صادق أيضًا إلى أنه وفي 25 فبراير، وبعد إعلان صحيفة ماليزيان إنسايدر بأن لجنة رقابة مستقلة تعمل داخل هيئة مكافحة الفساد الماليزية قد وجدت أدلة كافية على مخالفات مالية مرتكبة من قِبل نجيب، قامت السلطات الماليزية بحجب موقع الصحيفة على الإنترنت، بزعم أن القصة التي نشرتها ستربك الجمهور لأن المدعي العام كان قد أعلن مسبقًا عدم وجود ما يكفي من الأدلة ضد رئيس الوزراء، وأوضح بأن قرار الحجب أخرج الصحيفة من المنافسة داخل السوق الماليزية، مما أدى إلى توقف عوائد الإعلانات التي كانت ضعيفة بالأساس، ونتيجة لعدم وصول أي عروض جديدة بالتمويل، اضطرت الصحيفة في 14 مارس، وبعد ثماني سنوات من إنطلاقها، إلى التوقف عن العمل.

يوضح صادق بأن نتائج إغلاق الماليزيان إنسايدر تمثلت بفقدان 59 موظفًا لوظائفهم، فضلًا عن خسارة ماليزيا لإحدى منافذ الإعلام القليلة المستقلة، كما أشار إلى أن وزير الاتصالات والوسائط المتعددة الماليزي دافع عن موقف الحكومة بقوله إن الصحيفة كانت تقوم بنشر محتوى يشابه بعدم ملائمته محتوى المواد الإباحية.

وفقًا لما جاء في المقال، لم تكن ماليزيا على مر تاريخها مجتمعًا حرًا ومنفتحًا؛ ففي أواخر تسعينيات القرن المنصرم، وعد رئيس الوزراء آنذاك، مهاتير محمد، بتحقيق الحرية على الإنترنت لجذب شركات وادي السليكون الناشئة ودفع ماليزيا إلى العصر الإلكتروني، ولكن الإنترنت والهواتف النقالة كانا بعيدان عن متناول الكثير من الماليزيين في ذلك الوقت، لذا لم يكن لدى مهاتير أي سبب لفرض أي حظر على الإنترنت، ويُذكر أن الأخير قام في عام 1987 بإغلاق العديد من الصحف لدواعٍ أمنية، وأبقى وسائل الإعلام التقليدية تحت الرقابة اللصيقة.

يشير الكاتب بأن خليفة مهاتير، عبد الله أحمد بدوي، والذي ينحدر كسلفه من حزب المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة، كان أكثر تساهلًا، حيث انتشرت البوابات الإخبارية على الإنترنت، وازدهرت وسائل الإعلام الاجتماعية، وشهدت تلك الفترة ارتفاع أسهم رسامي الكاريكاتير من أمثال زونار وفهمي، ولكن مقابل ذلك، انتقد بعض الأعضاء داخل حزب المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة أداء عبد الله، ملمحين إلى خسارة الحزب تحت ولايته للأغلبية البرلمانية الحاكمة في إحدى الفترات الانتخابية.

يتابع تقرير النيويورك تايمز موضحًا بأنه ولفترة من الوقت بعد حلول نجيب مكان عبد الله في منصب رئاسة الوزراء في عام 2009، كان كل شيء جيدًا؛ فردًا على الخلافات المتنامية بين السكان الملايو والصينيين والهنود في البلاد، أعلن نجيب عن برنامج "1 ماليزيا"، وهي حملة لتشجيع الوحدة الوطنية والتنوع والتعددية، كما ألغت حكومته قوانين الأمن الصارمة التي كانت تسمح بالاعتقال دون محاكمة.

ولكن تمامًا كإدارة مهاتير، تراجعت إدارة نجيب على أعقابها بعد بضع سنوات في المنصب، حيث يوضح كاتب المقال بأن حزب المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة، والذي تم تأسيسه في البداية لتمثيل وتوحيد مصالح عرق الملايو، فشل في تحقيق أي تقدم سوى لصالح الملايو، وخسر الحزب التصويت الشعبي في الانتخابات العامة لعام 2013، ولم يكن للحزب وحلفائه الحصول على أغلبية في البرلمان لولا نظام التوزيع المرجح للمقاعد المعتمد ضمن النظام الانتخابي في ماليزيا، والذي تستفيد منه الدوائر الانتخابية الريفية الصغيرة، وهي المعاقل التقليدية للمنظمة الوطنية الماليزية المتحدة.

يردف المقال موضحًا بأنه وبعد نحو عام من الانتخابات، ساءت الأمور بالنسبة لنجيب، حيث بدأ صندوق الاستثمار الإستراتيجي "1 ماليزيا للتنمية"، والذي يرأس رئيس الوزراء مجلسه الاستشاري، بالاختناق تحت وطأة الـ11 مليار دولار التي رتبها كديون في ذمته، ومن ثمّ بزغت أحاديث عن أن حوالي 700 مليون دولار وجدت طريقها إلى حسابات نجيب الشخصية، وجرّاء ذلك، كان السياسيون المعارضون ونشطاء المجتمع المدني أولى الجماعات التي شهدت مضايقات الحكومة لفضحها تفاصيل خسائر صندوق الاستثمار ومخالفات نجيب، ليمهدوا بذلك الطريق لقمع الصحفيين ورسامي الكاريكاتير.

يخلص الكاتب إلى أن إدارة نجيب تجد نفسها مضطرة للسيطرة على جميع ما يقال حول الفضائح والمخالفات التي يتم اتهامها بها، حيث تشعر بأنها مهددة بشكل خاص من قِبل وسائل الإعلام غير التقليدية، والتي يمكنها الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور، ويضرب المقال على ذلك مثالًا بصحيفة ماليزيان إنسايدر التي كانت بوابة أخبار مجانية تصدر باللغتين الإنجليزية والمالاوية، فضلًا عن أن زونار يقوم بنشر العديد من رسوماته عبر وسائل الاعلام الاجتماعية، بعضها بدون أي حقوق نشر مما يسمح بحرية إعادة استخدامها، وجميع ذلك يشكل خطرًا على الحكومة الماليزية القائمة.

أخيرًا، يشير الكاتب بأن نتائج القمع والفساد الماليزي أسفرت عن فقدانه وزملائه لوظائفهم، وترجيح فقدان زونار لحريته، وعملت بالتأكيد على فقدان ماليزيا لبوصلة الطريق.