يقولون أن النجاح يحتاج إلى 20% من المهارة و80% من التخطيط والرؤية المستقبلية، وكما يقول بيتر دراكر، فإن التخطيط طويل المدى لا يتعامل مع القرارات المستقبلية، بل مع مستقبل القرارات الحالية، وبالنظر إلى مشروع حفر تفريعة جديدة بقناة السويس، الذي تكلف نحو 8.5 مليارات دولار، فإن قرار المشروع لم يمتلك أي نوع من الرؤية أو التخطيط، وقد تكلمنا في هذا الأمر مرارا وتكرارا، وليس الوقت مناسبا  لإعادته، ولكن يجب أن نعلم أن ما تواجه القناة الآن من مخاطر وتحديات باتت مضاعفة بسبب المشروع، وكان من الممكن أن ندفع ضريبة أقل قسوة من التي نحن مقبلين عليها الآن.

وقد تناول وسائل الإعلام الأسبوع الماضي التقرير الذي نشرته صحيفة الصين اليومية الرسمية، حول حث حكومة بكين لشركات الملاحة على استخدام "الممر الشمالي الغربي"، حيث أنه من شأن استخدام الممر القطبي توفير الوقت والمال لشركات النقل البحري الصينية، حيث تكون الرحلة البحرية من شنجهاي إلى ميناء هامبورغ الألماني عبر الممر الشمالي الغربي اقصر بـ 2800 ميلا بحريا عن الطريق المار عبر قناة السويس.

هذا الأمر أحدث ضجة إعلامية كبيرة وتوقعات بالهروب الكبير وهجر السفن لقناة السويس، وربما تكون هذه الضجة في محلها، فبالرغم من تراجع إيرادات قناة السويس إلا أنها تبقى مصدر العملة الصعبة الأكثر ثباتا في السنوات الماضية، وذلك  بالمقارنة بالصادرات والسياحة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، ولكن هل فعلا الممر القطبي يمثل خطرا حقيقيا على القناة؟!.

اقتبست في بداية مقالي مقولة بيتر دراكر، "إن التخطيط طويل المدى لا يتعامل مع القرارات المستقبلية، بل مع مستقبل القرارات الحالية"، فحث الصين لشركات الملاحة على استخدام "الممر الشمالي الغربي" هو المستقبل بعينه لأن المستقبل يقول أن الاحتباس الحراري سيجعل الممر القطبي مناسب جدا لسفن الصين وكثير من دول العالم في السنوات القادمة.

المستقبل.. هذا هو ما أتكلم عنه فحتى الآن لا يشكل الممر القطبي خطرا ملحوظا، فعدد السفن التي مرت بهذا الممر خلال العام الماضي لم تصل إلى 40 سفينة، ولكن المستقبل يشير إلى أضعاف هذا الرقم في السنوات القادمة، كما أنني أذكر أن كل تصريحات المسؤولين في مصر عن التفريعة الجديدة كانت تتكلم عن المستقبل وما سنحصل عليه من المشروع، إذا المستقبل هو هم الجميع.

بالطبع المستقبل يشغل بالي وبالى الصين وبال المسؤولين المصريين، لكن من سينجح في المستقبل هو من نظر للواقع بشيء من المنطق، فمسؤولي مصر لم يتحدثوا عن الممر القطبي وخطط القناة لمواجهة هذا الخطر في المستقبل، وكذلك لم يتطرقوا لكيفية مواجهة التوقعات والواقع القاتم للتجارة العالمية، وأيضا لم يذكروا كيف سيجعلون من قناة السويس ممرا جذابا للسفن التي باتت تفضل استهلاك الكثير من النفط الرخيص والاستغناء عن قناة السويس.

في المقابل نظر الصينيون للمستقبل بشيء من المنطق، فأصدرت إدارة سلامة الملاحة الصينية دليلا يقع في 356 صفحة باللغة الصينية يحتوي على تعليمات مفصلة للإبحار من الساحل الشمالي لأمريكا الشمالية إلى المحيط الهادئ الشمالي، إذن الصين جادة في هذا الأمر، ويجب علينا نحن أن نحافظ على ما تبقى من السفن التي تمر من القناة بأي شكل وبأسرع وقت ممكن.

من وجهه نظري أعتبر تهديد الممر القطبي تهديدا متواضعا بالمقارنة بالتهديدات الأخرى الأكثر فتكا التي تواجه القناة في الوقت الحالي، فقد ذكرت في مقال سابق بعنوان "لغزقناة السويس" أن التجارة العالمية تمر بفترة عصيبة بالإضافة إلى تراجع أسعار النفط الذي أضر بأغلب اقتصاديات العالم، ناهيك عن أن وضع المنافسة بالنسبة للقناة لا يعطها الأفضلية في ظل هذه المعطيات، فالمشروع أصبح عائده الاستثماري ليس صفرًا، وإنما بالسالب.

على الحكومة المصرية وبوجه السرعة تخفيض رسوم المرور من القناة على المدى القصير، والعمل وبأسرع وقت ممكن على تنمية محور القناة ليكون هناك ميزة تنافسية تجذب السفن إلى القناة

القناة فعلا تمر بفترة عصيبة مثلها في ذلك كالاقتصاد المصري الذي يمر بأيام صعبة، ولكن ليس هذا فقط، فبحسب التقرير الصادر عن مؤسسة "سي إنتل" الأمريكية المتخصصة في تحليلات الملاحة البحرية، نجد أن هناك عنصرًا لم يكن في حسابات الإدارة الاقتصادية المصرية فأسعار النفط التي فقدت نحو 70% من قيمتها تدفع السفن لاتخاذ طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً عن قناة السويس، موضحًا أن انخفاض أسعار الوقود جعل السفن تتحمل تكلفة اتخاذ الطريق الأطول بسرعة أكبر، وبالتالي تستغرق نفس الوقت الذي تستغرقه في حالة استخدام القناة.

وهو الأمر الذي سيوفر نحو 235 ألف دولار لكل رحلة بحرية، وهو ما يُعد دفعة قوية للناقلات التي تعاني من ضائقة مالية في ظل تعثر الاقتصاد العالمي هذه الأيام، والحل بحسب التقرير الحديث لـ "سي إنتل" هو تقليل الرسوم بنسبة 50% تقريبًا في قناة السويس، هذه النسبة صادمة جدًا فالوضع الاقتصادي لا يتحمل هذه الخطوة، ولكن عدم التحرك بشكل سريع، يعني زيادة نزيف القناة خسارة أشد عنفًا من ذلك.

إذا هل ستترك الحكومة المصرية هذه التحديات حتى تبتلع لقمة عيش المصريين التي تعاني الهبوط الحاد، أم أنها ستكتفي بالتصريحات بأنه لا وجود للمخاطر والوضع تحت السيطرة!

من وجهة نظري أرى أنه على الحكومة المصرية وبوجه السرعة تخفيض رسوم المرور من القناة على المدى القصير، والعمل وبأسرع وقت ممكن على تنمية محور القناة ليكون هناك ميزة تنافسية تجذب السفن إلى القناة، وإلا ستكون النتائج وخيمة جدا، وسيكون هروب السفن من القناة جماعيا، ولن يستطيع الاقتصاد المصري تحمل هذا الأمر في تلك الفترة العصيبة.