نشبت مشادة بين ضابط شرطة مصري وسائق ميكروباص تطورت إلى اشتباك أخرج الضابط  فيه مسدسه وأطلق النار على السائق، فاستقرت الطلقة في خصيته، ما أدى إلى نزيف حاد نُقل على إثره السائق إلى المستشفى، وذلك في منطقة حي الألف مسكن بشرق القاهرة.

هذا هو الحادث الثاني من نوعه في مدة متقاربة بعد أن أعلنت النيابة العامة في مصر إحالة أمين شرطة إلى المحاكمة الجنائية بتهمة قتل بائع بالرصاص خلال مشاجرة بينهما بضاحية بالقاهرة في وقت سابق من هذا الشهر.

هاتان الحادثتان تميزتا بأن الشرطة استعدت فيهما فئتين من فئات الشعب المصري غير المسيسة في كثير من الأحيان، والتي لطالما أيدت الدولة في قراراتها السياسية والأمنية، لا سيما في هذا النظام الحالي، بل وصل الأمر إلى اعتماد النظام عليهما في حشدهم ضد خصومه من المعارضة السياسية، وذلك مع الأخذ في عين الاعتبار مسألة عدم التعميم.

كان رد فعل قطاع من الجمهور على الحادثتين هو احتشاد الأهالي في منطقة الحادث والاشتباك مع قوات الشرطة المتواجدة وترديد هتافات مناوئة للنظام لأول مرة بعدما تعودوا على الهتاف له دائمًا.

استعداء فئات جديدة

هذا المشهد يذكرنا بحادثة أخرى في نفس السياق حينما قتل أمين شرطة سائقًا في منطقة الدرب الأحمر واحتشد أهالي الدرب الأحمر أمام مديرية أمن القاهرة مطالبين بالقصاص للسائق ابن منطقتهم، بعدما حاولوا قتل أمين الشرطة انتقامًا منه.

وكذلك حينما خرج أهالي قرية في مدينة الأقصر أقصى صعيد مصر للتظاهر ضد وزارة الداخلية بعد مقتل أحد أبناء القرية تحت التعذيب في أحد أقسام الشرطة هناك، وهو الأمر الذي لم تستطع الداخلية مواجهته والاشتباك معه لاستعار الغضب في نفوس المواطنين، وهو نفس التصرف بضبط النفس أمام مديرية أمن القاهرة شديدة التأمين التي لم تستطع التعامل بأي عنف مع الحشود التي تجمهرت أمامها عقب مقتل سائق الدرب الأحمر.

الملاحظ في هذه الحوادث أنها نقلت المواجهة مع الشرطة وأدوات قمعها من النخبة السياسية أو الحركات المعارضة للنظام إلى شرائح أوسع من المجتمع المصري، يتكون ثأرها الخاص مع الشرطة "رمز الدولة" بالنسبة إليهم بمرور الوقت، وهي فئات تراجعت أمامها الدولة في كثير من الأحيان خوفًا من غضبتهم فأعلنت عن تقديم أمين الشرطة في واقعة الدرب الأحمر إلى المحاكمة مع محاولات عدة لاسترضاء أهالي السائق المقتول، كما أنها كذلك في حادثة مدينة الرحاب بشرق القاهرة، والحادثة الأخيرة بالأمس في منطقة الألف مسكن.

حيث اضطرت وزارة الداخلية مع كثرة الانتهاكات والضغط الإعلامي إلى الإعلان عن خطأ أفرادها وعناصرها مع التعهد بتقديمهم للمحاكمة، وهو أمر غير معتاد قبل فترة قصيرة من الزمن، حيث كانت تدافع وزارة الداخلية بكل قوتها عن هيبتها في أي من هذه المواقف، وترفض بشدة مسألة عقاب المخطئين لئلا تهتز صورتها القمعية أمام العامة.

لكن مع مرور الوقت باتت المواجهات تتسع مع فئات الشعب المختلفة؛ فبداية من الأحداث السياسية واتخاذ كافة الحركات المعارضة والنشطاء عداوة الداخلية بعدما اعتبرتهم الدولة هدفًا سهلًا لهم في القمع والتعذيب والقتل في أحيان كثيرة، إلى القطاعات المهنية مثل الأطباء الذين عقدوا جمعية عمومية تاريخية في نقابتهم اعتراضًا على تعدي أمناء شرطة على طبيب، وكانت الداخلية في هذا الوقت مصرة على رفض تقديم الأمناء إلى النيابة العامة.

كذلك حوادث اعتداء الضباط على الصحفيين في التغطيات المختلفة، والتي ولدت حالة من العداء بين الفئتين في المجتمع المصري، وغيرها من الحوادث التي تعرض لها الصحفيون مؤخرًا على يد الشرطة، وربما كان آخرها اعتقالات 25 أبريل الماضية التي استهدفت غالبية الصحفيين، واعتداءات أخرى من الشرطة ضد فئة المحامين المحتكين مع الشرطة بشكل شبه يومي في أقسام الشرطة والمحاكم.

استعجال المواجهة

أما الآن فهناك حالة من جانب الداخلية تستعجل المواجهة مع فئات جديدة من الشعب، حيث بات توزيع القمع بالتساوي مع الجميع دون تفرقة، فلم يعد الأمر متعلقًا بالمشتغلين بالسياسة كما يعتقد بعض البسطاء من الشعب المصري، حتى طال هذا القمع فئات مهمشة من الشعب مثل الباعة الجائلين "أبرز مؤيدي الداخلية في السابق في عمليات فض التظاهرات"، والسائقين الذين لديهم مظلومية طبيعية مع شرطة المرور وأضيف إليها الاعتداء عليهم بالرصاص من قبل عناصر الشرطة.

يحذر مراقبون من أن هذه الحالة تولد ثارات دفينة لا تظهر سوى في أيامٍ كيوم 28 من يناير 2011، حينما هبت هذه الفئات وغيرها لأخذ ثأرها من الداخلية بعد بطش دام لسنوات، وهو أمر لم يمح من ذاكرة الوزارة الأمنية إلى الآن، وما يحدث الآن ما هو إلا عملية إعادة إنتاج لهذا الغضب عند نفس الفئات بصورة قد تكون أعنف.

ربما الذي لا تدركه وزارة الداخلية أن هذا التعامل بهذه الصورة والسير على نفس السيناريو سينتج مشهدًا أشد غضبًا من 28 يناير

وقد بدأت بعض هذه الفئات تدرك الآن أنها ليست بمنأى عن الاستهداف من جانب الدولة ونظامها مهما تحاشوا هم ذلك، وعشرات الحوادث الاعتدائية اليومية ضد مجموعات متنوعة من الشعب تحدث على يد رجال الشرطة بنوع من أنواع التجبر، أو ربما يعتبرونه نوع من رد الكرامة بعدما حدث معهم إبان ثورة يناير وما بعدها.

لكن ربما الذي لا تدركه وزارة الداخلية أن هذا التعامل بهذه الصورة والسير على نفس السيناريو سينتج مشهدًا أشد غضبًا من 28 يناير، وأن التعزيزات الأمنية التي حدثت في ظل هذا النظام وإطلاق يد القمع والبطش الممنهج مرة أخرى، لن تدفع عنهم غضب الفئات المهمشة والمجموعات المتأثرة بفعل الوضع الاقتصادي المتردي، لأن هذه الإجراءات التعزيزية في التسليح وغيره استهدفت قمع النشاط السياسي، إلا أنه مع مرور الوقت فإنك تدخل في مواجهة جماعية مع المجتمع، تستعجلها الداخلية بانتهاكاتها المستمرة بضم شرائح جديدة إلى القمع.

حتى أن منظمة العفو الدولية "أمنستي" وصفت السلطات الأمنية في مصر بأنها مصابة بجنون العظمة قبل أيام، وأكدت أنها باتت لا تستطيع التفريق بين المعارضة السلمية والتهديدات الأمنية.

تصر وزارة الداخلية المصرية على اعتبار هذه الحوادث "أخطاء فردية" رغم كثرتها وبشاعتها يومًا بعد يوم

الأمر لم ينج منه الأجانب بعد أن أثيرت قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي قتل في مصر وألقيت جثته على قارعة الطريق عليها آثار تعذيب، فيما أعلنت وكالة أنباء رويترز مؤخرًا أنها توصلت إلى مصادر داخل وزارة الداخلية والمخابرات المصرية تؤكد أن ريجيني كان قد احتجز عند اختفائه لدى أجهزة الأمن المصرية، وهو الأمر الذي أوقع مصر في مشكلة دبلوماسية وأمنية كبيرة مع الجانب الإيطالي المُصر على ضرورة الكشف عن هوية الجناة حتى لو كانوا من أجهزة الأمن.

فيما تصر وزارة الداخلية المصرية على اعتبار هذه الحوادث "أخطاء فردية" رغم كثرتها وبشاعتها يومًا بعد يوم، وفي ظل حالة الانكار هذه التي تعيشها أجهزة الأمن المصرية والقيادة السياسية، فإنها من المرجح أن تكون هذه الانتهاكات نواة دافعة لأي تحرك قادم ضد السلطة خارج الإطار السياسي أي بشكل مجتمعي بحت، وهو ما معناه أن الداخلية تشكل الآن معول هدم داخل المجتمع لصورة النظام، وهو ما سيشكل خطرًا على بقاء النظام على هيئة الحالية في الأيام المقبلة، بحسب رؤية محللين.