قيادة جماعة الإخوان المسلمين

تدخل الخلافات الداخلية بجماعة الإخوان عامها الثاني بمزيد من التباين والتضاد بين الأطراف المختلفة، وبينما يدرك الجميع تأثر فعالية الجماعة وحدود دورها في المشهد العام بالخلافات العميقة الحادثة إلا أن معطيات التباين يبدو أنها أكبر من أولوية وحدة الصف والبناء الداخلي.

ظهر الخلاف للعلن عندما عادت للواجهة القيادات القديمة من خلال نشر مقالات وإعادة التواصل مع الهيكل الداخلي في المحافظات، وبدأ اشتباك مع القيادات التي تسلمت زمام الأمور بعد فض رابعة حول استخدام العنف كأداة من أدوات الثورة والمواجهة ضد النظام، بين الطرف الأول الذي رأى في ذلك خروجًا عن نهج وثوابت الجماعة وأن آثاره على التنظيم ستكون وخيمة وبين من رأى أن الثورة بكل ما تتطلبه من أدوات أصبحت خيار استراتيجي للجماعة لا يمكن الرجوع عنه.

مع الوقت انتقل الخلاف إلى مفهوم المؤسسية والشرعية بين طرف يرى نفسه هو القيادة الأصيلة وأن غيابه لبعض الوقت بسبب المطاردات الأمنية لا يمنح غيره شرعية مقابلة، وبين من يرى مجموعة صغيرة تمارس وصاية على الجماعة وتعتقد أنها ملك خاص لها بينما هي ملك أبنائها الذين لهم الحق في اختيار من يمثلهم خاصة أن الطرف الأول قاد الجماعة لسنوات طويلة وكانت النتيجة هي الفشل.

كما ظهرت اتهامات للطرف الأول وشكوك في الترتيب لمصالحة مع النظام، ما يعتبر تراجعًا عن الثورة وإهدارًا للحقوق وهو ما لا يكفي تكرار نفيه من الطرف الأول لتجاوز تلك النقطة من الطرف الثاني.

خلال تلك المدة شهد الصراع شد وجذب بين الطرفين في محاولة كل منهما حشد أكبر عدد من مكاتب المحافظات إلى صفه، بينما ظهرت العديد من المبادرات من أطراف مختلفة داخل الجماعة وخارجها من أجل إنهاء الأمر بشكل توافقي كان نصيبها جميعًا الفشل؛ ما أدى إلى استمرار السير في طريق الخلاف حتى أصبح هناك جماعتين مستقلتين كل منهما تدعي أنها الأصل وهي حالة تشبه خلاف جماعة الإخوان السورية في السبعينات.

الطرف الأول وهو القيادة التاريخية رغم تميزه بالقدرة التنظيمية العالية إلا أنه يواجه أكبر أزمة داخلية ربما في تاريخ الجماعة، يساهم في ذلك الظرف المأساوي الذي يعيشه مجتمع الإخوان كنتيجة لحالة القمع المدمر التي يقابلها من السلطة العسكرية، وأيضًا بسبب افتقار أدوات القيادة لقائد كاريزمي مقنع أو رؤية واضحة للمضي للأمام ولو ببطء، بينما لم يعد لخطاب المحنة والصبر وحده الصدى نفسه ما أفقد هذا الطرف شرعية على مستوى الرأي العام الإخواني وإن احتفظ بهياكل تنظيمية شديدة الولاء له.

الطرف المقابل وهو الداعي للتغيير ليس تيارًا واحدًا بل يمكن تقسيمه إلى تيارين متقابلين: الأول أكثر راديكالية في إيمانه بفكرة الثورة الشاملة واعتبار العنف أحد الأدوات المتاحة بل والمهمة في الصراع ضد السلطة، كما أن قطاع منه يتفق مع الطرف التاريخي في الاقتناع بفكرة التنظيم الشمولي في قضية فصل الدعوي عن الحزبي التي أثيرت مؤخرًا، وتيار آخر يمكن تسميته بالتجديدي وهو الذي يسعى لتطوير الجماعة وعمل مراجعات على كافة مستوياتها وهذا الطرف يصرح برفض استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية ويرى فى التوافق والاصطفاف الوطني مع القوى السياسية ضد الاستبداد أمر هام، كما أنه يدعو لفصل العمل الحزبي عن الدعوي، وبالتالي يمكن فهم هذا التحالف أنه تجمعه مصلحة التغيير ولكن يتحتم عليه إجراء حوارات داخلية معمقة والوصول لتصورات متقاربة تجاه القضايا والأسئلة الهامة ورؤية موحدة للتغيير المنشود حتى لا ينفجر من الداخل في المستقبل.

يبدو أن دعاة التغيير لديهم قرار استراتيجي وهو عدم الخروج من تنظيم الإخوان بمعنى أنهم ليسوا حركة انشقاقية بل يمكن تصور أنها حركة معارضة داخلية  (تمتلك أجندة لتغيير نسق تنظيمي وفكري معين) وذلك لعدم وجود فضاء سياسي ومجتمعي مفتوح للعمل أولاً وبالتالي فلا فائدة من بناء كيان جديد وحتى لا تخسر شعبيتها ورصيدها لدى أبناء الجماعة المرتبطين بها وبتاريخها وفكرها بصورة عميقة ويصعب عليهم تقبل فكرة بناء تنظيم جديد، كما أنها تعتقد امتلاكها أدوات للتغيير لم تتمكن منها مجموعات سابقة.
بينما الطرف التاريخي يعيش حالة من الجمود على كافة المستويات الفكرية والتنظيمية ويتصور أنه من السهل تجاوز تلك المعارضة، وفي تصوري أنه يتمنى اختيار الطرف الآخر للانشقاق بدلاً من أن يقوم هو بفصله وقمعه.

لا يزال مستقبل الجماعة مفتوحًا على كل الاحتمالات لكن يبدو أن الاحتمال الأقرب هو استمرار هذا النمط من العمل كجماعتين منفصلتين تنظيميًا وبصورة محدودة نسبيًا على مستوى الرؤى والتصورات بشكل مؤقت مع الاستعداد للالتحام مرة أخرى بشكل توافقي يرضي الطرفين في حالة تغير المشهد المصري الحالي وذلك لسببين أساسيين:

غياب الرؤية الواقعية والإنجاز العملي من كلا الطرفين ومع تراجع تأثير الجماعة في المشهد العام لا يجعل لطرف أفضلية مطلقة على الآخر ويدفع الكثير من أبناء الجماعة للوقوف بينهما أو ضدهما وتحميلهما الفشل في التقدم للأمام.

وجود قيادة متفق على شرعيتها من كلا الطرفين وإن تم تغييبها في المعتقلات حاليًا إلا أنه في حالة حدوث تغير في المشهد وعودتها إلى الصورة فغالبًا سيعود الطرفان للالتحام مع تحقيق بعض مطالب دعاة التغيير.

ما قد يحول دون تحقيق هذا التصور هو إما استسلام دعاة التغيير أمام الطرف القوي تنظيميًا وهو أمر غير متوقع نظرًا لامتلاكه أدوات فعالة وهو سيناريو غير مفيد للجماعة نفسها، أو عقلنة سلوك الطرف التاريخي تجاه الخلاف وزوال حالة التعالي المتوهمة والاستجابة لرؤية التغيير وهو أمر كذلك ليس متوقعًا نظرًا لسلوك هذا الطرف خلال العام الماضي.