قدمت فرنسا مبادرة قالت إنها الحل الشامل للقضية الفلسطينية وذلك بدعم أمريكي، حيث تقوم المبادرة على أساس الدعوة إلى عقد مفاوضات قصيرة، ولكن مكثفة حول الملفات الجوهرية بين دولة الاحتلال الإسرائيل والفلسطينيين، حيث تضع المبادرة نصب أعينها أن هدف إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، باعتباره لب الصراع في الشرق الأوسط، وسبب الاضطرابات وغياب الأمن في المنطقة.

وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت أكد أن باريس ستستضيف مؤتمرًا دوليًا في بداية هذا الشهر لبحث إحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأوضح إيرولت أن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند سيفتتح هذا الاجتماع الذي ستشارك فيه عشرون دولة بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ولكن بدون الإسرائيليين والفلسطينيين.

وقال أيضًا إن هذا الاجتماع قد يؤدي في حال نجاحه إلى الإعداد لقمة دولية تعقد في النصف الثاني من هذا العام، بحضور مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين.

لكن على ماذا تنص هذه المبادرة؟

هناك سياج من السرية ضُرب حول تفاصيل المبادرة، لكن التسريبات الواردة تؤكد أن المبادرة ستعمل وفق مبدأ حل الدولتين لكن بتفاصيل مختلفة، حيث تبدأ المبادرة بالحديث عن مواعيد نهائية للتفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وكل مرحلة من مراحل التفاوض، مع الاتفاق على موعد نهائي ومدة زمنية، لكل مرحلة.

كذلك تنص المبادرة، حسب الوثيقة التي عممتها الخارجية الفرنسية على الدول المعنية، على تحديد سقف زمني لأي مفاوضات مستقبلية بين الطرفين، وتحديد بنود التفاوض، والمواضيع الخلافية التي يجب حلها، ووضع معايير دولية يلتزم بها الطرفان، حتى الاتفاق النهائي حول تفاصيل حل الدولتين.

المبادرة أيضًا ستقدم الاعتراف بدولة فلسطين "المستقلة" بحسب أوصاف الفرنسيين، حيث تنص على أن يتفق المشاركون في مؤتمر السلام على ما وصفته بالخطوط العريضة لعملية السلام، ويُعين بعدها مؤتمر آخر في النصف الثاني من العام الحالي، بمشاركة الفلسطينيين والإسرائيليين، مع التزامهم بتنفيذ بنود المبادرة وبالمفاوضات والعمل على تحقيق حل الدولتين، كما أوضحت الوثيقة أنه إذا تعذر حدوث ذلك فإن فرنسا "ستعترف بدولة فلسطين المستقلة".

تحدث مراقبون عن تكهنات لتفاصيل حل الدولتين في المبادرة الفرنسية تتحدث عن اعتماد مبدأ تبادل الأراضي بين الضفة الغربية وأم الفحم التي تسيطر عليها إسرائيل، كما توقع كثيرون دورًا مصريًا رئيسيًا في حل مشكلة قطاع غزة، ولكن صورة التدخل المصري حتى الآن غير واضحة المعالم.

في حين يتوجب على الفلسطينيين بحسب المبادرة التنازل عن حق العودة للأراضي التاريخية، في مقابل توطنيهم في أراضي التبادل الجديدة، ولم يتبين بعد ماذا سيكون الموقف من القدس المحتلة.

أما عن إنجاح المبادرة فقد أسندت فرنسا المهمة للخليج بحسب التسريبات لتعويض الفلسطينيين والبدء في إنشاء دولة مستقلة من خلال الأموال الخليجية، بدعم أمريكي كامل لكن موقف إدارة أوباما حتى الآن الدافع في هذا الطريق غير مستقر نظرًا لرحيل أوباما من البيت الأبيض بعد عدة شهور، وهو ما يهدد فرص نجاح المبادرة من الأساس.

موقف الأطراف من المبادرة

عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعًا عاجلًا قبيل انطلاق فعاليات المبادرة الفرنسية، معلنين أن بلدانهم تدعم المبادرة الفرنسية الرامية لاستئناف محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وطالبوا بوضع سقف زمني للمفاوضات.

وأكد وزراء الخارجية العرب في بيان صدر عقب اجتماع طارئ لهم بمقر الجامعة العربية في القاهرة "على مواصلة دعم الجهود الفرنسية والعربية والدولية الهادفة لتوسيع المشاركة الدولية لحل القضية الفلسطينية ودعم المبادرة الفرنسية بدءًا بعقد اجتماع مجموعة الدعم في الثالث من يونيو 2016 والإسراع بعقد المؤتمر الدولي للسلام".

ودعا الوزراء في بيانهم الذي تلاه وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة إلى "إيجاد آلية متعددة الأطراف بهدف العمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطين المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو1967، ووضع جدول زمني للمفاوضات لتنفيذ ما يتفق عليه ضمن إطار متابعة دولية جديدة".

أما على صعيد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فقد اعتبرت أن المبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي للسلام لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تمثل "محاولة لإلهاء الشعب الفلسطيني".

وقال المتحدث باسم الحركة سامي أبو زهري في بيان صحفي: "إن المبادرة الفرنسية التي تجاوب معها الرئيس الفلسطيني محمود عباس جاءت للالتفاف على حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية خاصة حق العودة".

أما من جهة السلطة الفلسطينية فقد التقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بالرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند، في باريس منتصف أبريل الماضي، لدعم الجهود المبادرة، بينما أعلنت الحكومة الإسرائيلية في الـ 28 من الشهر ذاته، رفضها المبادرة الفرنسية، وتمسكها بخيار المفاوضات الثنائية المباشرة مع الفلسطينيين دون شروط مسبقة.

في حين يرى عباس أن المبادرة الفرنسية تقترح "مبادئ لحل الصراع على غرار تثبيت حدود يونيو 1967 مع تبادل أراضٍ بين الطرفين، وجعل القدس عاصمة مشتركة بين الدولتين، إلى جانب تحديد جدول زمني لإنهاء الاحتلال، وعقد مؤتمر دولي للسلام".

يرى بعض المحللين أن الموقف الإسرائيلي الرافض للمبادرة ليس رفضًا نهائيًا وقاطعًا لكنه رفض تكتيكي من أجل تحسين شروط التفاوض، بسبب أنهم على ثقة تامة أن هذه الجولة والمحاولة الفرنسية لن تنجح على الأرجح بسبب رحيل الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن البيت الأبيض قريبًا، وأن ثمة استراتيجية جديدة في هذا الصدد ستكون للرئيس الأمريكي المقبل، وهم يفضلون التعاطي معها مباشرة دون الدخول في هذه الجولة.

وكشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية النقاب عن خلافات غير مسبوقة بين فرنسا ودولة الاحتلال على خلفية هذه المبادرة الفرنسية، وأضافت الصحيفة أن المباحثات الاستراتيجية بين فرنسا و"إسرائيل"، التي عقدت في القدس وشارك فيها دبلوماسيون من الجانبين، تحولت إلى صراع غير مسبوق حول مبادرة وزير الخارجية الفرنسي في مجلس الأمن لوضع جدول زمني لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

جدير بالذكر أن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي كانت ترعاها الإدارة الأمريكية توقفت في أبريل من العام 2014 بعد رفض دولة الاحتلال الإسرائيلي وقف الاستيطان، وقبول حدود 1967 أساسًا للمفاوضات، والإفراج عن أسرى قدماء في سجونها.