كثيرًا ما يردد المجتمع خرافة إثبات المرأة لذاتها بالعمل خارج البيت، وأنها تصبح أكثر إنتاجًا وتفاعلًا مع المجتمع بالعمل في مؤسساته وقطاعاته المختلفة، أليست المرأة في داخل بيتها تثبت ذاتها بأداء دور الأمومة؟! أليست محاولات قضاء الساعات مع أطفالها لعبًا ولهوًا وتوجيه سلوكهم هي فعليًا تنتج نتاجًا إنسانيًا ضخمًا يحمي المجتمع مستقبلًا من الانقراض الخلقي والذوبان؟! أليست محاولات المرأة بالحفاظ على استقرار البيت والعلاقة مع الشريك لهي إشارة لتوازن حياة ومجتمع بأكمله؟!

نماذج عديدة مرت علي، تعمل المرأة فيها خارج البيت، تُحرم من دورها كأم، فنجد فجوة بعلاقة الأم بطفلها وكثير من السلوكيات التي تتفاجأ الأم بها، هي فعليًا لا تعلم شيئًا عن طفلها الذي تربى في بيت جده أو في حضن مربية ما، كم هي المواقف والسلوكيات التي صُدمت منها الأم عند محاولاتها التعرف على طفلها الذي شغلها العمل عنه، سواء عند حضور الضيوف إلى البيت، أو حتى اصطحابه إلى السوق، كم هي المشكلات التي لا تعلم بها هذه المرأة إلا بعد فوات الأوان لاسيما المشاكل المتعلقة بتصرفات ابنها كأن يكون لصًا صغيرا أو كاذبًا؟!

النظرة المثالية التي تروج لها الكثير من النساء، بأن المرأة قادرة على أداء دور الأمومة والعمل خارج البيت، نظرة منقوصة ومجانبة للصواب عند النزول بها إلى الواقع العملي، مهما استطاعت المرأة أن تجري نوعًا من التوازن بين العمل والبيت سيكون صعبًا، مهما كانت المرأة مثالية سيكون فيما بعد على حساب صحتها الجسدية والنفسية، وسيكون هناك دومًا شيئًا ناقصًا في دور الأمومة الذي تمارسه، أمرًا لم تناضل لأجله ولم تسعَ لبنائه بشكل صحيح، ستكون هناك فجوة تكبر دون أن تشعر بها، ستمر الأيام تلو الأيام وتقف فجأة تشعر بأن أمومتها احترقت على بوابة العمل خارج البيت، وأنها فعليًا تعيد إنتاج المجتمع، لا تنتج مجتمعًا جديدا!

النظرة المثالية التي تروج لها الكثير من النساء، بأن المرأة قادرة على أداء دور الأمومة والعمل خارج البيت، نظرة منقوصة ومجانبة للصواب عند النزول بها إلى الواقع العملي

العطل والإجازات لا تكفي للتعرف على الطفل أو الابن، ومحاولات التوفيق بين الأمومة والعمل وإن نجحت في بعض جوانبها ستكون على حساب أمور أخرى ستظهر للعيان فيما بعد، عدا عن ذلك طبيعة العمل في مؤسساتنا وقطاعاتنا للأسف ليست مؤهلة للأمهات، غالبيتها تخلو من مكان لرعاية الأطفال والتي تساعد المرأة بالاطمئنان على أطفالها والتواصل معهم في جو العمل، كما تخلو من الامتيازات الخاصة بالأمهات، هل هناك قانون عمل للمراة الأم؟! هل من حقوق لهذه المرأة عن غيرها من النساء غير المتزوجات تساعدها على تحقيق أحلامها بالعمل خارج البيت مثلاً؟! لماذا لا يكون هناك قانون لهذه المرأة بألا يزيد عدد ساعات دوامها عن 6 ساعات بدلاً من 9 ساعات! وغيرها من الامتيازات التي فعلاً تساعد المرأة في محاولاتها للتوفيق بين الأمومة والعمل!

كلامي هذا لا أريد أن يُحمل نحو منع خروج المرأة للعمل، أبدًا، مجرد محاولة للإضاءة على موضوع عمل المرأة خارج البيت، أنا أقدر بأن الارتفاع الباهظ للحياة يدفع الكثيرات منهنّ للعمل والسعي لتوفير الرزق الحلال لأطفالهنّ، ولكن أرجوكِ إن كان المال يكفيكِ ومتوفرًا، فحافظي على أبنائك بأداء دورك كأم، لا كمديرة أو سكرتيرة أو صحفية أو غير ذلك، مارسي الدور الذي مارسته أمهاتنا وجدادتنا بحنان وعلم وجمال فائق.

وأخيرًا.. في ظل العالم الواسع الذي خلقته شبكة الإنترنت، غدت فكرة العمل من داخل البيوت أكثر سهولة وأقل ضررًا، هناك بعض المهن تستطيع المرأة أن تمارس فيها عملها من داخل البيت بعيدًا عن فكرة المؤسسة أو الخروج مبكرًا، وتتقاضى مالًا على ذلك طبعًا، وهذا يعتمد على ذكاء المرأة بإقامتها لشبكة واسعة من العلاقات، وتعزيز فرصة أدائها للمهنة، كأن تعمل مسشارة قانونية بالتواصل مع الجهات المعنية وتقديم الخدمات لها عن طريق البريد الإلكتروني، أو صحفية، أو مترجمة، أو باحثة، وغيرها، بعيدًا عن الارتهان للعمل خارج المنزل والانتماء لمؤسسة أو قطاع ما.