مارك كارني محافظ البنك المركزي البريطاني

بعد ظهور نتيجة الاستفتاء في بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي سيطرت حالة من الهلع في الأسواق المالية وكما كان متوقعًا فإن الاسترليني هبط هبوطًا حرًا لم يوقفه أحد من أعلى مستوى حققه في العام الحالي عند 1.50 إلى أدنى مستوى له منذ العام 1985 عند 1.32، وكانت التوقعات تشير أن الاسترليني سيستمر في الهبوط أكثر ليلامس حاجز 1.15 تقريبًا بفعل حالة الغموض والشك التي دخل فيها الاقتصاد البريطاني حيث استقال ديفيد كاميرون من منصبه وتوالت التصريحات الأوروبية بإصرارهم على خروج بريطانيا من الاتحاد فورًا وغموض شكل العلاقة التي ستربط بريطانيا بالاتحاد الأوروبي والخوف من تخارج رؤوس الأموال الأجنبية للخارج، ولكن بدى أن الاسترليني يتحسن بعد يومين من الاستفتاء حيث ارتفع إلى 1.33 وهذا أثار حفيضة بعض المحللين! فما سبب هذا التحسن وهل نجح المركزي البريطاني في الإمساك بخيوط الاقتصاد ومنعه من الانهيار أكثر؟

إجراءات اتبعها المركزي قبل وبعد الاستفتاء؟

استطاع البنك المركزي البريطاني استلام زمام الأمور وفي خلال يومين فقط سيطر على الأوضاع ونقل البلاد من الاضطراب واحتمال تحقق أكبر هزة اقتصادية في تاريخ إنجلترا إلى استقرار نسبي، حيث خرج محافظ البنك بعد الاستفتاء ليعلن عن اجتماعات متواصلة بين البنك المركزي ووزارة المالية للتنسيق بينهما فيما يخص الظروف الطارئة في البلاد، وطمأن البنوك البريطانية أنه سيوفر لها الدعم النقدي اللازم للعمل لتلافي التأثر بنتيجة الاستفتاء وارتدادات السوق أو سعر صرف الجنيه الاسترليني أمام باقي العملات الرئيسية.

وبين أنه على أهبة الاستعداد للتعامل مع التداعيات السلبية لنتيجة الاستفتاء وبالإضافة لهذا أبقى المركزي البريطاني نفسه لصيقا بالبنوك العاملة في حي المال وسط لندن وبعث رسالة إليها مفادها أنه موجود وقت الحاجة ولا داعي للذعر من أي اردتدادت قد تظهر.

 كما تم عقد اجتماعات تنسيقية يوم الثلاثاء الماضي بين البنوك الاستثمارية الكبرى في حي المال والبنوك التجارية، مثل "غولدمان ساكس" و"سيتي غروب" و"جي بي مورغان" وبنك "باركليز" و"لويدز" و"رويال بانك أوف أسكتلندا". 
لذا ظهر المركزي البريطاني في وضع مختلف تمامًا عن ذلك البنك الذي تغلب عليه بعض المضاربين في العام 1992 يوم الأربعاء الأسود حيث استطاعو وقتها كسر إرادته من خلال إرغام البنك على تعويم الجنيه.

رصد المركزي لارتدادات الاستفتاء السلبية على الاقتصاد ما يقرب من 250 مليار جنيه استرليني أي حوالي 435 مليار دولار وهو رقم ضخم، كان كافٍ لطمأنة المصارف العاملة أن هناك من يسندها في حال حدوث سحوبات مالية مفاجأة بعد خروج نتيجة التصويت، خصوصًا أن سحوبات مالية حدثت قبل أيام من الاستفتاء عندما انخفض الاسترليني إلى 1.40 دولار.

فالسحوبات في أوقات الاضطرابات والفوضى قد تؤدي إلى انهيار بنوك ومؤسسات مالية كبيرة وحدوث أزمة مالية كبيرة كما حصل في العديد من دول العالم في فترات مختلفة كاليونان وقبرص.

وأعلن محافظ المركزي مارك كارني إمكانية اتخاذ قرارات لإضفاء الليونة على سياسته النقدية هذا الصيف لمواجهة آفاق اقتصادية "متدهورة" بعد قرار البريطانيين مغادرة الاتحاد الأوروبي.

وفي خطوة مهمة أخرى نجح المركزي البريطاني في نزع الرعب عن البنوك البريطانية وتأكد أنها قادرة على الاستمرار في الاقتراض والوفاء بكل السحوبات المالية دون تأثير وهذا رفع الثقة بشكل كبير لدى البنوك بالمركزي، كما اطمأن المركزي على كميات السيولة التي تمتلكها البنوك وفي حال إذا كانت بحاجة لدعم.  
الجدير بالذكر أن الأسواق العالمية خسرت ما يقرب من 2.1 ترليون دولار في يوم الجمعة الماضية بعد ظهور نتيجة التصريت لصالح مغادرة بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويعد هذا من أكبر الخسائر التي منيت بها الأسواق العالمية في يوم واحد حيث فاقت الخسائر عقب اندلاع الأزمة المالية العالمية في 29 سبتمبر/أيلول 2008 البالغة 1.9 ترليون دولار

إصرار أوروبي على خروج بريطانيا فورًا

يصر زعماء الدول الأوروبية على تقديم بريطانيا المادة خمسين والبدء في تنفيذ بنودها والتي تعني ضمنيًا انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وبدء سحل الاتفاقيات التجارية والميزات التي كانت تتمتع بها سابقًا، ولمح زعماء أن أوروبا قد تفرض على البنوك البريطانية بحظر التسورية باليورو على الصفقات مع الاتحاد الأوروبي كإجراءات عقابية لبريطانيا لإجبارها على التفاوض والخروج مبكرًا من الاتحاد.

بينما ظهرت تحلييلات تفيد أن بريطانيا ستتفاوض مع الاتحاد للدخول بالمنطقة الاقتصادية الأوروبية وتطبق النموذج النرويجي في علاقتها مع الاتحاد إذ يسمح هذا الخيار بتسوية العقود والصفقات باليورو وحرية حركة رأس المال، ومن المتوقع أن تشكل المصارف والمؤسسات المالية ضغط على الحكومة للذهاب بهذا الخيار لما له إيجابيات وتخفيف من الخسائر المتوقعة عليها.