جاءَت الأيام الماضية، حافلةً بالأحداث الهامة التي ألقت بضلالها على الساحة السياسية التركية، وكلُّها وقعت في مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا، وهذا ما بين "البريكسيت"، مرورًا بعودة العلاقات مع إسرائيل، وروسيا، وصولًا إلى انفجارات مطار أتاتورك. هذه الأحداث لا يمكن قراءتها، وتحليلها، عند الجانب التركي، إلّا في إطار تسلسلي مُتصل لا يُمكن فصل أيٍ منها عن الآخر.

وهنا يُمكن الرجوع الى بداية هذه الأحداث، بالعودة إلى الاستفتاء البريطاني الأخير حول الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو حدث دولي وأوروبي هام، لا يمُكن فصله عن جُلَّ اهتمامات السياسة التركية، خصوصًا، أن تركيا كانت حاضرة بقوة خلال الحملة الانتخابية في بريطانيا، فمن تابع خطاب الساسة البريطانيين، عند الطرفين، الموالي للبقاء، والمعارض له، سيلاحظ اهتمامهم المستفيض بتركيا، وتركيزهم في كل مرة على التأثير السلبي الذي قد تجنيه بريطانيا في حال دخول "البعبع" التركي إلى الفضاء الأوروبي، وما لذلك من تابعات وتراكمات سلبية لا تريد بريطانيا تحملها حسبهم، ما جعل ديفيد كاميرون يقابل هذه التخويفات من انضمام تركيا، بردةِ فعلٍ حاول من خلالها إخفات أصوات معارضيه بتصريحه بأنَّ تركيا سوف لن تنضم الى الاتحاد الأوروبي قبل عام 3000".

ولا يُمكن فصل تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، عن التوجهات الجديدة في العلاقات التركية الخارجية مع إسرائيل وروسيا، فالجانب التركي، تصرف وكأنه بدأ يفتقد الثقة في إمكانية استمرار الاتحاد الأوروبي قويًا بعد الخروج البريطاني، وهذا الإحساس اتجاه الاتحاد الأوروبي، وصل إلى درجةٍ، اضمحلت معها قليلًا الرغبات التركية، التي كانت قوية سابقًا للانضمام إليه، وهذا رغم فتح فصل جديد (الفصل رقم 16 من أصل 33 فصل من معايير كوبنهاغن) من المفاوضات التركية-الأوروبية مؤخرًا، بتاريخ (30 حزيران/يونيو 2016).

هذا الانفتاح الجديد من الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا يأتي في إطار المحاولات لإيجاد بديلًا قويًا لبريطانيا. هذه الرغبة الأوروبية الجديدة، يُمكن ملاحظتها خصوصًا عند بعض الأطراف الفاعلة، كألمانيا، من خلال تصريحات المستشارة الألمانية "ميركل" الأخيرة (بتاريخ: أيار/مايو 2016)، عندما عبّرت صراحة عن انفتاح  بلادها مجددًا على المفاوضات التركية-الأوروبية، وأوضحت أنها لا تزال تنتهج سياسة "الباب المفتوح" أمام اللاجئين، وعبرت عن استعدادها لاستقبال مزيدًا منهم، وانتقدت بعض القادة الأوروبيين الذين ينتقدونها على ذلك. وهذه التصريحات تأتي مُخالفة لتلك التي تبنتها "ميركل" من قبل (بتاريخ: 16 آذار/مارس 2016) عندما صرحت أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ليس مطروحًا على جدول الأعمال.

إسرائيل عند التركي هي دولة مُعادية سياسيًا لكن، لا وجود لديهم لمانع من التعامل معها في إطار لغة المصالح

وعلى النهج نفسه سارت المرأة الإيطالية القوية "موغيريني" الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية (بتاريخ: 02 تموز/يوليو 2016)، وأفادت أنه "على تركيا والاتحاد الأوروبي القيام بخطواتٍ جادةٍ وهامةٍ في سبيل تسريع محادثات انضمام أنقرة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي". هذه العزيمة الأوروبية الجديدة لم تعد تقابلها الحماسة التركية السابقة، وهذا ما يُمكن ملاحظته على تصريحات أردوغان، مثلًا، عندما أعلن مؤخرًا (بتاريخ: 23 حزيران/يونيو 2016)، أنه ينوي إقامة استفتاءً شعبيًا مشابهًا للاستفتاء البريطاني حول الانضمام للاتحاد الأوروبي. وهذا ما يؤكد أن موازين القوى في المفاوضات التركية-الأوروبية بدأت تنقلب شيئًا، باتجاه لأفضلية للطرف التركي هذه المرة.

كل هذه الأحداث، لا يُمكن إغفالها عند البحث عن الأسباب، والدوافع، التي جعلت من تركيا تتجه نحو إعادة علاقاتها مع كل من إسرائيل، وروسيا، بعدما كانت متوترة ومتدهورة لدرجة كبيرة. فتركيبة العقل السياسي التركي عن تركيبة العقل السياسي العربي الذي يرتكز في إستراتيجياته على خُطط مُعينة، وبوصلة واحدة غرسها حتى في القواميس الاجتماعية والشعبية إلى درجة جعلت الساسة والقادة يرفضون الكثير من التنازلات السياسية حتى وإن توافقت أحيانًا مع مصالحه بلادهم الأمنية أو السياسية أو الإقتصادية، وأحيانًا أخرى يتم قبولها لكن بصورة غير رسمية، وتبقى خفية حتى لا تظهر للعيان من المتابعين، بسبب الرفض الاجتماعي والشعبي لها. وهذا ما جعل الكثير من العرب مندهشون لعودة العلاقات بين تركيا وإسرائيل بين ليلة وضحاها، وانتقد الكثير منهم التوجه التركي الجديد على الإسرائيلي. لكن عند التركي الذي يرى الأمور من جوانب تنم عن تركيبة سياسية وتاريخية وجغرافية واقتصادية مُختلفة التي لا يزال يجهلها العقل العربي. فإسرائيل عند التركي هي دولة مُعادية سياسيًا (خصوصًا منذ التوجه لسياسة التحول نحو الشرق التي تبناها حزب العدالة والتنمية)، لكن، لا وجود لديهم لمانع من التعامل معها في إطار لغة المصالح، وفي حدود سياسية معقولة لا تتعدى بعض الخطوط الحمراء التي حددتها تركيا في ما يخص القضية الفلسطينية.

وتبدو تركيا مُرتاحة في التحرك مع الاسرائيلي لأنه ليس لديها مانعًا شعبيًا وإجتماعيًا أو إعلاميًا حتى، يمنعها أو يحرجها من ذلك، كما هو الحال عند العرب. وفي هذا الصدد لا يُمكن فهم  لغة المصالح التركية، هذه المرة، بالانفتاح على إسرائيل الذي حصل على أنها مُجرد منافع اقتصادية فقط، بل هي في مدولاتها الأعمق سياسية كذلك، تستطيع تركيا من خلالها، إن عرفت إستغلالها تحقيق تقدمًا مهمًا في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي. فالمعلوم عن الحكومة اليمينية في إسرائيل التي يترأسها "نتنياهو" أنها تتميز بعلاقات باردة ومُتشنجة مع الاتحاد الأوروبي، وكثيرًا ما نسمع انتقادات من نتنياهو لسياسات الاتحاد الأوروبي المزدوجة في التعامل مع حكومته ومع اليهود داخل أوروبا، وهنا يجب التفريق والتمييز في كون سياسات الاتحاد الأوروبي المتشنجة ليست مع إسرائيل كدولة وكمشروع سياسي، بل هي مجرد احتكاكات بسيطة مع بعض الممارسات لحكومة نتنياهو اليمينية، ولا يُخفى عن أحد، أن جُلَّ الدول الأوروبية مُنفردة تدعم سياسات إسرائيل بقوة وبدون تردد.

لا يُمكن فصل تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، عن التوجهات الجديدة في العلاقات التركية الخارجية مع إسرائيل وروسيا

لكن هذه التشنجات البسيطة لأوروبا مع نتنياهو تبدو في صالح الحكومة التركية مرحليًا يُمكن لها استغلالها خلال مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي، لذلك تبدو عودة العلاقات التركية-الإسرائيلية مُزعجة للاتحاد الأوروبي بالدرجة الأولى، قبل أي جهةٍ دولية أخرى، سواء كانت أمريكا أو روسيا أو بريطانيا.

ونفس الاستنتاج يُمكن التوصل إليه، وملاحظته، في ما يخص عودة العلاقات التركية-الروسية بعد أشهر من الانقطاع، وفي هذه النقطة يبدو كذلك الاتحاد الأوروبي هو المُنزعج الأول لعودة هذه العلاقات، فالأوروبي كان يُريد مزيدًا من الخناق السياسي على روسيا، في مُحيطها الحيوي، الذي يمتد غربًا من أوكرانيا وبولندا إلى تركيا، بعد الخناق الاقتصادي الذي فرضه عليها من خلال تمديده للعقوباته عليها لمدة ستة أشهر أخرى، بداية من تاريخ 21 حزيران/يونيو 2016. ويُمكن القول بأن إعادة تركيا لعلاقاتها مع روسيا يأتي في إطار انتهاج سياسة "صفر مشاكل" جديدة في محاولة للتحول نحو الشرق بمفهومه الأوسع الذي قد يشمل مناطق آسيا الوسطى والشرقية.

كما أن تفجيرات مطار أتاتورك المأساوية (بتاريخ: 28 حزيران/يونيو 2016)، الذي تبناه رسميًا تنظيم الدولة (داعش)، قد قام بتنفيذه عناصر ينتمي جلهم إلى دول آسيا الوسطى (أوزبكستان، روسيا والشيشان)، ما سيجعل تركيا وروسيا يبحثان مستقبلًا عن المزيد من التعاونات في النواحي الأمنية خصوصًا، لمواجهة الفكر المُتطرف المنتشر في المنطقة من سوريا إلى دول آسيا الوسطى، ويُمكن لتركيا أن تلعب دورًا هامًا في هذا المجال بتصديرها لنموذجًا إسلاميًا معتدلًا لدول آسيا الوسطى الإسلامية، ولمسلمي روسيا البالغ عددهم حوالي 30 مليون نسمة.

وبعد هذا يُمكن استنتاج أن الجانب التركي، وخلال فترة وجيزة استطاع ضرب عدة عصافير بحجر واحد، حيث جاءت إعادة علاقاته مع روسيا، وإسرائيل، بالتوازي مع انخفاض اهتماماته بالانضمام للاتحاد الأوروبي الذي يشهد بدوره حالة إرباك كُبرى بعد الخروج البريطاني. وهذا ما سيُمكن للطرف التركي التفاوض من موقع قوة في حال أراد مستقبلًا مواصلة مسار مفاوضاته الماراتونية مع الجانب الأوروبي، بسبب امتلاكه علاقات إقليمية جيدة، وإمساكه بأوراق ضغط عديدة ستُربك الأوروبي وتُجبره على تقديم التنازلات.