تحل الذكرى الـ 64 لانقلاب يوليو 1952، وسط العديد من القضايا الشائكة على المستوى الإقليمي والدولي، فقبل أسبوع حاول عسكر تركيا بقيادة الجنرال أكين أوزتورك، قائد القوات الجوية التركية السابق، الذي عمل كملحق عسكري في السفارة التركية بتل أبيب، الانقلاب على الرئيس التركي المنتخب رجب طيب أردوغان.

وشهدت الجمهورية التركية، منذ تأسيسها، تدخلات عديدة للجيش في الحياة السياسية من خلال أربعة انقلابات عسكرية، اثنان منها أدت لتغيير الحكومة دون سيطرة الجيش على مقاليد الحكم، لكن جميع تلك الانقلابات كان لها عواقب وخيمة على البلاد، وأزهقت الكثير من الأرواح، ولا يمكن مقارنة أيًا منها بما حدث ليلة 15 يوليو 2016.

صحيفة “التقرير” حاولت إلقاء الضوء على الفرق بين انقلاب العسكر المصري على الملك فاروق في 23 يوليو 1952، ومحاولة انقلاب عسكر تركيا الفاشلة ضد الرئيس رجب طيب أردوغان في 14 يوليو 2016.

قبل الحديث عن الفارق بين الانقلابين، سنجد أن الإجراءات الانقلابية دائمًا ما تكون متشابهه، من حيث السيطرة على المرافق الهامة في الدولة، حيث بدأ الانقلاب في تركيا بطائرات مقاتلة ومروحيات تحلق فوق أنقرة وقوات تتحرك لغلق الجسور فوق مضيق البوسفور في إسطنبول. كما أغلقت المطارات وانقطع الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت وتعطلت الاتصالات الهاتفية.

بينما سيطرت قوات من الجيش على مقر الإذاعة والتلفزيون الرسمي، وأعلنت، في بيان، السيطرة على السلطة وفرض الأحكام العرفية وحظر التجول حتى عودة الاستقرار إلى البلاد، واتهم البيان الحكومة بتقويض سيادة حكم القانون الديمقراطي والعلماني، وأفاد البيان بأن “مجلسا للسلام” سيدير شؤون البلاد، وهذا يتشابه إلى حد كبير مع ما حدث في انقلاب يوليو 1952.

قيادة الانقلاب

في تركيا: الجنرال أكين أوزتورك، قائد القوات الجوية التركية السابق، الذي عمل كملحق عسكري في السفارة التركية بتل أبيب، وعلى الرغم من استقالته من منصب قائد سلاح الجو، بقي الجنرال البالغ من العمر 64 عاما، عضوا في المجلس العسكري الأعلى في تركيا، وقال مسؤول تركي: “إن مدبري الانقلاب كانوا يعدون للعملية العسكرية لإسقاط قيادة الدولة منذ فترة طويلة، وقاموا بتوزيع مناصب المحافظين ورؤساء المؤسسات الحكومية بين الضباط المتورطين في المؤامرة”.

في مصر: قائد الحركة التي سميت فيما بعد بالثورة هو اللواء محمد نجيب والواقع أنه تم اختياره -من قبل الضباط الأحرار- كواجهة للثورة لما يتمتع به من سمعة حسنة داخل الجيش و كان اللواء الوحيد في التنظيم وكان سبب انضمام الكثير من ضباط الجيش للضباط الاحرار وكان أحد أهم عوامل نجاح الانقلاب.

لكن صراعًا على السلطة نشأ بينه وبين جمال عبد الناصر بعد أن رأي اللواء محمد نجيب ضرورة تسليم السلطة لسلطة مدنية منتخبة، استطاع جمال أن يحسمة إلى صفه في النهاية وحدد إقامة محمد نجيب في قصر زينب الوكيل حرم مصطفى النحاس باشا بضاحية المرج شرق القاهرة لحين وفاته.

موقف الشعب

في تركيا: بعد ساعات قليلة من إذاعة بيان الانقلاب، ظهر أردوغان في اتصال فيديو عبر الهاتف على قناة CNN Turk، ودعا الأتراك إلى الخروج للشارع للتصدي للجيش، وقال أردوغان إن على الناس الخروج إلى الشارع لمواجهة الجيش وأن يقدموا لهم الإجابة، وأضاف أن المسؤولين عن محاولة الانقلاب سيتلقون “العقوبة المناسبة”. وبالفعل استجاب آلاف الأتراك لدعوته ونزلوا للاحتجاج ضد محاولة الانقلاب في الشوارع وظهرت لقطات مصورة وهم يتصدون للدبابات وجنود يطلقون الرصاص في الهواء لتفريقهم.

في مصر: نزل الشعب المصري إلى الشارع لدعم العملية الانقلابية، فرحًا ببيان الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي جاء فيه، أن مصر بعد هزيمة 1948 تضافرت فيها عوامل الفساد وتئامر الخونة على الجيش وتولى أمرهم أما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم ولابد أن مصر كلها ستلقى هذا الخبر بالابتهاج.

موقف الإخوان المسلمين

في تركيا: أعربت جماعة الإخوان المسلمين، عن إدانتها لأي محاولة للانقلاب على إرادة الشعوب، وحرياتها، ومكتسباتها، وأكدت أن الشعوب ستظل بوعيها هي الضامن الوحيد لكل الهجمات ضد الديمقراطية، وحائط الصد المنيع ضد كل محاولات اختطاف أوطانها، وأعلنت “الإخوان”، تضامنها مع الشعب التركي، وحقه في التمسك بديمقراطيته، والالتفاف حول حكومته المنتخبة، داعية في الوقت ذاته كل أحرار العالم، شعوبا، ومنظمات مجتمع مدني، وحكومات منتخبة، إلى مساندة الديمقراطية، في كافة الأوطان سواء بسواء، ونبذ الأفكار الانقلابية المتخلفة.

في مصر: تقاسم الإخوان والضباط الأحرار الأدوار مناصفة للقيام بالحركة، بل يقع الجزء الأكبر على عاتق الإخوان في حالة وجود أي طارئ، وهي بذلك شراكة بين الإخوان والضباط الأحرار لا يستغني أحدهما عن دور الآخر، ولا تنجح الحركة بدونه؛ أو بتعبير صلاح شادي مسئول قسم الوحدات في النظام الخاص لجماعة الإخوان المسلمين حين قال: “واتفق على أن يتولى الإخوان مسئولية الانقلاب وحمايته والدفاع عنه من الناحية الشعبية، أي أن الضباط الأحرار يقومون بالجانب العسكري في الانقلاب، ويقوم الإخوان بالجانب الشعبي”.

لماذا فشل الانقلاب في تركيا ؟

الباحث والأكاديمي والأديب السعودي، مرزوق بن تنباك، أجاب قائلًا: “تركيا كلها – شعبها وحكومتها – لم تنهض لأجل إردوغان وحزبه ولم تشارك المعارضة في التصدي للمنقلبين من أجل الحزب الخصم، ولكنهم وقفوا جميعا من أجل الديمقراطية والحرية وحقوق الشعب في الأمن والاستقرار ومكاسبه التي حققها خلال السنوات الماضية، ورفضوا اغتصاب السلطة الذي لم يعد الشعب التركي يقبله أو يغض الطرف عنه بعد أن جرب مساحة الحرية التي تمتع بها وأدرك أهمية أن يختار هو من يحكمه بمحض اختياره ورضاه أو رضى الأغلبية، في منافسة شريفة وانتخابات حرة صوت لها الشعب وقبل بنتائجها، وعد من يعتدي على خيار الشعب هو خصمه الحقيقي الذي يقف صفا واحدا ضده”.

وأضاف: “الذي جعل الشعب يرفض الانقلاب هو الوضع الاقتصادي الجيد الذي تحقق خلال فترة ليست طويلة، حيث عمل الحزب الحاكم على تنمية اجتماعية وسياسة اقتصادية بعيدة عن الارتجال والتخبط، شعر الإنسان التركي خلالها بالاطمئنان للمستقبل، وأن حكومته معنية بسعادته وتعمل لرفاهيته وتقدم شيئا يدركه الناس ويحسونه عملا وقولا، ولو لم يكن مطمئنا لمستقبل أفضل لدبت الفوضى وحصل الاختلاف والتنازع الذي سيستغله الباحثون عن فرص التغيير فيجدون الطريق إليه سهلا”.

وتابع: “الواقع أن الشعب التركي لم ينتصر للحزب الحاكم ولا للمعارضة، انتصر للديمقراطية وشارك بكل مكوناته للصمود ضد الانقلاب، لأنه ذاق فضاء الحرية ودافع عنها وأصر على حقه في أن يعبر عن رأيه فيمن يحكمه، وأثبت أن طريق الديمقراطية طويل ويحتاج إلى تضحيات كبيرة، وهي، أي الديمقراطية، مستقبله الآمن وخياره الاستراتيجي، فقد اختار اليوم حزب العدالة والتنمية، وقد يختار غدا حزبا آخر، المهم أن تعمل آليات الديمقراطية وخياراتها في كل وقت، وهذا ما حصل حين قال الشعب كله لا لاغتصاب السلطة وخرق القانون وجبروت العسكر”.

ماذا بعد نجاح الانقلاب العسكري في1952؟

على كل حال فقد نجح الانقلاب العسكري المصري في عام 1952، وكما أشرنا سابقًا، نجح جمال عبد الناصر في حسم الصراع بينه وبين اللواء محمد نجيب، حيث رأى الأخير ضرورة تسليم السلطة لسلطة مدنية منتخبة، فحدد عبدالناصر إقامة محمد نجيب في قصر زينب الوكيل حرم مصطفى النحاس باشا بضاحية المرج شرق القاهرة لحين وفاته.

مؤمن سلام عضو المكتب السياسي للحزب العلماني المصري، كتّب قائلًا: “رفع قادة الانقلاب مجموعة من الشعارات حتى يدغدغوا مشاعر الأمة المصرية، ويحصلوا على تأييدها، ولعل أفضل وسيلة لتقييم هذا الانقلاب هي تقييمه بما حققه على الأرض وطبقه من مبادئ وضعها هو لنفسه، وهى المبادئ الستة لحركة الجيش المباركة كما كانت تسمى في ذلك الوقت”: 1- القضاء على الإقطاع، 2- القضاء على الاستعمار، 3- القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، 4- إقامة حياة ديمقراطية سليمة، 5- إقامة جيش وطني قوي، 6- إقامة عدالة اجتماعية.

وتسائل قائلًا: “لننظر إلى هذه المبادئ ونقرر بعد 63 سنة هل تحقق منها شيء؟”

-هل قضى الظباط على الإقطاع أم استبدلوه بإقطاع أخر وباشاوات جدد، أكثر جهلا وأكثر جشعا وأكثر استغلالا؟

-هل قضى الظباط على الاستعمار؟ أم استبدلوا الاستعمار الإنجليزي العسكري والسياسي بالاستعمار السوفيتي ثم الاستعمار الأميركي الاقتصادي والسياسي؟

-هل قضى الظباط على سيطرة رأس المال على الحكم؟ أم أننا نشهد زواج كاثوليكي بين رأس المال والسلطة؟ قد يذهب باشاوات ويأتي رجال أعمال ولكن يظل المعنى واحد، راس مال متزوج بالسلطة السياسية لينجب لنا فساد.

-هل أقام الظباط حياة ديمقراطية سليمة؟ أم قتلوا براعم الديمقراطية التي كانت تزرعها مصر حتى ليلة الانقلاب، وحرصوا على تجهيل وتسطيح وقمع وتخويف الأمة المصرية، ليخرجوا علينا بكل بجاحه من وقت لأخر، ليقولوا لنا أننا أمة غير مؤهلة للديمقراطية..

لماذا لم تُأهلوا الأمة للديمقراطية وانتم تحكمون منذ 63 سنة؟ هذا دليل إدانتكم وليس دليل براءتكم.

-إقامة جيش وطني قوى، ربما كان هذا المبدأ الوحيد الذي حقق فيه الظباط بعض النجاح، ولكن يظل السؤال هل تم ذلك حبا في مصر ولأن قوة الجيش هو أحد عوامل قوتها، أم لأن قوة المؤسسة العسكرية هو ضمان استمرارهم في السلطة؟

-وأخيرا إقامة العدالة الاجتماعية، وكم من جريمة ترتكب باسم العدالة الاجتماعية. سيروا في طرقات مصر لتروا العدالة الاجتماعية وهى تأكل من صناديق القمامة، قدموا في وظائف الخارجية أو العدل أو الشرطة أو هيئة تدريس الجامعات أو الهيئات الرقابية أو قطاع البترول أو قطاع البنوك لتروا العدالة الاجتماعية، اذهبوا للمستشفيات والمدارس الحكومية لتروا العدالة الاجتماعية.

فأي ثورة يتكلمون عنها؟ وحتى لو كانت ثورة فقد فشلت في تحقيق أهدافها، هو انقلاب استولت فيه المؤسسة العسكرية على السلطة واستبدلت رجال السلطة القديمة برجالها، فقط لا غير.

المصدر: صحيفة التقرير