ليس خفياً علينا ما وصلت اليه دولنا الاسلامية بشكلٍ عام من تخلف وتقهقر يبكي القلوب قبل العيون اذ ان عالمنا الاسلامي في سبات عميق لا نعرف سره، الامر الذي يجلب خيبة الامل والاحباط للجيل الجديد الباحث عن حلولٍ عملية لما يعانيه، فيلوم الاسلام ويقول لولا الاسلام لكان حالنا افضل! لسان حالهم كرجل معاق في مجتمعٍ طبقي يلعن حظه وإعاقته ويقول لولا هذه الإعاقة لكنت كما البشر! وهذا مرض في حد ذاته واحتقار شديد للنفس ولكن وللاسف هذا هو حال شبابنا اليوم. 
لذا على الشخص ان يعيد النظر في افكاره هذه ويتعمق اكثر في التاريخ ليدرك ابعادها المتشعبة والسبيل لمعالجتها، وهذه المسألة قديمة اكثر مما يتصوره الجميع اذ انها تقترن بسقوط الخلافة العباسية وقدوم هولاكو الى استعمار الهند وزحفه غرباً الى العراق والشام حتى وصولهم الى غزة، ويتقارن ايضاً مع سقوط الدولة العثمانية وما تتبعها من نكسات، وتغيير الهوية الاسلامية الى القومية العربية والرضوخ للحدود التي رسمها المستعمر. 
 علينا ان نفرق بين الاسلام والمسلمين، الاسلام شرع، اوامر ونواهي، والمسلمون عليهم التنفيذ، فهل نلوم اشارة المرور التي تنظم السير في الطرقات وتامرنا وتنهانا حفاظاً على سلامتنا ام نلوم سائق العربة على الحوادث التي يرتكبها؟ الجواب هو ان على السائق تتبع الاشارات والالتزام بها فإن خالفها فلا نلوم الاشارة او شرطي المرور! وكذلك الاسلام، العيب ليس فيه بل من يريد ان يسوق نفسه الى الضياع بحجة او بدون حجة.
الاسلام دين رحمة وعلم وتفتح واندماج في حين كانت الكنيسة تقتل العلماء لكونهم يسحرون الناس بمخترعاتهم! كانت الخلافة الاموية والعباسية تزخر بالمكتبات والتراجم من اليونان وبلاد فارس والهند فتعلم المسلمون منهم وبنوا على علم غيرهم بما يرضي شريعة ربهم، فلم يغيروا دينهم ولم ينجرفوا الى هذه الحضارات العريقة المتقدمة بل استندوا اليها واستخدموها لبناء حضارتهم. فهل هذا هو الحال الآن؟
لن الوم هولاكو لما فعله بالمسلمين رغم انه يتحمل كل قطرةٍ اراقها، بل الوم انعدام الامانة في مسلمي ذاك الزمن، من وزير المعتصم الذي ارسل لهولاكو بغزو بغداد، وبعد ذلك سرح خمسة وعشرين فارساً من حرس الخليفة وفكك دفاعات الدولة تمهيداً للغزو، والوم ايضاً كل من قال نفسي نفسي ولم يقل امتي امتي، ولن يتسع الحديث لهولاكو اكثر، يكفي ان نقول انه قتل اكثر من مليون مسلم ورص جماجمهم، اغرق كتبهم وعبر النهر عليها، دمر المدن واستباح الارض. ولكن كم من هولاكو جديد في عصرنا هذا وما اكثر وزراء المعتصم اليوم من الذين يبيعون ارضهم وديارهم وشعوبهم من اجل حفنة من المال او الجاه! 
ثم كانت رحمة الله على عباده ان جعل لهم مخرجاً من هذا الغزو المغولي على يد المماليك الذين اشغلتهم الكراسي فتوحدوا على راية قطز بعد ان اقنعهم ان العزة في دين الله وانهم لن يركعوا الا له سبحانه، فكان النصر. ولكن اليس حفياً بنا تعلم هذا المخرج؟ هل كان الاسلام سبب تلك الهزيمة ام سبباً للخروج منها؟ والتاريخ زاخرٌ بتلك الامثال لكل دارسٍ له باخلاص وحبٍ للحق.
الأسلام مجموعة قوانين حواها القرآن الكريم والحديث الشريف يسعى لتحصين النفس، العقل، الدين، العرض والمال. ينظم تعامل الفرد مع ربه ومع مجتمعه، الاسلام دستور بحد ذاته،  ينظم المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فكيف نتخلى عنه ونسعى لغيره لينظم حياتنا؟ 
الاسلام كان سبب للعزة والاستقرار والحرية، وبه دخل المسلمون مصر والشام و المغرب العربي الى حدود فرنسا غربا والى حدود الصين شرقا، لم يدمروا الاهرامات ولا الحدائق ولا المعابد ولا الكنائس، انه دين نهضة وليس دين دمارٍ شامل، بل استوعبوا علوم هذه الحضارات وتعلموا منهم وبنوا المدن وعمروا الارض بحمد الله، فتعلموا معالجة الزجاج من الفينيقين، والنسيج من المصريين، والقطن من السوريين والحرير من الفارسيين، فكيف نقول ان دينهم رجعي متقوقع لا يفهم؟!
اما العمارة فحدث ولا حرج، فمن الهند والصين الى اليونان والبيزنطيين الى مصر والشام تعلموا قواعدها وجمعوا لها الكتب لحساباتها ونقشها ورسمها فكانت مساجدهم تحفاً ليس لها مثيل، وبيوتهم جناتٍ على الارض، ورغم ذلك كانوا لا ينسون ربهم ولا يكلون عن عبادته. علمهم كان بالموسوعات وفي كل المجالات وبهذا التقدم الحضاري حكموا العالم بلا منازع لالف و ٣٠٠ عام متواصلة.
تجد الخليفة الناصر في مراكش يناقش ابن رشد في فلسفة ارسطو وافلاطون بينما امراء وملوك الغرب لا يعرفون كيف تكتب اسمائهم! بل ويفخرون بهذا الجهل! مكتبات الخلفاء الامويين تفوق ال٤٠٠ الف كتاب بينما ملك فرنسا يفتخر بمكتبته التي لا تتعى الالف مجلد! ياله من فرق...وعن المكتبات حدث حدث... ٤٠الف في النجف، وفي المراغة ٤٠٠ الف، اما القاهرة فوجد فيها مليون و ٦٠٠ الف مجلد والله اعلم بما كانت تحوي مكتبات الاندلس عروس هذه الامة قبل زوالها ولكن حتماً ستفوق كل ما ذكر.
لن يتسع المقام للحديث عن تقدم المسلمين في الطب والهندسة والرياضات والفلك والفيزياء وحتى الشعر والادب والرواية وغيرها من الجالات ولكن خلاصتها ان الاسلام دين علم وبحث وتفكير، وهذا ما ينص عليه القرآن والسنة. فالإنسان اهم ما يهتم به الاسلام، اذا صلح صلح مجتمعه، وهذا دليل على ان الاسلام بريء من تهمة التخلف والرجعية وعدم مواكبة عصره، فالتهمة اذاً موجة للمسلمين اللذين انشغلوا عن بناء ارواحهم وتشبيعها بقيم دينهم وهجروه منبهرين بغيرهم! 
ايعقل بعد كل هذا ان نشك في ان الدين الاسلامي يمكنه حقاً اصلاح الامم؟، الم يكن اجداد هؤلاء قبل الاسلام قمة في الجهل والجهالة والوثنية؟ الم يكونوا يتطيرون ويؤمنون بالخرافات ويعبدون الاصنام ويقتلون اولادهم خشية الانفاق عليهم؟ ما الذي غيرهم؟ انه الاسلام... و مهما فعلنا لن نصل الى تلك الدرجة من الجهل فلو نفعهم بهذه الصورة وغيرهم بهذه السرعة وحولهم الى اعظم امة شهِدها التاريخ؛ إذاً فلابد ان يغيرنا نحن ايضا... فقط نحتاج لنعرف كيف...
والسؤال هو اذا لم يكن الاسلام هو سبب تخلفنا فما هو السبب؟ وهذا يعيدني للمثال الذي طرحته سابقاً عن السائق واشارة المرور، السائق هو سبب الحوادث لعدم انتباهه او لتجاوزه لاشارة المرور. واعني بهذا ان الاسلام اضاء لنا الطريق فإن تخلفنا نحن عن ركب الحضارات فهذا لاننا اضعنا الطريق وتجاهلنا تعاليم ديننا.
الاسلام يطالبنا باصلاح انفسنا فهل فعلنا ذلك؟ يحرم عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن فهل هذا هو حالنا؟ يامرنا بان المؤمنين اخوة فهل طبقنا هذا في معاملاتنا؟، الاسلام يقول "لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع" فهل حققنا عدالةً اجتماعية من هذا القبيل؟ الاسلام دين حضارة وليس دين تخلف وتقهقر ابداً.
وهنا اريد ان انبه على موضوع اصلاح الذات قبل اصلاح المجتمع، التربية هي سر التغيير، مثال هذا حال المسلمين في السنوات الاولى من البعثة النبوية الشريفة. هناك كان كل التركيز على تربية الافرات وتغيير افكارهم فرداً فرداً، ورويداً رويداً. فلم يقم النبي صلى الله عليه وسلم بالمظاهرات والصياح والعويل وترديد "الشعب يريد تحطيم الاصنام!" كيف لهم ان يفعلوا ذلك والشعب كله حمل صنماً في عقله؟ لذا غير الاسلام هذه العقول ودمر الاصنام فيها. هذه هو التغيير الذي نريده، التغيير من الداخل.
اذا نظرنا عدنا الى تاريخ خلف المسلمين نجده ينقسم الى قسمين مهمين؛ التخلف العلمي والتخلف العسكري، فسقوط الاندلس نكسة عسكرية، واكتشاف العالم الجديد نكسة عسكرية واقتصادية للمسلمين عندما تراجعت قدراتهم البحرية واكتشافاتهم. ثم اكتشاف البارود واختراع الآلة الطابعة والمصباح والطائرة، كلها نكسات علمية كان لها الاثر الكبير على تخلف امتنا وهزيمتها في كل المجالات وذالك بكل بساطة لان الاسلام يامرنا بالعلم ونحن رفضنا هذا الامر فكان ما كان.
للنهضة مقومات ثلاثة مهمة، وهي الإرادة البشرية للتغيير والتقدم، الارض وما تهبه لابنائها من ثروات طبيعية والزراعة والصناعة، وثالثاً عامل الوقت اي عامل التخطيط ومعرفة الهدف والسبيل للوصول اليه. واهم هذه العوامل هو العامل الاول، فالانسان الذي سُلب روح النضال لامته ليس له اي قوة تذكر فلن يحرث الارض ولن يستفيد من وقته وهذا هو حالنا اليوم تماماً، لقد سلبنا القدرة على النهوض بالانسان.
سبب تخلفنا هو اننا حكمنا غريزتنا البشرية في حب الكسل الخمول وتركنا اقوى دوافع النهوض بالانسان وهي الارادة الروحية للنهوض بالذات، هذا الوازع الروحي يكتسب من الدين الاسلامي، فما الذي دفع ببدو الجزيرة ليصبحوا عباقرة الكون وسادته في اقل من قرنٍ من الزمن؟ انه الاسلام بكل ما يتضمنه من عدل ومساواه وحقوق الانسان في التعليم والعيش الكريم في مجتمع تضامني يهتم بالفرد والاسرة ويحفظ كرامتهم.
الغريزة مرتبطة بالروح، اذا ضعف الوازع الروحي (الديني) تتحكم الغريزة بالانسان، والغريزة هنا اعني بها حب السلطة، المادية، الاحتقار للغير، الفساد الاخلاقي، والرشوة، ضياع الامانة، وكل اشكال التخلف. وواقع الدول الاسلامية شاهد على هذا، من رشوة و وساطة الى ضياع اموال المشروعات العامة وتدهور مجالات الصحة والتعليم والصناعة والاقتصاد. وكل هذا يعود لان المسلم ينزع اخلاقه ودينه عند رف الاحذية في المساجد ويخرج للمجتمع وحاً مفترساً يبحث عن ما يختلسه وعن مسكين يغشه وعن عجوز يضحك عليها بمشروع وهمي!
الاسلام ضد كل هذا، فهو عامل قوة للمجتمع وليس العكس، فبدلا من الفردية يحول المجتمع الى بنيان واحد يشد بعضه بعضاً، الاسلام يخلق في المجتمع روح المحبة والاهتمام بالغير وهذه الروح الايثارية هي التي تبني الحضارات وهي التي ستبني أمتنا باذن الله، فالارض هي ليزرعها وليحصدها الكل، وهذه الروح التي تتحد تحت ظل الاسلام هي التي ستكفل عدالة اجتماعية واقتصادية واستقراراً سياسياً مبنياً على مجلسٍ للشورى، يختاره الشعب شاهدين لهم بالصلاح فيختار المجلس رئيساً له يحكم البلاد والعباد بما يرض الله. وهذه الروح هي التي ستضمن لنا الاستمرار كشعوب تستحق الحياة والا فإننا سنزول كما زالت الأمم التي كانت من قبلنا.