وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة

إذا كانت إشكالية التقابل بين المبادئ والمصالح تطرح  في السياسة الخارجية للكثير من الدول فان الجزائر إلى غاية الوقت الراهن تقدم مقاربة متميزة بالنسبة لهذه الإشكالية ، وتقوم المقاربة الجزائرية على عدم الاقتناع بان المبادئ والمصالح هما بدلين لبعضهما البعض  أي أن الدول مجبرة على اختيار احدهما واعتباره الركيزة الأساسية في توجيه السياسة الخارجية ، بل إن التصور الجزائري يرى أن المبادئ تؤسس للمصالح بشكل متشابك فكون أن دولة ما متمسكة بمبادئ معينة  فهذا سيجلب لها التقارب مع دول أخرى متمسكة بذات المبادئ وبالتالي تتأسس مجموعة من المصالح على أساس هذا التقارب.

إذن التصور الحالي للسياسة الخارجية الجزائرية الراهنة يقوم على  خلفية جملة من المبادئ والتي تؤسس بشكل تفاعلي إلى بناء مجموعة من المصالح ، ويمكن أن نعدد مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية في الوقت الراهن والتي تدور حول :- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول - عدم استخدام القوة العسكرية إلا في إطار سياسات الدفاع- التقيد الصارم بالالتزامات داخل المنظمات الإقليمية والدولية- تجنب سياسة التحالفات- الحفاظ على علاقة متوازنة مع القوى الكبرى ، وإذا كانت  توجهات السياسة الخارجية الجزائرية  تعرف  مستوى عالي من الاستقرار استنادا إلى مقاربتها المتميزة فان التحولات الإقليمية والدولية  الراهنة ستفرض على السياسة الخارجية الجزائرية الكثير من التحديات المستقبلية.

إدارة التنافس الاستراتجي بين القوى الكبرى :  احد الأهداف الأساسية التي تسعى اليها القوى الكبرى تتمثل في الهيمنة الإقليمية أي السيطرة على اكبر قدر من النظم الاقليمة الموجودة في العالم ومن من الواضح أن التدخل العسكري الأمريكي الأخير في ليبيا لا يعكس فقط الرغبة الأمريكية في فتح جبهة عسكرية جديدة مع تنظيم الدولة الإسلامية ولكنه يعكس الرغبة الأمريكية في تعزيز النفوذ في النظام الإقليمي لشمال إفريقيا بعد الانحسارات التي تعرفها السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ، ومن الطبيعي أن يكون هناك  تكيف استراتيجي للقوى الكبرى الأخرى وخاصة روسيا وبالتالي  ستكون منطقة شمال إفريقيا ساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي الأمريكي – الروسي.

من الملاحظ  أن دولة مثل تركيا قد أدركت طبيعة الآثار السلبية التي من الممكن أن تلحق بقوة إقليمية معينة في لحظات الاحتكاك الاستراتجي بين قوى كبرى ضمن الفضاء الجغرافي الذي تنتمي اليه ، وإذا كانت الجزائر تخضع علاقاتها مع القوى الكبرى لنوع من الارتهان المتوازن والذي يقوم على القيام بدور امني رئيس في منطقة الساحل ، وهو الدور المطلوب أمريكيا، في مقابل إقامة علاقة إستراتجية مع روسيا في جانبها العسكري والطاقوي ولكن الوضع الاستراتجي سيختلف تماما بالنسبة إلى الجزائر إذا ما تدخلت هذه القوى في المنطقة بشكل مباشر تفاعلا مع تطورات النزاع الليبي  ومن الطبيعي أن تسعى كل قوى كبرى إلى استمالة الجزائر كقوة إقليمية في شمال إفريقيا لصالحها.

تراجع المكانة داخل المنظمات الإقليمية: تستند السياسة الخارجية الجزائرية بشكل كبير على نشاطها الدبلوماسي داخل المنظمات الإقليمية وخاصة جامعة الدول العربية ومنظمة الاتحاد الإفريقي ، وبالنسبة للمنظمة الأولى فان التحدي الأساسي يرتبط بإمكانية تراجع دور الجزائر مستقبلا داخل هذه المنظمة على خلفية أن النظام الرسمي العربي الذي تمثله جامعة الدول العربي تعاد هيكلة قيادته  في شكل قيادة ثنائية سعودية – مصرية وكلا الدولتين غير راضيتين عن توجهات السياسة الخارجية الجزائرية سواءا في قضايا تخص كل واحدة منهما كالموقف الجزائري من النظام السوري، والعلاقات الجزائرية الإيرانية بالنسبة للسعودية، أو في الموقف الجزائري اتجاه حركة الإخوان المسلمين بالنسبة لمصر، أو في قضية مشتركة بينهما كما في الموقف الجزائري اتجاه الأزمة الليبية.

وينطبق نفس الأمر بالنسبة إلى منظمة الاتحاد الإفريقي إذ ليس من الصدفة أن تترافق دعوة إسرائيل للعودة إلى صفة مراقب في المنظمة الإقليمية الإفريقية كما كان الحال قبل سنة 2002 وبين  دعوة المغرب إلى العودة إلى الاتحاد الإفريقي بعد اثنين وثلاثون سنة من انسحابه منه وكلا البلدين على حالة من عدم التوافق مع السياسة الخارجية الجزائرية ويزداد هذا الوضع في ظل التطور اللافت للعلاقات المصرية الإسرائيلية حيث تعتبر مصر من الدول التي لها مكانة كبيرة داخل منظمة الاتحاد الإفريقي .

العلاقات مع دول الجوار : السياق الراهن يشير أيضا إلى أن علاقات الجزائر مع دول الجوار ستزداد سوءا في المستقبل وخاصة مع المغرب وليبيا ، أما بالنسبة للمغرب فعلاقات مع الجزائر غير مستقرة منذ استقلال البلدين ولكن الجديد في هذه المرحلة أن المغرب غير إستراتجيته اتجاه الجزائر وصار يعتمد على ما تسمى بحروب الجيل الخامس ، وهي احدث  ما أنتجه الفكر الاستراتجي في ممارسة السلوك العدواني بين الدول وهي من باب التعريف الحروب التي تسعى إلى تدمير الدول من الداخل من خلال استغلال التناقضات الموجودة داخلها وإحداث خلل بنيوي في العلاقة بين المجتمع والدولة ، ويظهر توظيف المغرب لهذه الإستراتجية من على أكثر من مستوى فإعلاميا يشتغل المغرب قنوات إعلامية معينة لصناعة رأي مناهض للسلطة الحاكمة في الجزائر ، و اجتماعيا يسعى المغرب للنفخ في التناقضات الاجتماعية الموجودة في الجزائر كالاختلافات المذهبية  ، أما بالنسبة إلى ليبيا فان   التطورات المستقبلية للازمة الليبية تفرض  تحديين رئيسيين على الجزائر : الأول أن الأزمة الليبية من المرجح أن تاخذ منحى تصاعدي حيث ستكون الكثير من الأطراف معنية بهذه الأزمة وهو ما يقلص  حضور الموقف الجزائري اتجاهها ،  ويتبع ذلك  أن نظام الحكم الذي سيبنى في ليبيا مستقلا  لا يعكس بالضرورة الرغبة الجزائرية  ، والثاني  أن أكثر دولة ستتحمل التبعات الأمنية لتطورات الأزمة الليبية هي الجزائر .

بصورة عامة إذا كانت الجزائر قد عانت في مرحلة الأزمة الأمنية من تحدي العزلة والذي استعاطت تجاوزه منذ وصول الرئيس بوتفليقة إلى السلطة ، فان التحديات المقبلة لن ترتبط بالعزلة بقدر ما ترتبط بكثافة التفاعلات التي تجد السياسة الخارجية الجزائرية مجبرة على الاندماج فيها.