العاهل السعودي خلال استقباله نظيره السنغالي

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودية للسنغال خلال اليومين الماضيين لتلقي بظلالها على المشهد العسكري داخل اليمن، فبعد فشل مفاوضات الكويت جراء الانقلاب الحوثي بتشكيله مجلس رئاسي لإدارة البلاد، لم يعد أمام الرياض سوى البحث عن مكاسب جديدة على أرض المعركة تمهيدًا للضغط بها على الطرف المنقلب خلال المفاوضات القادمة والتي لم يحدد ميقاتها حتى الآن.

اختيار السعودية للسنغال كمحطة أولى لوزير الخارجية عقب فشل مفاوضات الكويت لم يكن عشوائيًا، فالتفوق العسكري السنغالي وكفاءة جنوده العالية، كانت أبرز الأسباب التي دفعت الجبير لهذه الزيارة، خاصة وأن داكار لها سجل حافل من التعاون العسكري مع بلاد الحرمين، فهل باتت العلاقات بين الرياض وداكار، التمويل الاقتصادي مقابل الدعم العسكري؟ وهل تستجيب داكار للمطالب السعودية مقابل حزمة الاستثمارات التي حملها وزير الخارجية خلال زيارته؟

الانفتاح السعودي على إفريقيا

لم تكن العلاقات السعودية مع السنغال هي الوحيدة داخل القارة الإفريقية، فقد سبقها تاريخ طويل من العلاقات الجيدة بين المملكة ودول القارة السمراء، لا سيما في العقد الأخير، حيث تطابق الرؤى في بعض المواقف، لا سيما فيما يتعلق بالمعادلة التي فرضت نفسها على أرض الواقع، فالقارة الفقيرة في حاجة ماسة للتمويل المادي والاقتصادي السعودي، في مقابل ما تتوق إليه الرياض من دعم عسكري لجيوش القارة في مواجهة قوات الحوثي في اليمن، فضلاً عن إجهاض المد الصفوي الإيراني داخل القارة، ومن هنا تطابقت الأهداف فتعززت العلاقات.

نجحت السعودية في فرض نفسها كشريك تنموي لدول القارة من خلال مئات المليارات التي تضخها لتنشيط العملية التنموية في العديد من القطاعات داخل الدول الفقيرة، لا سيما في مجال التنمية الصناعية والزراعية، فضلاً عن الدعم السياسي في بعض المواقف، حيث تجاوزت الاستثمارات السعودية داخل إفريقيا حاجز الـ 200 مليار دولار.

وفي المقابل فالرياض ترى في إفريقيا سوقًا واعدة تستوعب مئات المشروعات الاستثمارية في ظل تعداد سكاني يتجاوز المليار نسمه، فضلاً عن كونه سوقًا متعطشًا للمشروعات التنموية القادرة على تعويض السعودية عن الخسائر المادية الفادحة التي تعرضت لها جراء تراجع أسعار النفط من جانب، واستحواذ الهجمات ضد الحوثيين في اليمن على النصيب الأكبر من التمويل والدعم وهو ما أثر بصورة كبيرة على الاقتصاد السعودي.

ومع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، أمور الحكم في المملكة، دخلت العلاقات مع إفريقيا منعطفًا جديدًا من القوة والتعاون، وذلك من خلال تبادل الزيارات وعقد الاتفاقيات مع بعض هذه الدول، على رأسها إثيوبيا وجيبوتي والسودان والسنغال وإريتريا وموريتانيا، حيث استقبل الملك السعودي في شهر أكتوبر الماضي كلاً من رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام دسالني، ورئيس جمهورية جيبوتي إسماعيل عمر جيله، بعد ثلاثة أشهر فقط من استقباله الرئيس الإريتري أسياس أفورقي.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، أجرى وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، جولة إلى عدد من دول إفريقيا، والمشاركة في القمة الإفريقية بإثيوبيا في يناير الماضي، بالإضافة إلى زياراته السودان وجنوب إفريقيا وزامبيا في فبراير الماضي، ثم كينيا وتنزانيا في شهر مارس، وفي المقابل، استقبلت الرياض عددًا من الزعماء الأفارقة أيضًا، من بينهم رئيس غينيا ألفا كوندي، ورئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما، في شهر مارس الماضي، وقبلهما الرئيس النيجيري محمد بخاري، في فبراير الماضي.

الملك سلمان خلال استقباله لرئيس جمهورية جيبوتي

الرياض ودكار: التمويل مقابل الدعم العسكري

العلاقات بين الرياض ودكار لها خصوصية مختلفة عن بقية علاقات المملكة مع دول القارة، خاصة وأن كل طرف يعي صراحة ما يريده من علاقته بالطرف الآخر، وهو أمر ساهم بشكل كبير في تعزيز التعاون بين الجانبين بصورة فاقت العلاقات مع الدول الأخرى.

المملكة تعد الداعم الأول والممول الأكثر سخاءً للسنغال، حيث مول الصندوق السعودي للتنمية مشاريع كثيرة في السنغال في مجالات بينها الطرق والفنادق والصحة والزراعة، فيما تعد السنغال الداعم الأكثر حضورًا للمملكة في المجال العسكري، لقوة الجيش السنغالي ودخوله في العديد من النزاعات والحروب التي أكسبته الخبرة القتالية.

ثم جاءت الأزمة اليمنية لتعمق العلاقات بين الطرفين، حيث كانت السنغال من أوائل الدول التي عبرت عن دعمها لتحرك المملكة في هذا الاتجاه، ومع انطلاق عملية إعادة الأمل في اليمن من قِبل السعودية، أعلن وزير الخارجية السنغالي نداي مانكيور، في مايو 2015 مشاركة بلاده بكتيبة قوامها 2100 جندي في هذه العملية التي أطلقتها المملكة، لتكون السنغال رابع دولة إفريقية تعلن مشاركتها في العدوان السعودي الذي أطلقته في اليمن بعد مصر والسودان والمغرب، وهو ما تسبب في توتر العلاقات مع طهران التي هاجمت قرار داكار بمشاركة السعودية في عدوانها على اليمن.

وفي سياق آخر، شاركت السنغال إلى جانب مصر والسودان وتشاد وجزر القمر وموريشيوس وجيبوتي وتونس والمغرب وموريتانيا، في مناورات رعد الشمال التي نظمتها السعودية في مارس الماضي، بمنطقة حفر الباطن، كما تشارك السنغال في التحالف الإسلامي إلى جانب السعودية، الأمر الذي يعبر عن حجم وقوة التحالف العسكري والسياسي بين السعودية والسنغال، خاصة أن هذه المشاركة العسكرية السنغالية السعودية لم تكن الأولى من نوعها، فأرسلت داكار قوات إلى المملكة العربية السعودية إبان حرب الخليج الثانية، وكانت من بين دول التحالف الدولي الذي يضم 34 دولة في عملية عاصفة الصحراء عام 1991 ضد الغزو العراقي للكويت، حين شاركت بقرابة 500 جندي، وبلغت الخسائر السنغالية آنذاك نحو 92 جنديًا.

التعاون السعودي السنغالي لم يتوقف فقط عن معادلة التمويل الاقتصادي مقابل الدعم العسكري وفقط، بل كان لـ "دكار" العديد من المواقف السياسية التي عبرت من خلالها عن دعمها المطلب للرياض في كثير من المواقف، كان آخرها إدانتها  بشدة للهجمات التي استهدفت سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد، خلال يناير الماضي، حيث استدعت وزارة الشؤون الخارجية السنغالية حينها سفير إيران بدكار، عين الله غاشغافي، وأكدت له أن الهجمات تشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، كما أعربت حينها عن مخاوفها العميقة إزاء تصاعد العنف وتطورات الأوضاع التي يمكن أن تهدد بشكل خطير الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

كذلك فدومًا ما تظهر دكار مخاوفها من التمدد الإيراني الذي يهدد الداخل السنغالي، رغم بعدها عن طهران آلاف الأميال، إلا أن التمرد الذي اشتعل في أكتوبر عام 2011 في إقليم كازامانس جنوبي غربي السنغال، الذي وجهت فيه حكومة داكار اتهامات لإيران بإرسال أسلحة للمتمردين هناك وقطعت خلاله العلاقات مع طهران، لا يزال حاضرًا في الذاكرة السنغالية وتتخوف من تكراره رغم عودة العلاقات بين كلا الطرفين في فبراير عام 2013، وإعادة فتح سفارتي البلدين في داكار وطهران، وهو ما تراه الرياض دعمًا لتوجهاتها الخارجية المناهضة للتمدد الصفوي الإيراني، ويصب في نهاية الأمر في تعزيز العلاقات بين الرياض ودكار.

القوات السنغالية المشاركة في الحرب ضد الحوثيين في اليمن

فشل مفاوضات الكويت

خلال اليومين الأخيرين أسدل الستار على المفاوضات التي رعتها الكويت لحلحلة الأزمة في اليمن دون التوصل إلى اتفاق سلام بين الأطراف المتنازعة، في وقت شهدت فيه الساحة اليمنية تصعيدًا سياسيًا خطيرًا تمثل في إعلان جماعة الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح عن أسماء المجلس السياسي الرئاسي لإدارة البلاد من صنعاء.

وفي المقابل غادر كلٌّ من وفد الحكومة اليمنية ووفد الحوثيين وصالح، دولةَ الكويت بعد انتهاء المشاورات بين الطرفين، دون تحقيق أي نتائج تذكر، بعدما سيطرت حالة فقدان الثقة على الأطراف المتصارعة، صاحبها هيستريا في التصريحات هنا وهناك، بما ساهم في إضفاء المزيد من الضبابية على المشهد السياسي اليمني.

وزير الخارجية اليمني، ورئيس الوفد المفاوض في الكويت عبدالملك المخلافي قال في تصريحات له إن المشاورات انتهت دون تحقيق السلام، بسبب تعنت طرف الرئيس المخلوع علي صالح والحوثيين، وإصرارهم على استمرار "انقلابهم الدموي" وحربهم على الشعب، مضيفًا أن وفد الحكومة اليمنية قدم كل شيء في سبيل السلام، وفي الوقت الذي وافقت فيه الحكومة على توقيع اتفاق الكويت الذي قدمه المبعوث ألأممي، عمل الطرف الآخر على تعزيز انقلابه، على حد قوله.

فيما قال المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد إنه تقرر رفع المفاوضات الجارية في الكويت شهرًا، من أجل تعميق التشاور بين الأطراف وقياداتها، وذلك بعدما أعلنت ميليشيات الحوثي وحزب المخلوع صالح في صنعاء، تشكيل ما أطلقت عليه اسم المجلس السياسي الأعلى لإدارة شئون البلاد، والذي ضم 10 أعضاء مناصفة بين ميليشيات الحوثي وصالح، إلى جانب بعض الأسماء التي تمثل قوى سياسية مواليه لهم، وهم 1- صالح الصماد 2- صادق أمين أبوراس 3- يوسف الفيشي 4- خالد الديني 5- مبارك المشن 6- سلطان السامعي 7- ناصر النصيري 8- محمد صالح النعيمي 9- قاسم لبوزة 10- جابر الوهباني.

وأمام هذا الفشل الذريع في المفاوضات التي عقد عليها المتفائلون من الطرفين الأمل في الوصول إلى نقاط مشتركة تسهم في توقف الاقتتال الدائر في اليمن، وجدت الرياض نفسها في مأزق، إذ لم يعد أمامها سوى الاستمرار في عملياتها العسكرية بكثافة ردًا على انقلاب الحوثي وصالح، ومن ثم كان لا بد من البحث عن دعم عسكري أكبر، يزود قوات التحالف العربي في اليمن بالجنود والأسلحة، من مناطق حدودية وبشكل سريع، لذا كانت زيارة وزير الخارجية السعودي للسنغال.

فشل مفاوضات الكويت يشعل المشهد اليمني توترًا

الجبير في السنغال

في زيارة سريعة توجه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إلى العاصمة السنغالية داكار، لبحث سبل التعاون المشترك بين الجانبين، استقبل خلالها الرئيس السنغالي ووفدًا من أعضاء الحكومة ورجال الأعمال، وعقب اللقاء نوه الجبير في تصريح صحفي بالعلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين الشقيقين، مشيدًا بتطابق المواقف، على مدى عقود، بين البلدين وذلك في مختلف المحافل الدولية، مؤكدًا سعي البلدين إلى تعزيز وتنمية العلاقات المتميزة في مجالات التعاون المشترك كافة، كما شدد على حرص المملكة على تنمية العلاقات مع جمهورية السنغال في المجالات التنموية، والاستفادة من الفرص الاستثمارية.

خلال زيارة الجبير للسنغال

الزيارة الخاطفة لوزير الخارجية السعودي للعاصمة داكار، تحمل الكثير من الأبعاد والملفات المشتركة، يتقدمها الدعم العسكري السنغالي للقوات السعودية في اليمن، لا سيما وأن للسنغال تاريخ عسكري مشرف مع السعودية كما تناولنا سابقًا، ومن ثم فحزمة الاستثمارات التي حملها الجبير خلال لقائه بالرئيس السنغالي سيقابلها تمويل عسكري جديد لقوات التحالف العربي، خاصة بعد التقدم الذي حققته قوات الحوثي في بعض المناطق في الآونة الأخيرة وهو ما أكسبها الثقة الزائدة التي دفعتها للإعلان عن مجلس رئاسي في خضم المفاوضات بالكويت.

فهل تستجيب دكار لمطالب الجبير بالدعم العسكري لقوات التحالف في اليمن؟ وإلى متى يظل الاعتماد الأول للسعودية على الدعم الإفريقي في تحركاتها العسكرية ضد الحوثيين؟ ولماذا تخلت القاهرة عن الرياض في موقعتي اليمن وسوريا بالرغم من استمرار التمويل والمعونات السعودية؟ هذا ما سيتم الإجابة عنه في موضوع قادم.