ترجمة نون بوست

تفجرت فضيحة أخرى حول سرقة أموال صفقات القمح في حكومة السيسي، حيث كشف المدعي العام في يوم 7 أغسطس/آب، أن أكثر من 60 مليون دولار مخصصة لشراء القمح المحلي قد سُرقت.

وعلى الرغم من احتساب المال في دفاتر الحكومة، لم تستخدم الأموال لغرض شراء القمح. علما وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء حملته الانتخابية وعد بالقضاء على الفساد، لكنه فشل في القيام بذلك من خلال هذه الأخبار التي تم تسريبها، بعد مرور عامين من ولايته.

وقد فقد المصريون بالفعل الثقة في قدرة حكومتهم على إدارة الإمدادات الغذائية في البلاد وعلى الوفاء بوعودها للقضاء على الفساد. وعلاوة على ذلك، تتفاوض الحكومة المصرية مع الصندوق النقد الدولي، في الوقت الراهن على الحصول على مساعدات مالية لكن على الحكومة المصرية الاستجابة لمطالب الصندوق التي تفرض عليها خفض الدعم على مثل هذه المواد، لكن على ما يبدو فإن مصر غير جديرة بهذه الثقة.

وقد ألقت الحكومة اللوم على موظفي وزارة الزراعة وليس الوسطاء الذين يرتكبون عادة هذا النوع من الاحتيال، وقامت بإصدار أوامر لاعتقال البعض منهم.  وفي هذا السياق، قرر البرلمان المصري عقد لجنة للتصدي لفساد القمح، تجمع كل من رئيس الوزراء، وزير التموين ومسؤولون حكوميون آخرون في الأسابيع القادمة.

وعلى الرغم من أن هذه التدابير المتخذة من المرجح أن تكون ناجعة نسبيا في شفاء هذا القطاع المتردي وفي تأمين مساعدات صندوق النقد الدولي، فإن التحدي الحقيقي  لمصر يكمن في كبح جماح الدعم الليبرالي في البلاد دون إيذاء القدرة الشرائية للشعب المصري الذي يعتمد بشدة على هذا الدعم.

وتعتبر مصر دولة ذات اقتصاد مركزي يهيمن عليه القطاع العام، والحكومة المصرية معنية في المقام الأول بتغذية مواطنيها، والنجاح في تحقيق هذا الهدف يعتمد على القمح إلى حد كبير، حيث تعتبر مصر هي أكبر مستورد في العالم للقمح، حيث تدعم الحكومة إنتاج القمح المحلي في كل مستويات الإنتاج، فعلى سبيل المثال، يحصل مزارعي القمح على الدعم على محاصيلهم أكثر من الأرباح المتأتية من تصديرها خارجيا. وذلك بالإضافة إلى الدعم الذي تقدمه على كميات القمح المخصصة للاستهلاك وذلك من خلال تقديم الدعم للمخابز التابعة للحكومة وبيع الرغيف من الخبز بأسعار بخسة باستخدام بطاقات الخصم الإلكترونية.

وبالرغم من أهمية مادة القمح في مصر إلا أن هذا القطاع كان دائما يعاني من المشاكل والمعضلات، حيث شهد هذا القطاع اضطرابات ناجمة عن الاضطرابات السياسية والفضائح المتتالية، وفي كثير من الأحيان جراء عدم كفاءة المسؤولين عن هذا القطاع الذين يقومون دائما بالإخلال بضوابط السوق العالمية.

وعلاوة على ذلك، يسبب دعم الحكومة للقمح المحلي إلى تضخم أسعار المحاصيل، مما يولد  الفرصة لارتكاب المزيد من الفساد في هذا القطاع، حيث يقوم بعض التجار والمزارعين بخلط القمح الأجنبي المدعوم مع القمح المحلي وبيعه بأثمان باهضة كمنتوج محلي بحت.

 وقد بدأ رواج فضيحة الفساد منذ  شهر يونيو/ حزيران الماضي، عندما أعلنت الحكومة المصرية أنها قد اشترت ما يقارب عن 5 ملايين طن متري من القمح من الحصاد المحلي، أي قرابة نفس الكمية للسنة الماضية التي كانت 5.3 مليون طن متري. وقد أثارت هذه الأرقام شكوك العديد من المصريين، حيث يشتبه أن السماسرة قد قاموا بإضافة أرخص أنواع القمح الأجنبي إلى المنتج المحلي قبل بيعه.

ولذلك يمكن أن نقول أن الفساد الذي يلحق بهذا القطاع يشمل العديد من الأطراف بدءا من المسؤولين في العديد من الوزارات الحكومية والسماسرة وصولا إلى المزارعين، والجميع يتهم الآخر بالضلوع في قضايا الفساد المتعلقة بالقمح. حتى إنه قد صدر مؤخرا قرار بحظر سفر العديد من المسؤولين من وحدات تخزين وتمحيص القمح التابعة للحكومة.  

وعلى ما يبدو فإن مسار التحقيقات سيكون له انعكاسات خطيرة على مصر وقادتها، حيث تتفاوض حكومة مصر مع صندوق النقد الدولي للحصول على 12 مليار دولار، وللحصول على تلك المساعدات يجب على الحكومة المصرية خفض الدعم على القمح المحلي، وتخفيض أرباح المزارعين من بيع محاصيلهم.

ولكن للتخلص بشكل فعال من أي دعم، سيكون على مصر لأول مرة معالجة الفساد المتفشي في هذا القطاع. وسيكون  تحقيق هذا الهدف صعبا على الحكومة المصرية في بلد أصبح يعتمد بشدة على الدعم الحكومي للاقتصاد. ومن المرجح أن تكون محاولات الحكومة لمكافحة الفساد جادة ومهمة وفعالة لحد ما في مصر، إلا أنها ستفشل إذا كان موظفو الحكومة هم المكلفون بتنفيذ وبضمان سير هذه التدابير.

ونظرا لعدم استقرار الاقتصاد المصري، وشرط صندوق النقد الدولي  الذي يفرض عليها خفض الدعم في أعقاب التحقيقات الأخيرة، فإن قطاع القمح في مصر سيساهم في تردي مستويات معيشة العديد من المصريين، الذين يعتمدون في كثير من الأحيان على الأرغفة التي تخصصها الحكومة لهم من أجل العيش. وفي الواقع، جميع المصريون سوف يتأثرون بهذه الإصلاحات الجذرية التي ستحدثها الحكومة المصرية، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

وفي الوقت الراهن، قد يتسبب الكسب غير المشروع في قطاع القمح في إندلاع  أزمة  في الغذاء، أو حتى في نقص حاد في مادة القمح، مما سيؤدي بصفة تدريجية إلى فقدان الشعب المصري ثقته في حكومة السيسي. كما إن مدى قدرة حكومة السيسي المحدودة على محاربة الفساد الممنهج والمتجذر في أسس الحكومة المصرية سيضعها دائما في موضع شك.

المصدر: ستراتفور