الأزمة الكبرى في تركيا قد تتمثل في المركزية الشديدة

ترجمة وتحرير نون بوست

تكافح تركيا، منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، من أجل التعامل مع تداعيات هذا الانقلاب خاصة في ظل الحزن الذي خيم على البلاد بسبب فقدان أكثر من 250 شخصًا وإصابة أكثر من 2000 آخرين.

ومع ذلك، ظهرت البلاد أكثر تماسكًا، خاصة بعد انتشار المشاهد التي تعبر عن الوحدة والتي جمعت تقريبًا جل الطبقات السياسية والاجتماعية.

كما رفضت الأحزاب السياسية بمختلف أطيافها محاولة الانقلاب التي نفذتها الشبكة المحتالة التابعة لغولن، والتي وقع تصنيفها من قبل تركيا منذ سنة 2014 على أنها منظمة إرهابية، واحتفلت بامتلاك الشعب التركي للديمقراطية مما ساهم في فشل محاولة الانقلاب.

وتعد كل هذه العوامل مشجعة نظرًا لأن إحساس الشعب بامتلاكه للديمقراطية ونضج الطبقة السياسية دعمت إلى حد كبير الديمقراطية في تركيا.

الإفراط في المركزية

هي شروط ضرورية ولكنها ليست كافية لإيصاد الباب في وجه عصر الانقلابات، وإنهاء الأنشطة المشبوهة وغير القانونية التي تقف وراءها العناصر الفاسدة داخل الدولة، هناك حاجة للمزيد.

توجد ثلاثة تدابير مهمة يجب اتخاذها بهدف تحقيق مستقبل سياسي خال من الانقلابات والوقوف في وجه أية مجموعة فاسدة تسعى أولاً إلى السيطرة على مؤسسات الدولة ومن ثم إلى استغلال السلطة التي اكتسبتها خدمة لأهداف هذه المجموعة.

هيكليًا، طبيعة الإفراط في المركزية بالنسبة للدولة التركية تجعل من السهل على مدبري الانقلاب في المستقبل تحقيق أهدافهم وعلى العناصر الفاسدة والمنظمة سوء استغلال السلطة.

فكريًا، الإفراط في المركزية والاستباق الإيديولوجي للدولة التركية سيحفز المجموعات الاجتماعية والسياسية أو الدينية على التغلغل داخل الدولة والتأثير عليها من خلال المؤسسات العامة وأجهزة الدولة وذلك بهدف تحقيق خططهم الاجتماعية والسياسية من أجل الدولة والمجتمع بأسره.

سياسيًا - أو من حيث الثقافة السياسية - مهد غياب التفاعل السياسي السليم والحوار وآليات حل المشاكل بين الأحزاب الحاكمة وجماعات المعارضة الأخرى الطريق للجهات المعنية لكسب موطئ قدم بطريقة غير ديمقراطية في المجال السياسي فضلاً عن اكتسابها للسلطة السياسية، التي لطالما أساءت استخدامها.

يخلق النظام الإداري الذي تعتمده تركيا والذي يتميز بالمركزية المفرطة حافزًا للمجموعات حتى تتمكن من زيادة تغلغلها داخل الدولة ثم السيطرة عليها.

في معظم المؤشرات المتعلقة بالمركزية، يصنف معدل تركيا أعلى بكثير من المعدل الذي وضعته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فعلى سبيل المثال، تجمع الحكومة المركزية حوالي 70% من إجمالي الإيرادات، أي أعلى بكثير من المعدل الذي رسمته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والذي لا يتجاوز 58%.

كما أن الملفت للنظر يتمثل في أن 85 من موظفي القطاع العام يعملون لصالح الحكومة المركزية في تركيا، في حين أن 15 بالمائة فقط يعملون لصالح الحكومة المحلية، وتعد هذه النسبة الأعلى بين الدول التي تشملها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

قوة غير متكافئة

في نظام المركزية المفرطة، يعد من الأسهل نسبيًا على مجموعات معينة الوصول إلى قدر من السلطة والقوة غير المتكافئة مقارنة بالنظام، وبمجرد السيطرة على المواقع الرئيسية في بعض المؤسسات الرئيسية، يمكنك إبراز تأثير غير متكافئ مع حجمك الفعلي حيث تؤكد حالة شبكة منظمة غولن وأفعالها داخل أجهزة الدولة هذه النقطة.

وكنتيجة طبيعية، فإن اللامركزية ستؤدي حصرَا إلى ترويض طموح الجماعات التي تسعى إلى التسلل والهيمنة على النظام، خاصة وأن عدد المؤسسات، والتوزيع الجغرافي والإداري لهذه المؤسسات، ستكون أكثر وأكبر وأوسع، وبالتالي، لن تتركز قوة الدولة في المركز.

وعلاوة على ذلك، تعد الدولة التي تتميز بالمركزية المفرطة نشطة للغاية فيما يتعلق بمحاولة التأثير على الهوية والأيديولوجية للمجتمع من خلال الهندسة الاجتماعية.

وتجدر الإشارة إلى أن الدولة التركية شجعت لفترة طويلة الهوية العلمانية والقومية الغربية في حين حدت من الهوية الكردية والعلمانية.

وكنتيجة، اعتقد أولئك الذين تم الحد من هويتهم أن الطريقة الوحيدة لتغيير ذلك كان من خلال الوصول إلى مقاليد السلطة داخل الدولة، وبالتالي، فإن هذا الاعتقاد - إلى جانب طبيعة الدولة - جعل جهاز الدولة عامل جذب قوي لأية مجموعة تطمح إلى بسط سيطرتها على الحياة العامة.

وفي هذا السياق، كانت شبكة غولن جزئيًا نتاجًا لاستبدادية ومركزية الدولة الكمالية، لذلك، يجب على الحكومة أن تتعلم درسًا من هذه التجربة، وتسعى إلى الدرء بنفسها عن مسألة الهويات وتبقى محايدة أيديولوجيا.

الدروس التي يجب استخلاصها

لقد ثبت أن التفاعل والتعاون بين كل من الأحزاب السياسية والنخب حاسمًا في هزيمة محاولة الانقلاب، مما بين لنا الطريق التي يجب اتخاذها للتغلب على التحديات الرئيسية الأخرى التي تواجه تركيا.

كلما حاولت حكومات تركيا الحالية والسابقة، سواء مُكرهة أو عن طريق الاختيار، اختيار شريك للتعامل مع التحديات الكبرى أو الأزمات الوشيكة، فإن اختيارها يكون من خارج البرلمان والمجال السياسي، فعلى سبيل المثال، شعر حزب العدالة والتنمية بأنه مجبر على التعاون مع أتباع غولن بين سنتي 2007 و2010 وذلك بهدف ترويض السياسيين الذين لوحوا بانقلاب عسكري محتمل خاصة عندما بلغ الصراع على السلطة داخل المؤسسة العسكرية ذروته.

ونتيجة لذلك، تغلغل أتباع غولن داخل الدولة مما ساهم في تهيئة الأرضية بهدف القيام بالأنشطة المشبوهة وغير القانونية في المستقبل، كذلك، شهد الصراع مع حزب العمال الكردستاني منذ يوليو/ تموز سنة 2015 استغلالاً للجانب العسكري لصالح بعض الحكام المدنيين.

وعلى مر التاريخ، كلما اكتسبت هذه القوات غير السياسية الكثير من السلطة، كلما أساءت استخدامها حيث كانت أحدث محاولة انقلاب دليلا واضحا على ذلك.

كما كشف ما حدث أن عدم تسوية القضايا السياسية الرئيسية وفرت أرضًا خصبة للمجموعات للحصول على السلطة من خلال وسائل غير ديمقراطية، وعلاوة على ذلك، مهد غياب الحوار السياسي الفعال وعدم التعاون بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة الطريق لوجود جماعات بديلة، غير خاضعة للمساءلة من شأنها ملء الفراغ الموجود.

إن الدرس الذي يجب استخلاصه مما حدث يتمثل في وضع خطة متطورة بهدف التعامل مع القضايا الكبرى في البلاد، أخيرًا، يجب أن تسعى الحكومة للحصول على مساعدة المعارضة، حيث إن مثل هذا التواصل بين الحكومة والمعارضة لن يترك ثغرات أو فراغات في النظام السياسي من شأنها أن تستغلها العناصر الفاسدة.

المصدر: الجزيرة