طالبان تسيطر على مناطق شمال أفغانستان، وكذلك تنشط على طول حدود البلاد مع طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان

ترجمة و تحرير نون بوست

إذا ما تحدثت وسائل الإعلام عن سيطرة طالبان على عديد المناطق في كامل أنحاء أفغانستان، فإنهم عادة ما يعبرون عن رفضهم لما يحدث. ويقال أيضا أن طالبان قد لا تتجرأ على فعل ذلك إذا كانت القوات الحاكمة ليست فاسدة، وديمقراطية. وفي الحقيقة، يوجد تغاض تام عن حقيقة أن أفغانستان تعاني من مشكلة أعمق من ذلك بكثير، والتي تتمثل في غياب قوة حاكمة متماسكة. وفي الواقع، فإن طالبان هي القوة الوحيدة المتماسكة

في الأشهر القليلة الماضية تعددت التقارير التي أثبتت أن عديد المقاتلين التابعين لطالبان اتخذوا مواقف هجومية في كامل أنحاء البلاد، وقد زادت الأوضاع تعقيدا في الأسابيع القليلة الماضية. خاصة بعد أن هدد مقاتلو طالبان ولاية هلمند الجنوبية، وانتقلوا بعد ذلك لتهديد العاصمة الإقليمية لاشكار جاه. وقد أشار تقرير نشر البارحة إلى أن مقاتلي طالبان سيطروا على  منطقة جاني خيل في إقليم باكتيا الشرقي الذي يقع على الحدود الشرقية مع باكستان التي يعتبرها مقاتلو طالبان ملجأ لهم.

ما يلفت الانتباه حقا هو أن طالبان تسيطر على مناطق في  قندوز، تخار وبغلان شمالا، لكنها في الآن ذاته نشطة للغاية على طول حدود البلاد مع طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان. وقد تمكنت طالبان أيضا من السيطرة على مناطق تابعة للأقليات العرقية في البلاد (الطاجيك والأوزبك، الهزارة والتركمان، الخ). وتجدر الإشارة إلى أن طالبان لا زالت قادرة على المحافظة على السيطرة في المناطق التابعة لها، وهي قادرة أيضا على السيطرة على مناطق جديدة. ويقول كثيرون بأن مكاسب طالبان ليست إلا بفضل انسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي منذ سنتين. ومن المؤكد أن طالبان استغلت الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الغربية، لكن ذلك يشير أيضا إلى فشل الحكومة الأفغانية وفشل للولايات المتحدة وحلف الناتو أيضا، فالجهمورية الإسلامية الأفغانية لا تزال ضعيفة أمام طالبان.

ما ينكره معظم المراقبين هو أن الحكومة التي وضعت من قبل الغرب بتكلفة 100 مليار دولار على الأقل لم تقم بدورها. فقد مرت 15 سنة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي قررت الولايات المتحدة التدخل على إثرها في  جنوب غرب آسيا. وفي الحقيقة، لا يمكن أن ننكر أن مكانة طالبان أصبحت أضعف مما كانت عليه سنة 1996 عندما كانت تتحكم في كل شيء في أفغانستان. ولا يبدو أن هذا سيحدث مرة أخرى، وحتى وإن حدث فإنه لن يكون أمرا غاية في الأهمية. فأفغانستان لم تتغير كثيرا منذ الإطاحة بالحكومة الشيوعية سنة 1992، أي بعد ثلاث سنوات من انسحاب القوات السوفياتية سنة 1989. وقد عانت أفغانستان من الحروب والصراعات منذ الحرب الأفغانية السوفياتية التي بدأت سنة 1979.

هنا يجب طرح السؤال "لماذا"؟ لماذا لم تتمكن أفغانستان من بلوغ الاستقرار؟ الجواب يكمن في حقيقة أن أفغانستان لم يكن لها حكومة فعلية في البلاد منذ الإطاحة بالرئيس محمد نجيب الله في  أبريل / نيسان 1992. وكل ما تبقى من الحكومة بعد ذلك، تم تدميره خلال الحرب بين المتمردين الإسلاميين ضد الشيوعيين. أما حركة طالبان، والتي ظهرت عقب هذه الحرب، تمكنت من فرض سيطرتها بسبب الغياب التام للمؤسسات وأيضا بسبب انتشار تام للفوضى. وتمكنت حركة طالبان من السيطرة على الحكم منذ 1996 حتى سنة 2001. في تلك الفترة، أصبحت أفغانستان المقر الرئيسي لتنظيم القاعدة وكانت مقرا للتخطيط لهجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر.

خلاصة القول هي أن أفغانستان لم تكن لها حكومة منذ أواخر ثمانينات القرن الفارط. وآخر حكومة ناجحة في أفعانستان كانت حكومة مشتركة بين المملكة الأفغانية بين 1933 و 1937، والنظام الجمهوري بقيادة الرئيس سردار محمد داود خان بين 1973 و1978 والنظام الشيوعي بقيادة حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني الذي حكم بين 1979 و 1992. لكن الاقتتال والصراع دمرا هذه الحكومات وحكما عليها بالتشتت، إلى أن تدخل الغرب ضد طالبان عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وبالتالي، تبقى حركة طالبان الحركة الوحيدة التي تمكنت من المحافظة على السلطة لفترة طويلة، بينما بقي خصومها من الحركات الجهادية الأخرى في انقسام واضح. أما الرئيس السابق حامد كرزاي فقد تمكن من البقاء في الحكم لمدة 12 سنة بفضل الدعم الذي قدمته له القوات العسكرية الغربية. أما خليفته، الرئيس أشرف غاني، فقد وصل للسلطة عندما قررت قوات الناتو الانسحاب من البلاد. وعلاوة على ذلك، لم يتمكن أشرف غاني من الفوز بالانتخابات بطريقة عادلة، فقد ادعى وزير الخارجية السابق عبد الله عبد الله أنه قد تم التلاعب بالانتخابات الرئاسية لسنة 2014.

ونتيجة لذلك، تدخلت وزارة الخارجية الأمريكية للتوصل لاتفاق حول تقاسم السلطة بين غاني وعبد الله، وبذلك أصبح غاني رئيسا وعبد الله رئيسا تنفيذيا. لكن هذا التقاسم لم يجعل الطرفين على توافق تام، فهما لا زالا معاديين لبعضهما البعض بدل السعي للاتفاق حول التصدي لحركة طالبان.

باختصار، يوجد طرفان في أفغانستان: أولئك الموالون لطالبان وأولئك المعارضون لها. ويبين هذا الانقسام حجم المشاكل التي تعاني منها أفغانستان. ومثل هذه الانقسامات هي التي جعلت حركة طالبان الأكثر تماسكا  رغم الصراعات الداخلية التي تعاني منها والتي بدأت بعد وفاة مؤسس الحركة الملا محمد عمر وخليفته الملا محمد رسول (الذي قتل في غارة أمريكية قبل بضعة أشهر).

و لا زالت القوات الجوية الأمريكية وقوات الأمن الوطنية الأفغانية تشكل سدا منيعا ضد سيطرة حركة طالبان. لكن المشكلة هي أنه لا توجد حكومة أفغانية قادرة على التصدي لحركة طالبان وإيقافها.

المصدر: موقع ريل كلير وورد