عملية تطريز كسوة الكعبة المشرفة التي تتم صناعتها من الحرير في مصنع في مدينة مكة المكرمة

أقامت وزارة الآثار المصرية عدد من الفعاليات بمناسبة عيد الأضحى المبارك، تتضمن إلقاء الضوء على "حي الخرنفش" حيث كانت تصنع كسوة الكعبة وتنقل للسعودية في احتفال حتى عام 1962، وكذا العربية الملكية التي كانت تصاحبها.

وأوضحت إلهام صلاح رئيس قطاع المتاحف أن وزارة الآثار بدأت منذ أمس في إقامة مجموعة الفعاليات بعدد من المتاحف وتتضمن العديد من الفقرات عن أداء مناسك الحج وغيرها من الأنشطة المرتبطة بعيد الأضحى.

وقالت إن الاحتفال يتضمن احتفالية بمتحف المركبات الملكية ببولاق بالقاهرة يستمر طوال أيام عيد الأضحى ويتضمن معرض عن (العربة لاندو) التي كانت تشترك في موكب المحمل الذي كان يحمل كسوة الكعبة المشرفة من مصر إلى بلاد الحجاز، وفعاليات بحي الخرنفش.

ويقع الحي الشهير عند التقاء شارع بين السورين وميدان باب الشعرية، وما زالت هذه الدار لصناعة كسوة الكعبة قائمة حتى الآن وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة داخلها، واستمر العمل في دار الخرنفش حتى عام 1962م حين توقف إرسالها نهائيًا من مصر، حيث تصنع حاليًا في السعودية بحرير مستورد من إيطاليا وذهب وفضة من ألمانيا.

ونشرت الصفحة الرسمية للملك فاروق، وهي صفحة يديرها نشطاء محبين للتاريخ تتضمن كل ما هو قديم في مصر، تاريخ صناعة كسوة الكعبة المشرفة في مصر.

 وجاء في منشور بثته الصفحة عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، تاريخ صناعة كسوة الكعبة في الدولة الفاطمية والعباسية وفي عهد المماليك.

 ففي عهد الدولة الفاطمية، نالت مصر شرف صناعة كسوة الكعبة مع بداية الدولة الفاطمية حيث اهتم الحكام الفاطميين بإرسال كسوة الكعبة كل عام من مصر، وكانت الكسوة في ذلك الوقت بيضاء اللون.

وفي عهد الدولة المملوكية، والسلطان الظاهر بيبرس كانت الكسوة ترسل من مصر أيضًا حيث كان المماليك يرون أن هذا شرف لا يجب أن ينازعهم فيه أحد حتى ولو وصل الأمر إلى القتال.

وعندما أراد ملك اليمن "المجاهد" في عام 751هـ أن ينزع كسوة الكعبة المصرية ليكسوها كسوة من اليمن، وعلم بذلك أمير مكة أخبر المصريين فمنعوا ذلك، كما كانت هناك أيضُا محاولات لنيل شرف كسوة الكعبة من قبل الفرس والعراق ولكن سلاطين المماليك لم يسمحوا لأي أحد أن ينازعهم في هذا.

وللمحافظة على هذا الشرف أوقف الملك الصالح إسماعيل بن عبد الملك الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر في عام 751هـ وقفًا خاصًا لكسوة الكعبة الخارجية السوداء مرة كل سنة، وهذا الوقف كان عبارة عن قريتين من قرى القليوبية هما بيسوس وأبو الغيث، وكان يتحصل من هذا الوقف على 8900 درهم سنويًا، وظل هذا هو النظام القائم إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني.

وفي عهد الدولة العثمانية استمرت مصر في نيل شرف كسوة الكعبة بعد سقوط دولة المماليك وخضوعها للدولة العثمانية، واهتم السلطان سليم الأول بتصنيع كسوة الكعبة وزركشتها وكذلك كسوة الحجرة النبوية، وكسوة مقام إبراهيم الخليل.

وفي عهد السلطان سليمان القانوني أضاف إلى الوقف المخصص لكسوة الكعبة سبع قرى أخرى لتصبح عدد القرى الموقوفة لكسوة الكعبة تسعة قرى وظلت كسوة الكعبة ترسل بانتظام من مصر بصورة سنوية يحملها أمير الحج معه في قافلة الحج المصري.

وخلال عهد محمد علي باشا توقفت مصر عن إرسال الكسوة بعد الصدام الذي حدث بين أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأراضي الحجازية وقافلة الحج المصرية في عام 1222هـ الموافق عام 1807م، ولكن أعادت مصر إرسال الكسوة في العام 1228هـ.

وفي العصر الحديث، تأسست دار لصناعة كسوة الكعبة بحي الخرنفش في القاهرة عام 1233هـ، واستمر العمل في دار الخرنفش حتى عام 1962م، إذ توقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة لما تولت المملكة العربية السعودية شرف صناعتها.

كسوة الكعبة في العهد السعودي

حين اختصت المملكة العربية السعودية بصناعة كسوة الكعبة المشرفة إلى يومنا هذا، بعد عرقلة إرسال الكسوة من مصر، أمر الملك عبد العزيز آل سعود بعمل كسوة للكعبة المشرفة، بغاية السرعة.

حيث تم عمل كسوة من الجوخ الأسود الفاخر مبطنة بالقلع القوي، ولم يأت اليوم الموعود لكسوة الكعبة المشرفة، وهو يوم النحر العاشر من ذي الحجة من عام 1345هـ، إلا والكعبة المعظمة قد ألبست تلك الكسوة التي عملت في بضعة أيام.

وفي مستهل شهر محرم 1346هـ، أصدر الملك عبد العزيز، أوامره بإنشاء دار خاصة بصناعة الكسوة، وأنشئت تلك الدار بمحلة أجياد أمام دار وزارة المالية العمومية بمكة المكرمة، تمت عمارتها في نحو الستة أشهر الأولى من عام 1346هـ، فكانت هذه الدار أول مؤسسة خصصت لحياكة كسوة الكعبة المشرفة بالحجاز منذ كسيت الكعبة في العصر الجاهلي إلى العصر الحالي.

وأثناء سير العمل في بناء الدار كانت الحكومة السعودية تقوم من جانب آخر، ببذل الجهود لتوفير الإمكانيات اللازمة للبدء في وضع الكسوة والتي تتألف من المواد الخام اللازمة لمصنع الكسوة من حرير ومواد الصباغة، ومن الأنوال التي ينسج عليها القماش اللازم لصنع الكسوة، وقبل كل ذلك.

وعلى الرغم من أن هذه العناصر الأساسية التي يجب توفرها لمصنع الكسوة، لم يكن أي منها متوفرًا لدى المملكة حين ذلك، فقد بذلت الحكومة السعودية جهودًا كبيرة في سبيل توفيرها في الوقت المناسب وقد تحقق لها ذلك، حيث تم بناء المصنع الجديد من طابق واحد في ستة أشهر.

وفي أول رجب من نفس العام 1346هـ، وصل من الهند إلى مكة المكرمة اثنا عشر نولًا يدويًا، وأصناف الحرير المطلوبة ومواد الصباغة اللازمة بذلك والعمال والفنيون اللازمون وكان عددهم ستين عاملًا، أربعون منهم من المعلمين الذين يجيدون فن التطريز على الأقمشة، وعشرون من العمال المساعدين.

وعند حضورهم إلى مكة المكرمة نصبت الأنوال ووزعت الأعمال وسار العمل على قدم وساق في صنع الكسوة وتطريزها، حتى تمكنوا من إنجازها في نهاية شهر ذي القعدة عام 1346هـ.

وقد صنعت تلك الكسوة على غرار الكسوة المصرية، فكانت على أحسن صورة من حسن الحياكة وإتقان الصنع وإبداع التطريز، يزينها الحرير الأسود الذي نقشت عليه "لا إله إلا الله محمد رسول الله" على شكل رقم (8) وفي أسفل التجويف "يا الله" وفي الضلع الأيمن من أعلى الرقم (8) "جل جلاله" وكذلك في أعلى الضلع الأيسر "جل جلاله".

أما الحزام فكان عرضه مثل عرض الحزام الذي كان يعمل في مصر، مطرزًا بالقصب الفضي المموه بالذهب.

أما تلك الكتابات التي كتبت على الحزام فهي نفس الآيات القرآنية التي كانت تكتب على حزام الكسوة المصرية في جميع جهاتها باستثناء الجهة الشمالية المقابلة لحجر إسماعيل عليه السلام، حيث كتب على الحزام من تلك الجهة، العبارة التالية "هذه الكسوة صنعت في مكة المباركة المعظمة بأمر خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية".

وأما البرقع (ستارة باب الكعبة المشرفة) فقد صنع أيضًا على غرار البرقع المصري وكتبت عليه نفس الآيات القرآنية والعبارات التي كانت تكتب على برقع الكسوة المصرية، باستثناء المستطيلات الأربعة التي تتوسط البرقع والتي كان يكتب عليها عبارة الإهداء في الكسوة المصرية، حيث استبدل بها قوله تعالى: "وقل جاء الحق وزهق البطل إن البطل كان زهوقًا – وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا" سورة الإسراء: 81-82.

ثم أضيفت في ذيل البرقع دائرتان صغيرتان مكتوب في داخلهما عبارة "صنع بمكة المكرمة سنة".

وقد كسيت الكعبة المشرفة في ذلك العام 1346هـ، بهذه الكسوة التي تعتبر أول كسوة للكعبة تصنع في مكة المكرمة، وظلت دار الكسوة بأجياد تقوم بصناعة الكسوة الشريفة منذ تشغيلها في عام 1346هـ، واستمرت في صناعتها حتى عام 1358هـ.

ثم أغلقت الدار، وعادت مصر بعد الاتفاق مع الحكومة السعودية إلى فتح أبواب صناعة الكسوة بالقاهرة سنة 1358هـ، وأخذت ترسل الكسوة إلى مكة المكرمة سنويًا حتى عام 1381هـ.

ولاختلاف وجهات النظر السياسية بين مصر والدولة السعودية، توقفت مصر عن إرسال الكسوة الشريفة منذ ذلك التاريخ، عقب مجيء حكم عبد الناصر، وقامت الدولة السعودية بإعادة فتح وتشغيل مبنى تابع لوزارة المالية بحي جرول، يقع أمام وزارة الحج والأوقاف سابقًا، والذي أسندت إليه إدارة المصنع، ولم يكن لديها وقت لبناء مصنع حديث.

وقد ظل هذا المصنع يقوم بصنع الكسوة الشريفة إلى عام 1397هـ، حيث نقل العمل في الكسوة إلى المصنع الجديد، الذي تم بناؤه في أم الجود بمكة المكرمة، ولازالت الكسوة الشريفة تصنع به إلى يومنا هذا.

المصدر: إيوان 24