ترجمة وتحرير نون بوست

بعد أن تسرب الصراع في سوريا إلى لبنان عبر الحدود، ارتفع العنف الطائفي إلى مستويات لم تحدث خلال الأعوام السابقة. السيارة التي انفجرت مؤخرا في ضاحية حزب الله الجنوبية قتلت ٥ على الأقل وجرحت عشرات آخرين. وقبل ذلك بأقل من أسبوع قُتل مستشار رفيع المستوى لرئيس الوزراء اللبناني السابق ومن رموز السياسيين السنة في لبنان في قلب العاصمة بيروت. وفي نوفمبر حدث انفجارين أمام السفارة الإيرانية في لبنان.

التفجير الأخير، بالإضافة إلى هجوم السفارة الإيرانية يبدو من عمل الجماعات السنية المتطرفة، والتي يظهر أنها تكتسب شعبية سريعة في جميع أنحاء لبنان.

في صورة مصغرة للحرب في سوريا، جماعات سنية مسلحة انخرطت في اشتباكات عنيفة مع الميليشيات الشيعية الموالية للأسد في النقاط الساخنة داخل لبنان مثل مدينتي صيدا وطرابلس وفي جبل البقاع.

ومع زيادة أعداد الضحايا، تتزايد المخاوف من أن القتال قد يدفع المجتمع السني المحاصر نحو بناء ميليشيا مسلحة على نطاق واسع. اعتقل الجيش اللبناني القائد السعودي لجماعة عبدالله عزام المرتبطة بالقاعدة والتي أعلنت مسؤوليتها عن انفجار سفارة إيران، الرجل الذي توفي لاحقا في محبسه قبل بدء التحقيق سيجد الكثيرين من الأشخاص المستعدين أن يأخذوا مكانه.

لقد بدأت المجموعات المسلحة السنية بالفعل في تقديم مساعدات للثوار السوريين وفي محاولات تقويض تأثير حزب الله، وبعضها اشتبك حتى مع الجيش اللبناني، الذي دوما ما كان يعتبر على أنه خارج الصراعات الطائفية.

تاريخيا لم تستطع الطائفة السنية في لبنان تعبئة نفسها عسكريا، على الرغم من أن الطوائف الأخرى (المسيحيون والشيعة والدروز) قد أنتجوا ميليشيات قوية لحماية مصالح مجتمعاتهم، أما السنة في لبنان فلم يستطيعوا فعل ذلك بسبب غياب حزب قادر على توحيد السنة. حتى المجموعات السنية التي هاجمت أماكن حزب الله او اشتبكت مع موالين للأسد، هي إما تابعة للسلفية الجهادية العالمية أو لها جذور في المخيمات الفلسطينية في لبنان، ما جعلها غير قادرة على حصد شعبية حقيقية في البلاد.

ومع ذلك فإن التطورات السياسية والاجتماعية والعسكرية التي تؤثر على الغالبية من السنة في لبنان تشير إلى أن حسابات بناء ميليشيا سنية قد تتغير. لقد شهد العقد الماضي تغييرات جذرية في كيفية تعامل السنة مع بقية الطوائف، ربما كان أهم تغيير هو فشل السنة في صياغة أجندة سياسية عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 2005. الحكومة التي انتُخبت عقب اغتياله كانت مهمتها إنهاء عسكرة حزب الله والقضاء على النفوذ السوري في لبنان، إلا أنها لم تستطع فعل أي شيء وانتهت مساعيها بالإحباط. 

بل إن المحاولة -الكارثية- للحكومة لتفكيك أنظمة اتصالات حزب الله في مايو 2008 انتهت بشكل خطير بعد أن تحرك حزب الله بسلاحه داخل لبنان للسيطرة على الأحياء ذات الغالبية السنية.

لقد خلق عجز الساسة السنة في لبنان  عن حماية مصالح الطائفة السنية فراغا للقيادات المتطرفة الذين ادعوا لأنفسهم دور “حماية المجتمع السني”. وفي السنوات الأخيرة بدأت مجموعات سلفية مدعومة من بعض دول الخليج في جني شعبية عبر الحديث عن مشكلات المجتمع السني ومصالحه. وهذه المجموعات هي التي تقود معركة اللبنانيين في سوريا.

المجموعة السنية الأشهر في سوريا والتي يديرها قائد لبناني هي جماعة جند الشام، وهي تعمل في حمص تحت إدارة اللبناني خالد محمود. مجموعة أخرى تُدار بواسطة الشيخ اللبناني السلفي أحمد الأسير تُدعى كتائب المقاومة الحرة. لقد أُسست في إبريل 2013، وعن التعاون بين تلك المجموعات، تقول التقارير أن جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة صار لها تواجد حقيقي في لبنان منذ ديسمبر 2012 على الأقل.

طرابلس الشمال هي بؤرة المجموعات السنية التي تقاتل في سوريا وهي واحدة من المدن الأكثر عرضة لاشتباكات طائفية حيث تسكنها أقلية علوية.

هناك عاصفة تختمر في لبنان، اغتيال الحريري، والفشل الذي لحقه من النخب السياسية في لبنان في ملء الفراغ القيادي، وصعود حزب الله بالإضافة لحملة الأسد الوحشية في سوريا قد تغير من آليات مشاركة السنة في لبنان جذريا. 

لقد وفرت الحرب السورية فرصا جديدة وخطيرة للتشدد، السنة في لبنان قادرون الآن على إنشاء ميليشيات مسلحة بعد أن حصلوا على خبرة ليست هينة في أرض المعركة. أكثر من مليون سوري لاجئ (غالبا من السنة) دخلوا لبنان وغيروا تماما من تركيبتها السكانية.

حتى الآن، ومع الطبيعة المنقسمة على نفسها لسنة لبنان وإحجام جميع الأطراف عن التورط في مواجهة عسكرية فقد تم تجنب الحرب الأهلية، لكن مع نمو التوترات الطائفية قد يرى المجتمع السني في لبنان أن ما يحدث يشكل خطرا وجوديا عليه. القيادات في هذه الحالة، المعتدلة والمتطرفة على حد سواء، قد يستخدمون العنف لحماية مصالح مجتمعهم وهو ما يعني زيادة قوتهم على الأرض. تحول من هذا النوع قد يؤدي إلى استعار حرب أهلية جديدة في لبنان.

المصدر: فورين بوليسي