تعرفتُ إلى السينما الإيرانية، متأخرًا جدا، في 2012م، بعد فوز فيلم "انفصال نادر و سيمين" بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي.

ذلك الفيلم الذي أثار ضجة، ولفت أنظار الكثيرين، نحو السينما الإيرانية، وأظهر مدى شغفها بتسليط الضوء والتركيز على التفاصيل. حيث تعتمد معظم قصص أفلام السينما الإيرانية، اعتمادا كليًّا على الصبغة الإنسانية للحكاية. الأمر الذي أهّل أكثر من ثمانِ أفلام إيرانية للترشح لجائزة الأسكار، ليفوز منها فيلم "انفصال" عام 2011.

تأثرت السينما الإيرانية في بداياتها بالسينما الهندية. ثم انفتحت لاحقا على الغرب، وتعلمت الواقعية من السينما الإيطالية، ليتجلّى ذلك في فيلم "البقرة" الذي تم إنتاجه عام 1969م. ومُنع من العرض في فترة حكم الشاه، لأنه نقل الحقيقة في أصدق صورها دون أي تزييف، فقد تم تصويره في قرية إيرانية فقيرة، حيث أوجاع وهموم هذه الطبقة المعدمة، والطبيعة الجدباء القاحلة، دون رتوش أو تجميل!

وفي الوقت الذي تأثرت فيه السينما الإيرانية بالقيود التي فرضتها الثورة الإسلامية، وبتوجهات المرحلة الإقتصادية، كان من اللافت للنظر، بدء الحضور النسوي في السينما الإيرانية في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، سواء كممثلات أو مخرجات. مثل "رخشان بني اعتماد" التي تُعد واحدة من أهم الرواد في السينما الإيرانية، و"بوران درخشنده" الكاتبة والمنتجة والمخرجة الشهيرة.

وفيما بعد بدأت الممثلات الإيرانيات في فرض وجودهن على الساحة ومنافسة الممثلات العالميات والعربيات، وبدأت الأفلام الإيرانية تهتم بتسليط الضوء على وضع البلد، وأبرزها القيود المفروضة على المرأة وما تعانيه نتيجة لمعايير معينة وموروثات عُرفية ليس لها أي سند قانوني أو ديني.

وفيما يلي استعراض لبعض الأفلام الإيرانية التي تمحورت قصتها الأساسية حول المرأة وما تعانيه هناك، في محاولة لتسليط الضوء على أحوالها،

عن إيلي (About Elly)

(ملصق فيلم "عن إيلي"، 2009)

هذا الفيلم، حبكة درامية رائعة، سطرها المخرج الإيراني الشهير "أصغر فرهادي" في العام 2009، مستخدما طاقم تمثيلي متناغم، ذو أداء مثالي و رائع.

من هي "إيلي"؟ وما قصتها؟ أين ذهبت؟ ولماذا؟. هذه التساؤلات التي استحوذت على عقل المشاهد في الثلث الأخير من أحداث الفيلم. فبينما تركض على الشاطئ ممسكة بخيط طائرة ورقية، تبدو لنا بوجهها الطفولي البريء، فتاة بسيطة، غامضة، ظهرت من العدم، لنتعلق بها، ومن ثم اختفت، مُخلّفة ورائها الكثير من الأسئلة المريبة.

الفيلم يحكي عن رحلة ثلاث عائلات من طهران، لقضاء أجازة على الشاطئ، ومعهم ضيفان، "أحمد" و "إيلي"، على أمل من "زبيدة" للتقريب بينهما ومحاولة ترتيب ارتباط بينهما. لكن هذه الترتيبات تفشل، وتتعقد، لتنتهي بمأساة، لم تخطر على بال أحد، ولا بال المشاهد. ليتركنا "فرهادي" ونحن معلقون بالشاشة، في محاولة لالتقاط أي تفصيلة، قد تشي لنا بإجابات الأسئلة السابقة، وتسمح لنا بالتعرف على "إيلي" الغامضة.

المدينة الجميلة (Beautiful city)

(فيلم المدينة الجميلة، 2004)

اعتبر النقاد السينمائيين هذا الفيلم، بمثابة بروفة، قام بها "أصغر فرهادي" قبل أن يقدّم للعالم فيلمه الأشهر الذي فاز بجائزة الأوسكار "انفصال". ففيلم "شهر زيبا أو المدينة الجميلة"، الذي أُنتج عام 2004، ثاني الأعمال السينمائية لفرهادي بعد فيلمه الأول "الرقص على الغبار"، يتناول نفس الإشكالات التي أثارها فيلم "انفصال"، من ثقل البُنية الاجتماعية التقليدية، وعقدة الذنب، وتداخل مفاهيم الخير والشر، وعدم وضوح الأبيض والأسود بصورة قاطعة.

الفيلم يحكي عن “أكبر” العاشق الصغير، الذي يقرر الانتحار بعد رفض والد حبيبته له. لكن حبيبته “مليحة” تترجاه أن يقتلها ثم يقتل نفسه في مشهد مشابه لقصة روميو وجوليت الشهيرة. لكن التراجيدية الرومانسية، انتهت بتراجيدية من نوع آخر. فـ “أكبر” لم يستطع قتل نفسه بعدما قتل حبيبته. ليُقبض عليه ويُزج به في سجن الأحداث، حتى يصل للسن القانوني للإعدام.

 تذهب أخته الكبرى مع صديقة، لوالد القتيلة، ليتوسلوا إليه مرة أخرى للعفو عن أخيها؛ إلّا أن الأب المفجوع بمقتل ابنته، لا يقبل بغير الإعدام لقاتلها. وحين يذهب للهيئة المسؤولة لتسريع عملية الإعدام كي يفقد أهل “أكبر” الأمل في العفو عنه، يطالبونه بدفع نصف الدية.

لأن المرأة نصف الرجل، وبالتالي لن يعدم الرجل على قتل “نصف”، إلا إذا دُفع الفارق.

ليأخذنا الفيلم إلى تفصيلة جديدة، عن حال المرأة في المجتمع الإيراني. ففي حال قتلها لا يحق لأهلها المطالبة بالقصاص لها، لأنها لا قصاص من "واحد صحيح" لـ "نصف"!

الدائرة (The Circle)

(ملصق فيلم الدائرة، 2000)

(ذات يوم، كنت اقرأ في صحيفة محلية فوقعت عيني على خبر، قيام أم بقتل ابنتيها الصغيرتين ومحاولتها الانتحار، هكذا نُشر الخبر دون تفاصيل. ومنذ ذلك اليوم قررت أن أعمل على فيلم «الدائرة»ـ للكشف عن الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة الإيرانية التي تعيش في سجن كبير. - جعفر بناهي/مخرج الفيلم).

يبدأ المشهد الافتتاحي لهذا الفيلم الذي تم تصويره في إيران عام 2000م، ومُنع من العرض فيها، بأسماء المشاركين فيه، بينما في الخلفية، صراخ امرأة تضع مولودها. لتكون أول مشاهد الفيلم، إعلان الممرضة عن جنس المولود. لا تسأل الأم أو الجدة عن صحة المولود، لكن عن جنسه، لتبدو لنا خيبة الأمل بعد إعلان الممرضة أن المولود أنثى.

ليعكس لنا هذا المشهد الافتتاحي، الفكرة العامة للفيلم، ونظرة المجتمع الإيراني للمرأة، بصورة عامة.

تنتقل الكاميرا إلى ثلاث فتيات قرب كابينة هاتف عمومي، يبدو عليهن الخوف، وأنهن يحملن سرًا ما، لن يعرفه المشاهد أبدا. تذهب إحداهن لبيع سلسلة ذهبية فتقع بأيدي الشرطة، بينما تفر الأخرتان، في اتجاه السوق باحثتين عن شخص ما، لكن إحدى الفتاتين تعد بأنها ستجد حلا لمشكلة توفير تذاكر سفرهن إلى مدينتهن.

تذهب إحدى الفتاتين إلى محل، لتخرج ومعها بعض النقود، دون أن نعرف كيف حصلت عليها. لكن حلم السفر يتبدد، لأن الفتاة الأخرى ليس لديها أية بطاقة هوية، وغير مسموح لها بالسفر بمفردها، بين المدن الايرانية. فتضطر للهروب عندما ترى عدداً من رجال الشرطة يقفون عند باب الحافلة التي تريد الصعود إليها.

بهذين المشهدين، يكون المخرج قد عرّف المشاهد، على خمسة إناث، مجهولات المصير؛ الطفلة المولودة غير المرغوب فيها، وأمها التي تواجه مصيرا صعبا، والفتيات الثلاث اللواتي افترقن دون إرادتهن.

السرد الفيلمي يدفع المشاهد، إلى قراءة الصورة التي أمامه، بحثا عن إجابة سؤاله. فجعفر بناهي، لا يأخذ بيد المشاهد إلى النهاية، بل يترك له مساحة للاستنباط.

تتجول بنا الكاميرا المحمولة على الكتف، هنا وهناك، لتصوير اللقطات الخارجية والتي تتميز بالحركة والسرعة. في إشارة إلى البحث الدائم عن منفذ للخروج و الحصول على حياة.

خلال تلك الأحداث، نرى فتاة أخرى مختبئة في بيت والديها بعدما غادرت السجن. لا تُخبرنا الأحداث، عن سبب سجنها، لأن السجن المادي لا يقارن بالسجن الأكبر الذي تقبع فيه المرأة الإيرانية. تُطرد هذه الفتاة من بيت والدها، لكنها لم تستطع المبيت في الفندق، أو التحرك بحرية في الشارع، تذهب لبيت صديقة، لكتشف أن صديقتها حملت سفاحا، وتريد أن تُجهض نفسها قبل أن يشيع أمرها، ليأخذنا السرد الدرامي للأحداث، إلى باب المسدود.

في مشهد آخر، توقف الشرطة رجل معه سيدة. تطلب الشرطة، هوية السيدة، في حين يتوسل الرجل حتى يُخلى سيبله على وعد بألا يعيد فعلته. يُسمح له بالذهاب، وتُساق المرأة التي كانت ترافقه، إلى المخفر.

في السجن، نفاجأ بالفتيات الثلاث اللواتي شاهدناهن في البداية. ومعهن الفتاة الحامل التي كانت تسعى لإجهاض نفسها، دون أن نعرف ما حدث لهن. أما السيدة التي بدأ الفيلم بإنجابها لمولود أنثى، فنجدها أيضا. لنعي أنها طُلِّقت وأصبح مصيرها الشارع. لتُغلق الدائرة على نساء تائهة ومقهورة وحزينة، تبحث عن الخلاص والتحرر.