مرحبًا بكم، هنا الخضراء، هنا معالم التاريخ وبنيان مشيد قدره ثلاثة آلاف سنة من الحضارة، من قرطاج عليسة إلى قرطاج بن علي، وبين قرطاج وقرطاج تختلف حيثيات التاريخ كثيرًا وقد يصل هذا التاريخ للموالي من قرائه مغلوطًا ومشوهًا في نصيب كبير منه ولكنه في كل حقبة منه يبقى مخلدًا بالحجارة، حجارة تحفظ الجزء الأهم من التاريخ، حجارة شيدت لتقاوم هرسلة الزمان وما يحمله من طبيعة طاحنة وأقوام طامسة.

فإذا دخلتم تونس فجهزوا أقلامكم ودفاتركم لتدونوا تاريخ معالمها الأثرية لكل حقبة من أحقابها ولا تقرأوا كثيرًا مما كُتب في لوحات التعريف بالآثار والمعالم لكي لا تصيبكم جهالة التزييف ودققوا في شاكلة القبور عند كل معْلم وحول كل بنيان عسى أن تحيطوا بالتاريخ علمًا، وإذا التقطتم لأنفسكم صورًا بخلفيات المباني فلا تقربوا الحجارة كثيرًا ولا تلمسوها فقد تكون حجارة ملعونة تحمل في جوفها جُؤار السابقين، وإذا وطأتم الجسور فمروا بلطف واقرأوا عليها ما تيسر من تراتيل السماء مما حملت أديانكم وترحموا، عسى أن يكون بخرسانتها الأسمنتية أرواح تستحق الرحمة.

فأنت يا دائسًا هذا الثرى، في الخضراء، في بلد لم يُطلق عليه هذا التوصيف عبثًا، فإنك إذا نظرت إلى تونس من شاهق فأول ما سيلفت انتباهك هو قباب الأضرحة الخضراء المنتشرة في أرجاء المدينة، وكأن صورة الموت اقترنت بهذا البلد بحلة بهية وإلا لما كان بن علي ليقتل ويعذب ويجوع، وصحافة فرسان القلم تسارع بخيلها ورجِلها لوضع الغشاء الوردي على جرائمه بأقلام التجميل التي تسرد إنجازاته.

ربما لا أحد ينكر نصيبًا مما قيل إنها إنجازاته لا سيما منها ما ارتبط بالبنية التحتية من طرقات وجسور، ولكن هؤلاء الفرسان حينما كتبوا عن الإنجازات غفلوا عن معطيات هامة للأسف، فياليتهم كتبوا حقيقة الإنجازات كما هي لكي لا تكشفها شهادات التاريخ فيما بعد، فالتاريخ له صولة كشف الحقائق وإن كثرت عليه صولات الطامسين.

وبعد فإن حجارة البنيان في تونس يا سادة حجارة مخضبة بالدماء وبجوفها أرواح الصالحين الذين زُهقت أرواحهم جورًا وظلمًا وحُرم عليهم الموت في بلد الموت الجميل وكانت أجسادهم أحجار أسس للمشاريع.

كمال المطماطي المهندس بشركة الكهرباء والغاز بمحافظة قابس، الرجل الذي قتله النظام بعد تعذيب شديد سنة 1991 بتهمة الانتماء إلى الاتجاه الإسلامي وتأكدت معلومة وفاته سنة 2009 ونالت عائلته شهادة الوفاة سنة 2015، كانت هذه المعطيات على لسان والدته ضمن الشهادة الرابعة في الليلة الأولى لجلسات الاستماع العلنية لضحايا انتهاكات الماضي المنظمة من قِبل هيأة الحقيقة والكرامة.

شهادة من بين عدة شهادات حملت في طياتها ألمًا ودمعًا كثيرًا وكانت بمكانة زلزال لذاكرة شعب تحتضر فالكل كان قابعًا لليلتين أمام شاشة الوطنية بداية من الساعة الثامنة والنصف مشاهدًا بثًا متقطعًا أرسلته المؤسسة الإعلامية كرهًا بفرض وإجبار من هيئة يحميها دستور الثورة.

ليلتان من إنعاش الذاكرة ومن إيقاظ تاريخ مطمور عبث به سحرة الإعلام وأشاحوا عنه أبصار الناس طويلاً، ليلتان والناس يستمعون بجوارحهم لضحايا بورقيبة وبن علي من أقصى يمينهم إلى أقصى شمالهم.

لتتهاطل على إثر ذلك الشهادات تترًا ويأتي كلٌ بنبأه اليقين عن الحوادث، فيقول أحدهم على شاشة الزيتونة إنه عاين في السجن حالة لأخوين شابين يجبرهما السجان على رضع ذكر أخيهما الكبير وتقول أخرى بأن الهيئة لم تمرر الحالات الصادمة كالمرأة التي اغتصبها جلادها وقتل زوجها وهي تعيش الآن مع ابنها الذي أنجبته من جلادها لتنام وتصبح كل يوم على ألمها ومصابها.

شهادات تلو الأخرى لا يكفي المقام لسردها ولكنها تؤكد التصريح الذي سجن على إثره المحامي محمد عبو سنة 2005 حينما صرح بأن التعذيب في سجون تونس لا يقل بشاعة عن التعذيب في أبو غريب، ولعل أكثر شهادة كانت مثيرة للجدل هي التي أتت من نائب رئيس مجلس النواب الأستاذ عبد الفتاح مورو حينما قال على شاشة الجزيرة مباشر بأن أحد أعوان الأمن أعلمه أن الشهيد كمال المطماطي قد دفن في خرسانة أسمنتية لأحد الجسور، لتتجلى بذلك حقيقة الإنجازات التي استرزق منها فرسان القلم.

فلكم يا سادة وأنتم تتأملون حجارة حضارتنا أن تتخيلوا فؤاد أم كمال وهي تمر على كل جسر من جسور تونس ليتراءى لها جثمان ابنها عند كل عمود.