أنجيلا ميركل، رفقة عمدة برلين مايكل مولر، ووزير الداخلية توماس دي ميزيار، ووزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير

ترجمة وتحرير نون بوست

يعتبر الوقت الذي أعلنت فيه السلطات الألمانية يوم الثلاثاء، عن عدم تيقنها من هوية منفذ هجوم برلين، نقطة تحول في مسيرة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

فقد قال أحد السياسيين القوميين، بعد ساعة من الهجمة الإرهابية التي جدت في سوق عيد الميلاد التي أسفرت عن مقتل 12 شخصًا، إن ضحايا هذه الهجمة هم في الأصل "ضحايا ميركل"، ومع حلول صباح الثلاثاء، صرح رئيس وزراء مقاطعة بافاريا هورست زيهوفر، بأنه ينبغي على حلفاء ميركل التابعين للتيار المحافظ إعادة النظر في السياسة التي تتوخاها ألمانيا بخصوص اللاجئين، لأنهم "مدينون بذلك للضحايا"، ومع منتصف النهار، أدلت المستشارة أنجيلا ميركل بتصريح وضحت فيه تداعيات هذا الهجوم على الساحة السياسية الألمانية، مؤكدة أن توجيه أصابع الاتهام إلى أحد طالبي اللجوء يعتبر أمرًا مشينًا.

أفرجت الشرطة، بعد مرور ساعات على تصريحات المستشارة ميركل، عن الرجل الباكستاني لعدم توفر الأدلة التي تدين هذا اللاجئ الذي دخل في نهاية السنة الفارطة لألمانيا، وتم اعتقاله لاشتباه السلطات في تورطه، وألقت هذه الحادثة بظلالها على الساحة السياسية الألمانية، وسرعان ما وجهت الانتقادات إلى سياسة ميركل مع اللاجئين لتظهر مدى هشاشتها، على الرغم من وقوف 57% من الشعب إلى جانبها قبل تسعة أشهر، في استطلاعات الرأي عن إعادة ترشحها.

يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة برلين أوسكار نيادرماير: "الناخبون الألمان أصبحوا أكثر رغبة في التغيير مما كانوا عليه سابقًا"، وأضاف "الأحداث الأخيرة ستنجر عنها العديد من التغيرات في المشهد السياسي"، إن ردات الفعل والتجاذبات بين مختلف الأقطاب السياسية في ألمانيا، إزاء طريقة معالجة ميركل لأزمة اللاجئين، جعلت البلاد تعيش في فترة من الشك السياسي هي الأسوأ من نوعها منذ سنوات، ومع خسارة حزب ميركل اليميني المعتدل للأصوات في الانتخابات الأخيرة، بدأت المستشارة الألمانية تتشدد في سياستها الليبرالية المتبعة مع اللاجئين في الأشهر المنصرمة.

لقد وعدت أنجيلا ميركل بتسريع عملية ترحيل اللاجئين غير المرحب بهم في ألمانيا، والحيلولة دون تدفق المزيد من اللاجئين، ولئن ساعدها هذا التغير الذي طرأ على سياستها على تحسين ترتيبها في استطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة، فإن ذلك لم ينجح في التقليل من حدة الانتقادات الموجهة إليها، وقال أحد سكان برلين يدعى كريستيان هاغلار، بينما كان يتجول في ساحة غاندرمنماركت يوم الثلاثاء، بنبرة ملؤها التقريع واللوم للمستشارة ميركل على خلفية رفضها لإغلاق الحدود الألمانية، الذي ترتب عنه هجوم يوم الإثنين، "لقد كنا سذجًا، ستزداد الأوضاع سوءًا، فكلما زاد عدد اللاجئين المتوافدين على البلاد زادت الضغوطات على نسيج المجتمع الألماني".

وعقب تفجير انتحاري في تموز/ يوليو وقع في أنسباخ وخلف 15 جريحًا، لم تتوجه المستشارة ميركل إلى الصحافة لتمد الرأي العام بحيثيات هذه الحادثة، كما لم تدل بأي تصريحات بعد حدوث العديد من الاعتداءات الجنسية في كولونيا ليلة رأس السنة الميلادية، لكنها هذه المرة على خلاف المعتاد، أدلت بالتصريحات اللازمة أمام الكاميرات في غضون ساعات، وزارت موقع الحادث.

كما أقدمت المستشارة الألمانية، التي لم يعهد منها الشعب الألماني تقديم أي تصريحات قبل الإلمام بجميع حيثيات الحادثة، على التطرق بشكل مباشر إلى التقارير التي تفيد بإمكانية تورط أحد المهاجرين في العملية الإرهابية الأخيرة، وفي هذا الصدد قالت المستشارة الألمانية للصحفيين يوم الثلاثاء في مقرها ببرلين: "أنا أعلم أنه سيكون من الصعب علينا تحمل إمكانية ارتكاب أحد اللاجئين لهذه العملية الإرهابية، وتقبل حقيقة أنه كان من بين الأشخاص الذين استنجدوا بنا لحمايتهم ومنحهم حق اللجوء في ألمانيا".

بحلول ذلك الوقت، كان رئيس حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي ورئيس وزراء بافاريا هورست زيهوفر، قد وجه عدة انتقادات لسياسة أنجيلا ميركل مع اللاجئين، وأعرب هذا السياسي عن استيائه من الحال التي آلت إليها سياسة اللاجئين قائلاً: "نحن مدينون للضحايا والأشخاص المتضررين والشعب الألماني أجمع  بإعادة النظر والتفكير في تعديل سياسة الهجرة والخطط الأمنية كلها".

وتشير تصريحات زيهوفر النارية إلى أنه كان على استعداد لنقل المعركة القائمة بينه وبين المستشارة ميركل إلى الانتخابات القادمة، التي من المتوقع أن تدور بين كلا الحزبين كما هي العادة في الانتخابات الوطنية، ووفقًا لما أدلى به مساعدو ميركل، فإن احتدام المنافسة بين أنجيلا ميركل وهورست زيهوفر الذي يميل إلى تضييق الخناق على المهاجرين وتطبيق سياسات أكثر تشددًا، ساهمت في زيادة التحديات التي تواجهها المستشارة في استطلاعات الرأي.

واتهم عضو البرلمان الأوروبي التابع لحزب البديل المناهض للهجرة في ألمانيا ماركوس بليتزر، المستشارة ميركل بالتسبب بحالات الوفاة التي أسفر عنها هجوم يوم الإثنين، لكن غيّر هذا الزعيم السياسي في برلين لهجته اللائمة لتصبح أكثر ملاءمة للأحداث في تصريحات يوم الثلاثاء، وفي هذا السياق قال رئيس الحزب في مجلس برلين التشريعي جورج بازديرسكي: "مدينتنا لا تزال في حالة صدمة، وهذا ليس الوقت المناسب للمطالبة بأي مطالب سياسية"، لكنه أردف قائلاً: "في الأيام المقبلة سنحتاج إلى التفكير بشكل مكثف في كيفية منع مثل هذا النوع من الهجمات من الحدوث مستقبلاً في ألمانيا، والحرص على عدم تكررها مرة أخرى".

تداول السياسيون في ألمانيا لعدة أشهر هذا النوع من التصريحات، بينما تزداد فرص أنجيلا  ميركل في الفوز بالانتخابات والحصول على ولاية رابعة في العام المقبل، لكن من المرجح أن تطرأ عدة تغيرات على مسيرتها ومخططاتها المستقبلية بعد هذا الهجوم الإرهابي، مكاسب حزب البديل من أجل ألمانيا يمكن أن تكون على حساب المحافظين المساندين للمستشارة ميركل، لأنه من المتوقع أن ترجح كفة اليسار وتسنح لهم فرصة بتكوين ائتلاف يساري يتسلم زمام الأمور في الحكومة الألمانية، وحسب ما قاله الأستاذ أوسكار نيادرماير فإن هذا "يمكن أن يكون السيناريو الذي يخشى الكثيرون حدوثه".



المصدر: وال ستريت جورنال